الحلقة التاسعة

 تاريخ الناصرية

أيام معتقل الشرطة الخيالة، مَصابٌ ليسَ يشبهُهُ مَصابُ

د. محمد الأزرقي

mjiyad@hotmail.com

 

في اعتقادي انه ليس من العدل في شيء ان نردد المراثي ونسترجع الفواجع التي حلت بالشعب العراقي، في وقت کان يجب فيه ان نغني ونحتفل بعرس تموز. کما انه ليس من السهل علينا بالذات، نحن الجيل الذي شهد ميلاد ثورة 14 تموز المجيدة ومن ثم ذبْحها وهي لم تتجاوز بعد عمر الخامسة، ألا يشعر بغصَّة في القلب والوجدان کلما حلت ذکراها. وإني وإن کنت شخصياً أستميح العذر لسذاجة وبراءة مَن قادها ومَن ثم ضيَّعها، فإني لا أميل الی ان أُبرر، تحت أية حجة، عجز الاحزاب الوطنية وفشلها الذريع. أقول ذلك لأن قيادات الحزب الشيوعي بالذات ومعها الچادرچي والبرزاني، وهم الذين تمرسوا في السياسة، قد عملوا وفق اهداف ضيقة، وجرَّوا البلد الی صراعات جانبية لا جدوی منها فسمحوا للثورة ان تُسرق، أو خذلوا قائدها في الساعة الحرجة. ليس خفيَّاً علی أحد ان الزعيم الشهيد کان رجلاً عسکرياً يجهل أساليب السياسة وفنونها. أضف إلی ذلك طوبائية تصل حدَّ السذاجة کان الرجل يعيشها. وترتب علی ذلك ان اصبح الباب مفتوحاً للخونة والطامعين. کما ان اعتماد الزعيم الشهيد علی الجهاز الإداري والمخابراتي الملكي الفاسد الذي تربَّی علی کره الشيوعيين والوطنيين من اليسار السياسي، قد سهَّل علی المتآمرين الخونة مهمة الانقضاض عليه وعلی السلطة بسهولة نسبية.

فمن المعروف ان محاولة الانقلابيين لم تتعدَ في مراحلها الأولی أکثر من السيطرة علی مرسلات الإذاعة والتلفزيون في (أبو غريب) وإذاعة البيان الأول. لقد انتهج الزعيم الشهيد سياسة قاتلة عندما تبنی شعارات (الرحمة فوق القانون) و (عفا الله عما سلف)، وطبقها على الخونة والمتآمرين في حين نصب مجلسين عُرفيين لملاحقة الوطنيين الشرفاء من ابناء الشعب الذين قاوموا الحکم الملکي العميل، ومهدوا الارض للثورة کي تولد وتنمو وتعطي ثمارها. ولکن بعد مرور سنة او بعض سنة من قيام الثورة، وقف العديد منهم في قفص الاتهام امام ضابطين، عُرف عن احدهما انه رجعي عميل والاخر متآمر ضالع في التربص بالثورة وبالزعيم نفسه. کان المجلس العرفي الأول برئاسة شمس الدين عبد الله والثاني برئاسة شاكر مدحة السعود، الذي لقي حتفه على أيدي رفاقه البعثيين في بداية السبعينيات. كانت هاتان المحكمتان العسکريتان لا تتوانيان عن إصدار الحكم بالإعدام أو الحكم بالسجن مع الأشغال الشاقة وبتهم ملفقةٍ أو مختلقة من قبل الأجهزة الأمنية المتعاونة مع اعداء الثورة. ولمَنْ؟ لأبناء الشعب المحب المخلص للزعيم وللثورة.

ولعل اکثر التهم الملفقة اثارة کانت تلك التي اصبحت محور الفتاوي ومادتها لمُعَّممي النجف وکربلاء والکاظمية وآياتها العظمی والأقل عظمة، عن الشيوعيين المُلحدين الذين احرقوا القرآن، ويدعون الی الأباحية لکونهم يغنون ويصفِّقون في اجتماعاتهم وندواتهم "بتالي الشهر، ماکو مهر!!! وکانت واجهة صيدلية عبد المجيد القطان هي صالة العرض الکبری لمثل هذه الفتاوی الرخيصة طيلة الفترة التيِ سبقت شباط الاسود. لقد فضح بعثي سابق اسمه حسن العلوي هذه القضية المثيرة، وذکرها الزميل رشيد الخيون في مقالة راجع فيها کتاب حسن العلوي "العراق الأمريكي". نُشرت تلك المقالة قبل ايام علی موقع (عراق الغد). قال الزميل الخيون ما يلي: " لكن العودة إلى ما كتبه العلوي في العديد من كتبه وما قاله في محاضراته يظهر أنه أُعجب متأخراً بمشروع الحزب الشيوعي في اتحاد عربي لا وحدة عربية، وأنه كشف ما كان مستوراً من ألاعيب البعثيين في الدين ومع رجال الدين ضد اليسار. فله الفضل في كشف جريمة حرق صفحات القرآن الكريم من قبل البعثيين واتهام الشيوعيين أمام المحاكم."

 وعلی مستوی الناصرية، اودُّ ان اشير الی نموذج آخر من الاتهامات حملته اليَّ رسالة تلقيتها حديثاً من الصديق عبد الله ناصر عمَّا نُسب اليه زوراً وقضی بسببه فترة ستة شهور في السجن. يقول الحاج عبد الله *"وقد حُكم عليَّ هذه المدة نتيجة دعوة اقامها ضدي السيد طاهر العلوچي .............. والشهود كاظم ابن نزهه الخبازه والشرطي اسود لا اعرف اسمه وموجود حالياً بين ظهرانيننا. وبمباركة رشيد جبار وحيد وغازي سيف والسيد فليح العلوچي. وكانت الدعوة هي اني قلت ان ابراهيم اشرف من النبي وسببت الزهراء (صلى الله عليها وابيها وبعلها وبنيها ). تهمة ملفقة ما انزل الله بها من برهان. قلت للقاضي، وكان يجلس بجنبه المحاميان غالب الحاج فليح وكاظم حبي، (حدِّث العاقل بما لا يليق، فإن صدَّق فلا عقل له). فأنزعج القاضي من هذه المقولة وحكم عليَّ بالسجن ستة اشهر. "  وترتب عن الاتهامات الباطلة والاحکام الجائرة ان ضجَّت سجون الحلة وبعقوبة والکوت والسجن المرکزي في بغداد بالکثير من المعتقلين الشرفاء من اعضاء الحزب الشيوعي وانصاره حتى استلمتهم أيدي الانقلابيين في 8 شباط، حيث سحقتهم عجلة الحقد الفاشي.

في صبيحة ذلك اليوم الأسود من شباط البغيض، أيقظتني اختي من النوم لتخبرني ان راديو بغداد قد قطع برامجه الاعتيادية، وانه قد أذيع بيان باسم العقيد المظلي عبد الکريم مصطفی نصرة. کان رد فعلي الأول هو کيل سيل عارم من الشتائم للزعيم وسياساته الساذجة، التي أدَّت الی ان يطمع فيه الخامل ويتجاوز عليه السافل! کان خوفي هو ان الامر سوف لن يقتصر علی الزعيم ومصيره، بل سيمتد الی الثورة نفسها، والشعب بشکل عام. ماذا سيحل بالعراق والعراقيين؟  لقد تحققت نبؤة الجواهري إذن! تناولت الشاي علی عجل وغيرت ملابسي وخرجت متوجها الی المدينة. نظرت باتجاه حامية الناصرية فلم الاحظ شيئاً غير اعتيادي. رکبت سيارة اجرة، وعندما وصلت الی منطقة شارع الحبوبي وجدت ان الجماهير کانت قد تجمعت بين تقاطع الشارع مع شارعي القيصرية والجامع الکبير. کانت النظرات تائهة حائرة، فالعيون يملؤها الحزن والقلق. تجمعت النساء والاطفال والرجال والشباب، وکان هاجسهم الوحيد في ذلك اليوم هو الجمهورية. حمل البعض اللافتات التي أُعدَّت علی عجل وکانوا يجوبون الشارع وهم يهتفون للثورة والزعيم. کانت الامهات وسط الحلبة. عجيب أمر هؤلاء الأمهات! لقد کنَّ يعرفن بالفطرة ان دموع ال
ساعة، ستکون سيلا متواصلاً علی الضحايا الذين سيسقطون في ذلك اليوم، وما ستأتي به الأيام الأخری، وصولا الی زمن المقابر الجماعية. لم يکن للشرطة او الجيش أي وجود في المنطقة، الا ان مفوض الأمن عبد العزيز السامرائي حضر اکثر من مرة الی المنطقة في سيارة الأمن برفقة البعض من رجاله. کان البعض يحمل راديو الترانزستر لمتابعة الأخبار، في حين تجمع الآخرون حول دکان مهدي الذي کان يحاول ان يلتقط بثاً آخر من إذاعة اخری، ولکن دون جدوی.

 لم أکن وحدي هو الذي توقع او کان فکره نهباً لاحتمالات المقاومة. الأصدقاء الذين التقيت بهم يعرفون جيداً ان التظاهرات لن تنفع شيئاً في معرکة غير متکافئة في شوارع بغداد او غيرها من مدن العراق. الدبابات تتطلب دبابات او قاذفات لتدميرها. إذن لابد ان تتحرك قطعات الجيش العراقي وتسحق المتآمرين الذين يضمرون للعراق شراً. لابُدَّ ان تکون هناك خطة طواریء کان الزعيم قد أعدها لأنه کان علی علم بأن اعداء الثورة يتحرکون للأنقضاض عليه وعليها. فقبل حوالي الشهرين کان الحزب الشيوعي قد اعلن النفير العام لتحذير الشعب والسلطة من الخطر القادم. لا بُدَّ انه عرف عن ذلك، ام يا تری انه اعتقد ان الحزب يختلق اخباراً من هذا النوع لخداعه؟ هل وصل الحدُّ به الی ان يفقد ثقته بالحزب الی هذه الدرجة؟ ومن هو المسؤول عن هذا الوضع غير المعقول؟ إذن حتی في حالة غياب خطة  طواريء للزعيم، لابُدَّ ان يکون الحزب قد اعد خطة للطواریء في بغداد والمناطق المحيطة بها. العسکريون الوطنيون في معسکرات الوشاش والرشيد والتاجي من اعضاء الحزب وانصاره لن يسمحوا قطعا  بمرور المؤامرة، وسيتحرکون لحماية الثورة، وسنسمع صوت الزعيم في أية لحظة.

 لابُدَّ من وجود خطة للضباط والجنود المتواجدين في المعسکرات القريبة من بغداد في معسکر بني سعد وبعقوبة والمحاويل والحلة والکوت للتحرك وحماية الجمهورية. وطبعاً سيتحرك الضباط والجنود الوطنيون من شمال العراق وسيأتي معهم الأکراد من الشمال في زحف کبير يحجب ضوء الشمس ليرفعوا الحصار عن الزعيم الذي ارتکب اکبر خطأ عندما تمترس في وزارة الدفاع، فاصبح هدفا لصواريخ طائرات الانقلابيين المغيرة وقذائف دباباتهم المهاجمة! ولکن هذا لا يهم فالزعيم سيفتح ابواب مخازن السلاح لأبناء الشعب وسيحمل اولئك الکادحون القادمون من الثورة والکاظمية وباب الشيخ ومدينة الشعلة والگريعات السلاح بأيديهم القوية وتصميمهم الثوري. وسيلاحق انصار الجمهورية الانقلابيين الخونة وانصارهم ويُبيدونهم في کل شارع ومنعطف. وسَتُسجل ملاحم للبطولة تضاهي في نبلها واقدامها معارك مدريد ضد الفاشية في اسپانيا، اوهافانا يوم دخلها كاسترو محرراً. ولکن أين الزعيم الذي طالما طمأننا قائلا "إن جمهوريتکم أمنع من عقاب الجو!" أين صوته؟ ماذا حلَّ به؟ کيف يُمکن الاَّ نسمع صوته؟ وإذا کان الانقلابيون قد سيطروا علی مرسلات الاذاعة في (ابو غريب) فلماذا لا نسمع صوته من مرسلات سلمان پاك او التاجي؟ ماذا حصل للزعيم؟ سؤال يتردد علی کل لسان.

 وحوالي منتصف عصر ذلك اليوم، إزدادت اعداد المتظاهرين بوصول المئات من الذين تهمهم الثورة وينتسبون اليها وهم يحملون اللافتات التي تدعو الی حماية الجمهورية وصيانتها من الشر. لکن الخوف والقلق علی المصير السياسي للعراق کان يتزايد بمرور الوقت. فکلما مرت ساعة اخری وصوت الزعيم والثورة غائب، کلما تزايد القلق وتسرب اليأس الی النفوس. ولکن لا بُدَّ من خطة للطواریء، وستتحرك قوی الخير لدحر العدوان والشر. لا بُدَّ من المحافظة علی جذوة الأمل متقدةً. ثم لاحظت ظهور عدد قليل من المتظاهرين الذين قدموا من منطقة السيف يصحبهم عدد من رجال الأمن. کانوا يحملون لافتة واحدة فقط ويرددون شعارهم المألوف (الوحده ، الوحده، يا جمال). نفس الوجوه القليلة المعروفة لبعض الخياطين وعمالهم وعدد من الطلاب والمعلمين. واذکر انني شاهدت وجود بعض النساء بينهم، وهن نورية عبد الرحيم واقبال عبد الحميد السوز وبلقيس نعمة. وبعد فترة قليلة حضر عدد کبير من افراد الشرطة يقودهم المدعو أبو قيس، مدير الشرطة نفسه. بدأوا يتجولون حول المتظاهرين، وکانوا يحملون الهراوات وقد تسلحوا بالمسدسات فقط. الا انه کانت هناك سيارة واحدة للشرطة وقد نُصبَ عليها مدفعٌ رشاشٌ. ثم حضرت سيارة نقل کبيرة تابعة لمديرية السکك، وافرغت حمولتها من العمال الذين انضموا الی صفوف مؤيدي الانقلاب، وکانوا يرددون شعارات تندد بالشيوعية والشيوعيين. وکان برفقتهم الضابط الاحتياط المهندس فهمي روفا ومعه عباس حمادي وکريم السيد خلف.

 إزدادت جرأة  معسکر انصار الانقلاب بوصول القادمين الجدد فتقدموا نحو صفوف انصار الجمهورية وحاولوا دفعهم من الشارع الرئيسي. حصل تشابك بالأيدي فازداد الصراخ والفوضی والتدافع وتبادل الضرب الذي اشترکت فيه حتی بعض النسوة. وکان رجال الأمن في طليعة الحشد المهاجم حينما حاول کريم وهاب الخياط اختطاف جانب اللافتة التي کان يحملها المرحوم عاجل کريم. وقد سدد احدهم لکمة لوجه عاجل مما دعا بالأخير الی سحب الخشبة من جانب اللافتة وضرب بها الشخص الذي لکمه، ثم استدار هاربا من المکان بعد ان جرَّته والدته من الحشد. ويبدو ان الضربة قد اصابت رأس أحد رجال الأمن الذي سحب مسدسه واطلق اطلاقة واحدة کان يريدها ان تصيب عاجل کريم. لکن والدة عاجل کانت في تلك اللحظة بين ولدها وبين مصدر النار، فأصابتها الأطلاقة في رأسها فَقُتلت في الحال.

 إرتفع الصراخ والعويل واصيب البعض بالذهول عندما سقطت ام عاجل وسط الشارع مضرَّجة بدمائها. واسرع کل من سعدي النجار وشاب آخر اسمه مطشر، لا اعرف اسمه الکامل، بحملها الی سيارة اجرة لنقلها الی المستشفی، لکن المسکينة کانت قد فارقت الحياة في الحال. تقدَّم رجال الشرطة والأمن وأخذوا يستعملون التهديد والهراوات لتفريق المتظاهرين من انصار الجمهورية. وما زالت ماثلة في ذهني صورة واضحة عن سذاجة تفکير البعض من الشيوعيين وهم يستعطفون ويحاولون اقناع رجال الشرطة والأمن بأن يکون جهدهم منصبا علی ملاحقة انصار الأنقلاب، وليس انصار الجمهورية! يبدو ان احدا ً لم يکن يريد ان يتعلم من تجربة الماضي، بأن جهاز الامن والشرطة جهاز (خايس) لا أمل فيه. وبذلك تکون المرحومة ام عاجل کريم هي أوَّلُ شهيدة لجرائم البعث في تاريخ المدينة. ما کان يخطر ببال احد علی الأطلاق ان دمها الزکي الذي أُريق عصر ذلك اليوم، سيکون فاتحة مأساة مروعة سيذهب ضحيتها المئات من ابناء الناصرية وبناتها، من الذين سيقضون نحبهم علی ايدي الجلادين في سجون البعث أو في مقابره الجماعية للأربعين سنة القادمة.

 وقبيل ساعة الغروب کانت المعنويات قد وصلت الی حدٍّ مُتدنٍّ، فانصرف الناس الی بيوتهم وقد امتلأت قلوبهم يأسا ورعباً. کان واضحا انه لم توضع أية خطة للطواریء، سواء من قبل الزعيم أو العسکر أو الحزب، موضع التنفيذ في ذلك اليوم المشؤوم. ولعل الحقيقة هي انه لم تکن هناك خطة للطواریء علی الاطلاق، وان الخطة التي کانت موضع التنفيذ هي خطة الأنقلابيين فقط. وفي المساء وبدلا من ان يطل علينا صوت الزعيم الذي انتظرناه بفارغ الصبر طوال اليوم، صدر بيان بتعيين عبد السلام عارف رئيساً للجمهورية، واحمد حسن البکر رئيساً للوزراء، وعلي صالح السعدي وزيرا للداخلية. وکان هذا الأخير يشغل آنذاك منصب سکرتير حزب البعث. ثم تلی ذلك البيان رقم 13 الذي أُذيع بصوت هناء العُمري، ودعا الی "إبادة الشيوعيين حتی العَظم!" من الطبيعي ان ذلك البيان قد اشار بشکل غير مباشر الی وجود مقاومة للأنقلاب، لم نعرف مداها او فاعليتها، ولکنه کان واضحا ان السنين العجاف قادمة لا محالة، إن قُدِّر لهذا الانقلاب النجاح.

 أمضيت کغيري من الشباب ذلك المساء البارد العصيب جنب المذياع، وانا أحاول ان التقط اية اخبار. وما بين راديو القاهرة وصوت العرب ولندن وصوت امريکا وموسکو، کانت الأخبار القليلة المتناقضة احياناً تُشير الی اتجاه واحد بدأ يتضِّح تدريجياً. وهذا الأتجاه هو ان الزعيم وجماعته مُحاصرون في وزارة الدفاع ويتلقون الضربات باستمرار، وان المقاومة في مناطق الکاظمية والثورة وباب الشيخ والگريعات والشعلة تخوض معارك غير متکافئة مع دبابات الانقلابيين واسلحتهم الثقيلة بمساندة اعداد من الحرس القومي. طرق الصديق محمد عوض الباب حوالي الساعة العاشرة وکان بصحبته عاجل کريم. وبعد ان قدمنا انا والعائلة جميعاً التعازي لعاجل وابدينا الاسف لمقتل والدته، جلسنا لشرب الشاي والتدخين واسترجاع احداث اليوم. وقد  اوضح عاجل لنا الظروف الکاملة واللحظات الاخيرة التي سبقت اغتيال والدتِهِ. ثمَّ غادرا في منتصف الليل تقريبا. کان الانطباع الذي اخذته منهما هو ان الکثير من الکوادر والاعضاء  بدأوا يغادرون المدينة متوجهين الی الاهوار للتخفي، الی حين ينجلي الموقف! لم أنم تلك الليلة الا لِماماً.

 وفي الصباح ما زال صوت الزعيم غائباً. کما ان الأمل بتحرك القوی العسکرية والحزبية في بغداد وحولها بدأ يتلاشی بمرور کل ساعة ويموت تدريجياً. لم يکن في شارع الحبوبي عدد يُذکر من انصار الجمهورية عندما حضر رجال الشرطة وطلبوا من الناس التفرق لأن المدينة قد وُضِعَت تحت نظام منع التجول. کما ظهر افراد من الانضباط العسکري يتقدمهم آمرهم سدخان السيد خلف. وهو احد أبناء الأقطاعيين في منطقة السيد دخيل، علی ما اعتقد. لا أدري أين أکمل دراسته الابتدائية والثانوية قبل الالتحاق بالکلية العسکرية، لکنني اعرف انه غيَّر اسمه الی اسم اکثر حداثة عندما تزوج احدی بنات السيد هادي، وهي خالدة التي کانت مديرة لمدرسة العدنانية الابتدائية للبنات. عدت الی البيت وبعد الظهر جاءت الأخبار الصدمة من بغداد بأن الزعيم قد استسلم فحوکم وأُعدم وظهرت صورته علی شاشة التلفزيون. کما عرضوا صورة المهداوي وطه البامرني اللذين أُعدما معه. قد يقبل العقل رواية ان يکون الزعيم قد قُتل وهو يقاوم الانقلابيين، ولکن ان يستسلم فهذا امر يصعب تصديقهُ. الزعيم يستسلم للبعثيين! لاشك ان تکون الصور التلفزيونية مُختلقة بطريقة فنية. وهذا امر ليس بالصعب! هذا الشجاع الشامخ الشهم يستسلم لضباط جبناء وعدد من اولاد الشوارع الساقطين مما سموهم بالحرس القومي؟ الزعيم ربما انتحر! أما الأستسلام فلا!

 توقفت الدراسة لبضعة أيام. وعندما اعيد افتتاح المدارس توجهت صباح ذلك اليوم الی العمل. فضَّلتُ ان ارکب الحافلة بدلا من سيارة الأجرة لأعتقادي بأنها أکثر أمانا. کان في الحافلة عدد قليل جدا من الرکاب. وعندما اقتربنا من الجسر لاحظت وجود مفرزة مکونة من عدد من الاشخاص بملابس مدنية، ولکن يحملون الرشاشات. يبدو ان مهمتهم هي تدقيق الهويات في مدخل الجسر من جهة صوب الشامية. توقفت الحافلة فصعد شخص لم اشاهده من قبل. في الحقيقة لم اتعرف علی أي منهم. سُمح للحافلة بالعبور بعد ان فحص ذلك الشخص هويات الرکاب. وصلت الی المدرسة بسلام. ولکن ما کاد الدرس الاول يبدأ حتی شاهدت مدير المدرسة المرحوم السيد باقر وبصحبته معلم من مدرسة قرطبة أسمه محسن يتقدمان باتجاه باب الصف. کل الذي اعرفه عن هذا المعلم انه من أکراد مدينة القلعة أصلا وأخوه الأکبر موظف في مديرية الطاپو. تزوج الاخير معلمة کانت زميلة لأختي حمدية في جميع مراحل دراستهما. کان ابوها رجلا طيبا يعمل فراشاً في المدرسة المرکزية، وبيتهم مقابل جامع السيد راضي، بجوار بيت الاقطاعي محمد النصر الله. طلب محسن مني مرافقته الی الأمن. نظرت الی السيد باقر الذي رفع يديه بحيرة وقال بانه سيکمل الدرس مع طلاب الصف الثالث! أخرج محسن من جيبه قيدا (کلبچه) ووضعه حول معصمي، وسط ذهول الطلبة الصغار، وهم يتابعون ذلك بنظراتهم الفضولية. لقد کان امرا غريبا حقاً ان تجد معلماً يعتقل معلماً آخر، في صف للدراسة وبمرأی ومسمع من طلابه الصغار ومديره! لقد تجاوز البرابرة کل الحدود منذ أيامهم السود الأولی! لم ينبس الدنيء بکلمة واحدة وهو يقود سيارة الفولکس واگن. وعندما وصلنا بناية المتصرفية قابلنا عند مدخلها المدعو داخل علوان، وهو موظف في البريد وجاري في منطقة الأسکان، فعلق ساخراً:

ها، صدته!؟

فأجاب المعلم محسن:

إي! صار لي تلت أيام أدوِّر عليه.

 وبعد إکمال الاجراءات الاولية عن الاسم والعنوان وطبع الاصابع ... إلی آخره، أخذني المعلم محسن الی توقيف السراي، وهو المکان الاعتيادي الذي زرته من قبل مرات ومرات. ولکن في هذه المرة کان الصمت سائدا، و(الضحکات) قد ماتت. الاصدقاء وابناء المدينة کانوا هناك، وکذلك کان محمد عوض وعاجل کريم. يبدوا ن خطتهما في الهروب الی الاهوار لم تُنفـَّذ. أمضينا ليلة واحدة وتمَّ نقل ثلاثين منَّا تقريباً، من ضمنهم محمد عوض، الی معتقل في ثکنة الشرطة الخيالة في اليوم التالي. نقلونا وقوفا في سيارة لوري تابعة للشرطة. وعند مدخل الثکنة شاهدني احد اقاربي وهو العريف جميل مشرف البطي (أبو صباح) فرفع يده ملوِّحاً بالتحية. وضعونا في قاعة کان فيها قبلنا خمسون شخصا تقريباً. لا اعرف بالضبط متی جيء بهم، ولکن يبدو ان الوضع منظم. فقد افسحوا لنا المکان وطلبوا ان نختار اين سنفرش بطانياتنا، وسارعوا الی منحنا الشاي والسجائر، کما لو کنا جئنا للزيارة. کان للمجموعة متحدث يمثلها. وهو الاستاذ محمد علي سبع، وهو مدرس مبعد من الکاظمية، طويل القامة، ممتلیء الجسم برشاقة ظاهرة، وصوت يصلح للأذاعة! وکان مزهر حسن (ابو علي) وهو نقيب سابق للمعلمين يحتل الموقع الثاني في سلم المسؤوليات. وعند العصر جلبت سيارة اخری ما يقارب الثلاثين شخصا من معتقل آخر غير معتقل السراي الذي کنت فيه، ربما أتوا بهم من الفندق الذي يقع في سوق السراي، والذي حولوه الی مقر للحرس القومي. أصبحت القاعة مکتظة جداً. ولکن هذا لا يهم فالجو بارد، وفي القلب متسع للأخوة الأحبة!

 کان أغلب المعتقلين من المعلمين والمدرسين والطلبة ومعهم قليل من الموظفين وبعض العمال والمهنيين. کنت اعرف الجميع، باستثناء شخص او شخصين، من الذين عرفتهم بالاسم فقط من قبل. ولکم تساءلت عمن يقوم بالتدريس في المدارس وکل هؤلاء المدرسين والمعلمين في المعتقل الآن. ثم علمنا ان الاوباش قد حولوا نقابة المعلمين الی معتقل، وکذا مدرسة خالد بن الوليد في صوب الشامية. هذا اضافة للفندق الذي حولوه الی مرکز للحرس القومي والی معتقل مؤقت يوضع فيه الناس قبل نقلهم الی أماکن اخری. کما انني لاحظت وجود اکثر من شخص من عائلة واحدة في هذا المعتقل. وقد يکون هناك آخرون في المعتقلات الاخری. لا أعرف. فمثلا کان معي في معتقل الخيالة خضر القيسي (أبو احمد) واخواه رزاق (أبو هدی) وعبد المنعم القيسي. والاخوة عباس خطار ومحمد علي خطار ورزاق خطار. وعبد الله محمد عرب (أبو منقذ) وأخوه فائز محمد عرب. وصبار الملا عمران وابنا أخيه عمران الملا عمران وعدنان الملا عمران (ولو کان الفنان عزيز عبد الصاحب الملا عمران موجودا في الناصرية لانضمَّ اليهم). واحمد عبد الوهاب وابنه کريم. وحامد سمير البدري وعلي سمير وعمهما عزران البدري. وراشد محمد العودة وکاظم محمد العودة وعمهما مهدي العودة. وحسن الفخري وکاظم الفخري. وحامد گنَّو وجميل گنَّو وابن عمهما محمود شاکر گنَّو. وعدنان الحاج احمد الحلاق (أبو بسمه) وأخوه الأصغر فوزي الحاج احمد الحلاق (ولو کان اخوهما الأوسط محسن الحاج احمد الحلاق الفنان "محسن العزاوي" موجودا في الناصرية لانضمَّ اليهما) .

 کان يُسمح للمعتقلين بالتمشي لنصف ساعة في الصباح ولنصف ساعة اخری في العصر، لکن الذهاب الی دورة المياه کان يُمدد لساعة اخری بسبب عدم توفر العدد المناسب من الحمَّامات. وفي حالة الضرورة القصوی کان يُسمح لمن يعاني وضعا خاصا بالخروج الی الحمام. کان هناك التزام کامل بالنظام والتعاون مع الشرطة الحرس. في الحقيقة لم يکن وجود للحرس عند باب قاعة الاعتقال. کان الحرس موجودين عند الباب النظامي فقط، ولکنهم کانوا يقفلون مدخل القاعة عندما نفرغ من التجول والذهاب الی الحمام. وکانت تلك هي الفرصة التي يحضر فيها قريبي العريف جميل مشرف البطي (أبو صباح) للتحدث معي، وينقل الی الوالد الاخبار عني. وفي اغلب المرات کان يجلب لي بعض الفواکه ويقول ان الوالد قد بعثها. اکتشفت فيما بعد ان الفواکه لم تکن من الوالد فقط، انما کان هو يتکفل شرائها في بعض الاحيان.

 

کنا نمضي الوقت کلٌّ حسب اهتماماته. کان البعض يحضر حلقات للتثـقيف السياسي، بينما کان البعض الآخر يکتب او يقرأ او يلعب الورق او الدومينو او الطاولي، أو مستلقيا علی بطانيته. وقد صنع احدهم، ربما کان جميل گنَّو، ادوات الشطرنج من عجين الصمون مستعملا (الصخام) من (قوري) الشاي لتلوين نصفها بالأسود، وأعد بنفسه الرقعة من ورق الکارتون! لقد احسن الصديق عبد الله ناصر وصف الوضع بقوله "تحولت الخياله الى (أكاديميه ) اذ كان يحاضر فيها كثير من الشيوعيون الذين يقدمون من مناطق قريبه من الشطرة والقلعة منهم صاحب حميد مسؤول محلية الناصرية وشهاب احمد التميمي وعزيز السيد جاسم وموسى جعفر وغيرهم." کان المرحوم فؤاد مگطوف هو لولب الجماعة التي تعقب وتناقش واحيانا تجادل بحماس. وکان السيد حسون عبد الرزاق ومحمد علي سبع، واحيانا کاظم جواد محمد جعفر العجمي يساعدونه في هذه المهمة. کان جلياً ان الصديق فؤاد مگطوف اکثر استيعاباً واشد افاضة من زملائه. وقد اتضح ذلك من تعليقاته الطويلة ومداخلاته التفصيلية للقضايا مثار النقاش. وقد أسرني يوما انه لکم تمنی ان تکون له القدرة اللغوية لقراءة الأدبيات المارکسية بلغاتها الأصلية، رأس المال بالألمانية، وتعليقات أنجلز بالانگليزية، وشروحات لِنن بالروسية! وعلی النقيض من ذلك کان کاظم جواد العجمي (ابو مهيار)، ولو انه لم يتزوج بعد. فالصديق کاظم يبدأ بشرح المارکسية ويعلق علی فلسفة ماوتزي تونگ، ويغطي الفلسفة الصينية التاوية، مروراً بالبوذية، حتی تشعر وکأنه يريدك ان تعرف انه قرأ الکثير من الکتب! وهو فعلا قرأ الکثير والکثير من الکتب. ومن اشد المتحمسين للحضور والنقاش وطرح الاسئلة  کان ايضا شاکر عبيد وهو قيادي نقابي معروف ونوري أبو شوارب، الذي أحبَّ ان تُفسَّر له اقوال لنن ومارکس وفهد بلغة مبسطة يفهمها الجميع. لکنني اقسم انه ما کان مقتنعا ابدا بما يُقال، إذ يستمر في النقاش الی أبد الآبدين، مستفتحا اعتراضاته بعبارة " چا شلون ..... الخ"! ولکن لابد من القول، انني کنت معجباً للغاية بحماسه ورغبته في الاستزادة، ولأنه يدخل القلب بلا استئذان. کم کان حميماً وودوداً للغاية هذا النوري! کما اعدت مجموعة اخری صفوفاً لتدريس الفيزياء والکيمياء والرياضيات لطلبة المرحلة الثانوية. وساهم فيها الاساتذة کاظم محمد العودة وفريد قاسم نادر وعلي النجار. في هذه الفترة کتب الاخ عبد الرحمن مجيد الربيعي مخطوطة مجموعته القصصية الأولی (السيف والسفينة) وکنت اقرأها وأُبدي ملاحظاتي بشأنها أولاً بأول.

کانت علاقات الاحترام والمودة والاخوة والإيثار تطغی علی معاملة المعتقلين لبعضهم البعض. وعندما يُلاحظ أحد ما بأنه يعاني من ضيق نفسي لسبب او لآخر، يسعی المقربون اليه للتخفيف عنه. فمثلا عندما لوحظ ان البعض يجلس ساهما يفکر بتأمين القوت لعائلته، حيث هو المعيل الوحيد لها، بدأوا حملة لجمع التبرعات لمساعدة هذه الفئة من المعتقلين. وکانت التبرعات تُدفع بشکل خفي تحاشياً للأحراج. کما شملت هذه المساعدة الاخوية الجانب النفسي والشخصي. فمثلا، کان احد الاصدقاء قد تزوج حديثاً، ولذلك کان يعاني من الاحباط الشديد کلما حضرت زوجته الجميلة خلال الزيارتين الأسبوعيتين! وکان الاخ کاظم العودة يتولی مهمة التخفيف عنه بسرد النکات والتعليقات الهزلية حتی تنفرج کربة أخينا المهموم المحروم! وفي بعض الأمسيات کان الصديق عبد الله ناصر (ابو ساري) يتحفنا بصوته الشجي وکلمات الابوذية التي توجع القلب! ثم يطلب المرحوم سليم  داود من عمران رشيد الملا عمران ان يغني طور خضير حسن مفطوره المسمی (خضير حسن ناصريه)، فينطلق عمران يغني بصوت شجي عذب  "يلوم الما دری روحي شمرها" و "أمشي علَ چالي الکوت وانهدم بيَّه " و "بالفاو ذبَّاهم زماني." وکان يصاحبهما عادة کاظم العودة وغازي التتنچي بإيقاع جميل علی اوانٍ فارغه. فيطرب سليم ويدندن الکلمات. في الحقيقة، تعرفت في تلك الفترة علی کلمات معظم اغاني خضير حسن عن طريق الصديق سليم. ربما کان سليم يحب فتاة تسکن البصرة أو الفاو، فليس في الناصرية فتيات مسيحيات باستثناء سميرة الصيدلي وابنتي شاکر طوبيا! ويناکده کاظم جواد العجمي مازحاً:

ها بويه!

ويرد سليم ضاحکاً:

إنچَبْ، وِلَكْ! الله ينعلْ أصلكْ وفصلكْ!

وطبعاً اعرف ما کان سيقول المرحوم سليم داود وقد ابتعد الالاف، في الحقيقة الملايين، من الأعزة والأحباب وتشردوا في قارات العالم هربا من جحيم البعث. فلا مجال لمقارنة ذلك بالحبيب الذي ابتعد الی الفاو فقط! ولا شك ان حجر "چالي الکوت" الذي غنی عنه رياض احمد فيما بعد، سيشارك أهلنا البكاء واللوعة والحرقة للفراق الذي طال أمده، "بس ابچي بهداي، أبچي بتوالي الليل. چا دمَّع وياي، الصخر لو له عيون!"

 کان متعهد وجبات الطعام هو عبيد أبو ديُّه (أبو نجم) وکان اخوه الأصغر علي شناوه، وهو مقاول انشاءات، معتقلا معنا. الا ان وجود الاخ الاصغر معتقلا بيننا لم يؤثر علی نوعية الطعام الذي يأتي به المتعهد، إذ کان رديئاً للغاية، ولذلك لم يذقه أحد. وفي احدی الامسيات قام عدنان الملا عمران (وهو موهوب آخر من آل عمران!) وعدد من الشباب باعداد وتمثيل مسرحية عنوانها "وجبات ابو ديَّه"  للترفيه عنا. کان شيئاً منتظماً ان يأتي اهل المعتقلين بالطعام الجيد الينا مرتين في اليوم. کانت ساعات الجلوس لتناول وجبتي الغداء والعشاء من اجمل الاوقات، حيث التعليقات والطرائف والضحك الذي يتعالی ويتواصل. وبسرعة ادرك الشباب ان (السفرطاسات) التي تأتي للأخ باقر محمد الحداد (أبوحمره) تفوح بروائح عبقة وتحتوي عادة علی انواع من المأکولات الشهية. فاشتد التنافس، واحيانا بدون خجل، للجلوس ناحيتها للحصول علی لقمة مما رزق الله! بالمناسبة، اعتقد ان لقب الصديق باقر محمد الحداد (ابو حمره) قد جاء به الاخ نعمان السيد محمد عندما کان باقر لاعبا متميزا في فريق کرة السلة. ومن المعروف ان وجه باقر يکتسي بلون الحمرة الشديدة عندما يبدأ باللعب. ليس عندي شك بان عائلة باقر محمد الحداد هي امهر العائلات في اعداد الطعام اللذيذ. ولذلك عندما خطب الصديق ماجد الجنابي وتزوج احدى اخوات باقر فيما بعد، کان في ذهني ان ماجد سيستمتع بألذِّ الأکلات!

وبرغم روعة العلاقة الأخوية والاحترام والترابط الروحي بين المعتقلين، فإن هذا لا يعني ان الوقت قد مرَّ بدون ملل أو توتر، خاصة وان الخوف کان حاضرا في الأذهان فيما يتعلق بالمستقبل وماذا سيحدث، وکم ستطول فترة الاعتقال، وما هي التهمة، وهل نعود الی العمل بعد ان فُصلنا من اعمالنا بجرة قلم بعثي! وکلما طالت مدة الأعتقال، کلما ضاق الاخوة بها. کان معروفا لدی الجميع ان يتحاشوا فورات الغضب المفاجیء، واحيانا بدون سبب، من جانب ثلاثة من الأخوة الذين عُرفت عنهم هذه الظاهرة. کان خضر القيسي (أبو احمد) سريع الانفجار واشدهم، ومن بعده عبد الله محمد عرب، ومن ثم کاظم جواد العجمي. ومن الغريب والممتع احيانا مراقبتهم وکيف تتحول فورات الغضب المؤقتة هذه الی لعنات تُصَبُّ علی الزمن والظروف والحياة ... الخ، ثم تتحول في النهاية الی ضحك ولحظات سلوی للجميع. کان يبدو ان المرحوم سليم داود يمتلك المفتاح لتهدئة ابي احمد. فبعد ان يستنزف الاخير غضبه بالصراخ ولعن الاجداد، ينبري له سليم بصوت هادیء وحنون قائلاً "إذکِر الله يَخِضِر!" وبلحظة خاطفة تسکن فورة الغضب، فيرد أبو احمد "هسَّه يابو داود ...." ثمَّ يُتمتم بقية کلماته ويتنفس بصوت مسموع، ويهدأ اخيرا. أما عبد الله محمد عرب فقد کان عادة يصبُّ جام غضبه علی أخيه المسکين فائز، فينبري له صديقه ومديره حسن الفخري بکلمات تُهدِّأ من فورة غضب (أبي منقذ). وکلما استشاط المرحوم کاظم جواد العجمي غضباً، کان عبد الله ناصر يعرف الرد "إبن الزفـ..، شني هللغوه!" ويتابع ذلك خضر القيسي (أبو احمد) بالقول "بسَّك! إبن الک...! دوَّخِت روسنا!" فيضحك المرحوم ابو مهيار ويضحك ابو ساري، ويضحك ابو احمد، ونضحك کلنا جميعا وتدوي القاعة بالتصفيق في النهاية.

النهاية! متی ستأتي النهاية وتستريح هؤلاء الامهات والزوجات والأخوات من التعب والخوف؟ لقد کانت هؤلاء النسوة يقمن صابرات برحلتين يوميا الی معتقل الخيالة، في الظهر وعند المساء. کنَّ يحملن الطعام والفاکهة والحلوی، ويأتين بالشراشف المغسولة والمعطرة والبجامات المکوية والملابس الداخلية النظيفة، والبطانيات الجديدة إذا اقتضی الأمر. ومع انك تلاحظ ابتساماتهن الواسعة الدائمة وتسمع کلماتهن الحبيبة التي تطفح بالتشجيع والدعاء والنذور الی (العباس ابو راس الحار، واخو زينب، وداحي باب خيبر)، فلن تغيب عنك نظرات القلق والحيرة والخوف من المصير المجهول الذي ينتظر الأبناء والأزواج والأخوة القابعين خلف القضبان. يأتين احيانا وهن يغلـِّفن وجوههن بالابتسامات الحنونة البريئة. ولکن لو تمعنت النظر جيدا لرأيت اثر الدموع التي سُکبت وهنَّ يغذَون السير نحو ثکنة الخيالة والمعتقل الذي يضم فلذات الاکباد وکلَّ عزيز علی القلب.

ومن العجب انه بعد کل هذه السنين شعرت ان القصيدة الرائعة، التي نُشرت للاخ علي طالب الأسدي حديثاً عن جعفر الذي أخذوه للأمن، قد وضعتني في موضع الشاهد. اعادت الی ذهني معاناة اولئك الباسلات، التي وقفتُ عليها خلال ايامي في معتقل الخيالة، فترکتُ لمشاعري العنان. لقد ألمَّ الاخ الأسدي بتفاصيل الصورة ودقائقها بشکل انساني صادق. ولا يهم ان يکون الضحية من کربلاء او الناصرية. ولا يهم ثانية ان يکون وقت الجريمة هو زمن المقابر الجماعية أو الايام والأشهر الاولی لتسلم الفاشست السلطة. حتی انه لايهم ان يقتصر حديث علي طالب الاسدي علی ام جعفر. فکل ام او اخت او زوجة عراقية هي ام جعفر، وربما ام خالد أو ام السيد وليد أو ام موناليزا وسحر، أو أم صباح وصلاح جميل مشرف، أو غيرهن من الامهات. المکان والزمان والضحية تصبح  جميعاً رموزاً حية تعيش في الذاکرة للعراق الوطن الذي اُغتيل بکامله!

تنام الناس كل ليلة وانام آنه، وتظل ام جعفر بدمعتها سهرانه

 يجي جعفر؟

لعلي تمشي. علي وحِيدي ! من الحسين العلگ بيدي

وللعباس تتعثر

يخو زينب، يبن حيدر، اريد ترد الي جعفر

وخمس سنين مرَّن ما رجع جعفر .............

اذا حطَّت الزاد گبالها جعفر، اذا شافت جواد تخايلت جعفر

عطل چف المراد، مرادها لجعفر

تمْر صوب الامن وگبالهم تگعد

وتصد للدايره ودموعها ترعد

وتظل اتعِد

چم شباچ، چم طابگ، وچم صوره

چم بيرغ يرف متباهي بنسوره

شفتي وحيدي من جابوه ينافوره؟

يصير هنا يخلـُّونه؟ لو للعامة ودَّوه يصلبونه؟

تحاچي الما يرد لها جَواب، تگول مجنونه ………

وجرح يكبر ومرض يجمر وعمر يگصر

وخذاها الموت يوم من الحزن وادبر

وعشر سنين مرَّن ما رجع جعفر

 

رحم الله جعفر وامَّهُ، وکلَّ شهداء مدينتنا ووطننا الجريح.

* کلمة شکر وتقدير للصديق الحاج عبد الله ناصر لما وافاني به، واشرت اليه في هذه الحلقة. کما اشکره علی ملاحظاته القيمة التي تتعلق بالحلقة الأولی عن الشيوعيين الذين تصدروا تظاهرة 1948 والتي شاهدتها وانا في الصف الاول الابتدائي. يقول ابو ساري " وكان يتصدر التظاهره لفيف من ابناء الناصرية، كان في مقدمتهم حميد مجيد (دبه ) ومادلين مير وحميد كسار ومحمد گاطع وسيد عوده وابراهيم محسن النجار وكثير من القادة. وكان من الطلبه انور حييم وعبد الرزاق مجيد، الذي كان طالباً في كلية الملك فيصل، وعبد الله ناصر."