الحلقة الثامنة

8 شباط الاسود

ولکنَّ الرَّزية فقدُ حُرٍّ   يموتُ بموتِهِ خلقٌ کثيرُ

د. محمد الأزرقي

mjiyad@hotmail.com

من المؤسف القول ان الزعيم الشهيد عبد الکريم قاسم الذي خطط للثورة وقادها، قد زرع بنفسه
البذرة الخبيثة التي شقـَّتها
، وأتی معه بالرصاصة الغادرة التي اغتالتها في النهاية. لم يکن الشهيد يعلم ان الرجل الذي وثق به وزکاه، في الحقيقة فرضه علی تنظيم الضباط الاحرار، قبل عام واحد او بعض عام من قيام الثورة، سيحاول ان يسرق الثورة ومعها التاريخ النضالي لضباطها الاحرار، وحلم الاخيار
من ابناء وبنات العراق
. ذلك هو الأنوَك الفـَسْل الرَّذل عبد السلام عارف. ومع ان الرجل يُشهَد
له بالجُرأة والشجاعة وحتی الوطنية، لکنه في المقابل کان ارعنَ
متسرعاً ضحل التفکير
عنصريٌّ للغاية وطائفيٌّ بغيض.
کان عبد السلام عارف دائم التفاخر بخاله المرحوم الشيخ ضاري، ولکن شتان ما بين هذا الاحمق وذلك
البطل الذي کان من ملاحم ثورة العشرين الوطنية. كان الشيخ
ضاري احد او شيخ مشايخ قبيلة زوبع. وعندما جاء نائب الحاکم العسکري البريطاني لمدينة
الرمادي مهددا ومتوعداً، وقال قولا فيه من الاهانة والتقريع بالثوار، تصدی له الشيخ ضاري،
وبقر بطنه بالسيف فمات. هرب الشيخ الی البادية برفقة واحد من ابناءه وطارده الجيش
البريطاني المحتل دون جدوی. وعندما قام النظام الملکي، صدر عفو عن کل المشارکين بثورة
العشرين، الا الشيخ ضاري. وعندما کبر الشيخ واصابه مرض يقتضي علاجاً نُقل سراً الی
سوريا، وادخل احد مستشفياتها. ألا ان المخابرات البريطانية علمت بوجوده، فالقي القبض عليه
واودع السجن، وحُرم من العلاج حتی توفاه الله.

 

لم يخفِ عبد السلام عارف نواياه منذ الايام الاولی للثورة، وانشقَّ علی قيادة الزعيم الشهيد بعد
ستة اشهر فقط. وکان انشقاقه بداية الطريق الدموي الذي خطط له الاعداء في الخارج والداخل.
وتبع ذل
ك انقلاب الشواف ومحمود عزيز في الموصل ثم احداث کرکوك، وبعدئذ محاولة اغتيال
الزعيم في شارع الرشيد. الا ان محاولة
الاغتيال الفاشلة کانت في رأيي اللحظة التي توقف
عندها الزعيمٍ
،
ثم بدأ بالتراجع تدريجياً وافسح المجال لاعدائه واعداء الثورة ان يسيطروا علی
الشارع العراقي ويعزلوه عن الجماهير التي تعلقت به. وقد لعبت اجهزة الامن والشرطة الدور
الذي رسمه لها أعداء الثورة علی اکمل وجه في تضليل الزعيم وخداعه، عن طريق المبالغة
في تقييم الاحداث وفي القاء تبعيتها علی ضحاياها الحقيقيين. وکانت صحافة البعثيين والرجعيين
مثل (الحرية) و(الفجر الجديد) و(الثورة) هي المحفز والداعية للبطش بالشيوعيين والوطنيين
وإذلالهم.

 

لا بُدَّ من الاشارة هنا الی ان الزعيم الشهيد کان رجلا عسکرياً يفتقد الی الحس السياسي،
وتنقصه الخبرة في اساليبها وفي ادارة شؤون الدولة. وقد وجد الاعداء في ذلك الفرصة لکي
يؤثروا علی نمط تفکيره وقراراته. فبعد احتفالات عيد العمال اقنعوه بان الشيوعيين ينوون
السيطرة علی الحکم. وبعد تمرد الموصل اقنعوه ان الشيوعيين قد اقاموا مؤتمرالسلام هناك
لکي يقووا قاعدتهم في المدينة ويضعفوا التيار العربي القومي. وبعد احداث کرکوك اقنعوه انها
من فعل الشيوعيين للقضاء علی نفوذ الترکمان في المدينة. وبعد محاولة الاغتيال علی حياته اقنعوه بان الجهات التي کانت وراءها قد ضجَّت ولم تعُد تتحمَّل النفوذ الشعوبي الذي يعادي الدين ويشجع علی الالحاد!
البلد بعاداته وتقاليده وحضارته العريقة قد اصبح قاب قوسين او ادنی ان يقع تحت النفوذ الکامل للشيوعيين الذين يتزوجون اخواتهم! وقد لعبت صحيفة الثورة وصاحبها يونس الطائي الدور الرئيسي في کسب ودِّ الزعيم، ومن ثم التأثير عليه واقناعه لتغيير سياساته. 

 

وفي الحقيقة انني وجدت صدی لکل هذه القضايا عندما اتيحت لي الفرصة لمقابلة احد الضباط الاحرار الذي يُعد علی صفوف القوميين، والذي احتلَّ منصبا وزارياً في عهد عبد الرحمن عارف. التقيت بالسيد عبد الکريم فرحان علی مدی عامي 1976-1977 اللذين امضيتهما في ليبيا، وانا استاذا في کلية التربية في مدينة البيضاء. حضر العقيد المتقاعد عبد الکريم فرحان عدة مرات لزيارة ابنته (عبير) التي تعمل مدرسة في نفس الکلية. وعبير متزوجة من استاذ عراقي التقت به عندما کانا يدرسان معاً في احدی الجامعات البريطانية، واسمه محمد سعيد فتاح المرزا. وهو ينحدر اصلا من العمارة، حصل علی بعثة لعشر سنوات ونال الدکتوراه في العلوم الاجتماعية. کما کان هناك استاذ عراقي آخر هو الدکتورهادي العادلي الذي ينحدر اصلا من طويريج، وحصل هو الآخر بعد الثورة علی بعثة علمية لعشر سنوات ونال الدکتوراه في العلوم الزراعية من بريطانيا أيضاً. وکان طبيعيا ان نجلس ونتحدث عمَّا جری ويجري في العراق. وکان العقيد فرحان بادي الاسف والندم حدَّ التوبة لانه شهد الاحداث وعاشها، ورأی بأم عينيه کيف سُرقت الثورة من ايدي صانعيها الحقيقيين، وکيف انتهت في يد البکر التکريتي وصدام التکريتي وحزبهما المجرم. ومع انه يلقي باللوم علی الزعيم والاحزاب، الا انه ينظر للزعيم الشهيد نظرة تکاد تصل الی التقديس، لأنه في رأيه مثال  للجندي ولنکران الذات والتضحية والامانة والوطنية الخالصة التي سوف لن يجود العراق بمثلها. اذکر بالذات حماسه وهو يعدد انجازات الثورة وهمَّ الزعيم المتواصل لتحسين احوال الناس المعاشية والصحية والسکنية والصحية. اذکر جيدا الصورة التي رسمها في ذهني "ان الزعيم کان ينام علی الارض في مکتبه لانه لايملك بيتا، في حين بنی البيوت للفقراء والجنود والشرطة، وبنی القصور للضباط ومعاوني الشرطة." وتشاء الصدفة بعد هذه السنين ان يقع ناظري علی صورة فوتوغرافية للزعيم وهو ينام علی بساط في مکتبه المتواضع في وزارة الدفاع. وکانت هذه الصورة قد نُشرت علی احد المواقع بعد سقوط النظام المجرم.

أين هذا من قصور صدام!؟

انسحب الحزب الوطني الديمقراطي من الجبهة وجمَّد نشاطه السياسي بعد ان استقال ممثلاه في الحکومة وهما محمد حديد وزير المالية وهديب الحاج حمود وزير الزراعة. تعثر الاصلاح الزراعي اولا ثم فشل تماما فاستعاد الاقطاعيون مراکز قوتهم ونفوذهم. واستغرقت المفاوضات لاستعادة حق التنقيب عن النفط من سيطرة شرکات النفط الاجنبية وقتا طويلاً. وحتی محکمة الشعب التي ترأسها العقيد فاضل عباس المهداوي، والتي کانت عاملا مهما في تعبئة الجماهير للالتفاف حول الثورة، فقدت بريقها واصبحت ميدانا للصراخ والسفه، ثم اقفلت ابوابها فيما بعد. وحين صدر قانون الجمعيات لعام 1960، کان الحزب الشيوعي هو الخاسر الاکبر. سمح القانون رسمياً بتشكيل الأحزاب السياسية فحصرها بالآتي: الوطني الديمقراطي بزعامة الچادرچي، الوطني التقدمي بزعامة محمد حديد، الديمقراطي الكردستاني بزعامة الملا مصطفى البارزاني. کما اُجيز حزب مسخ بقيادة شيوعي سابق هو داود الصايغ، بدلا من الحزب الحقيقي العامل في الميدان. وحتی الوضع في کردستان بدأ يتأزم، وبدأ القتال بعد موجة الفرح الغامر التي شملت الشمال بعودة القائد البارزاني من منفاه في الاتحاد السوفياتي، والاستقبال الحار الذي قابله به الزعيم الشهيد. لقد کانت تلك الايام ايام فرح حقيقي لا حدود له! ولم تجدِ دعوة الحزب في صحافته عن "السلم لکردستان، والديمقراطية للعراق" نفعا. إن الذي تلی ذلك هو تمهيد للکارثة التي ستحل بالبلاد، وذلك بما کانت تنشره الصحف المجازة من المقالات التي توالي هجومها علی اليسار. ولعبت الفتاوی التي تأتي من النجف وکربلاء والکاظمية دورها المحموم في تغذية الهجوم المرسوم ورفدته بکل اسباب البقاء والاستمرار. لقد کانت تدق وبشکل ملح اجراس الخطر الذي يتهدد الدين والمجتمع والتقاليد! ولعل فتوی السيد محسن الحکيم هي الوقود الذي زاد النار استعاراً.

 

کان الوضع السياسي في الناصرية انعکاسا صادقا لما کان يجري في بغداد ومدن العراق الاخری. اصبح الشارع تحت سيطرة اعداء الثورة تماما، وکانت الفتاوی تُعلق في کل مکان. وما ان حلَّ عام 1961 حتی آُغلقت مقرات ومراکز المنظمات الشعبية التي کانت الواجهة السياسية للحزب في المدينة. ولابد من الاشارة هنا الی ظاهرة جديدة برزت في المجتمع تنذر بوجود انشقاق في بعض العائلات بسبب الولاء السياسي، أو هکذا کان يبدو. وقد شمل ذلك الاختلاف بين الاخوة احيانا، او بين الأب وابنائه او بين الاقارب. ومن الامثلة التي مازلت اتذکرها هو الاختلاف الحاد والعلني بين محمد العودة وابنيه راشد وکاظم وبنته فاطمة واخيه مهدي العودة. وکذلك بين السيد فليح اليعقوبي وولديه حسين ومحسن. ومن الامثلة الاخری عاجل کريم واخوه عبد الله کريم، وکاظم طارش واخوه حسن طارش، والشهيد خالد الامين واخوه کامل الامين، ونعمان السيد محمد واخوه الذي لا اتذکر اسمه، وداخل علوان واخوه ستارعلوان وابنا اخته سالم داود وغانم داود، وجميل الحران وابن اخيه حسين الحران، وعبد الله ناصر وابن اخته عدنان جبار الجبوري. وقد يکون هناك آخرون لا تحضرني اسماؤهم.

 

لقد اشرت سابقا الی ان الشيوعيين واليساريين في الناصرية اصبحوا ضيوفا دائميين علی المعتقل، خاصة في يوم الجيش في کانون الثاني ويوم العمال في أيار وذکری الثورة في تموز. وکان ذلك حقا امرا محزنا ان يدخل المدافعون عن الثورة وقائدها الی المعتقلات في حين يصول الاعداء ويجولون ويمارسون نشاطاتهم بحماية اجهزة الأمن. ومما يؤكد هذا هو الحکاية التي يرويها الزميل حامد الحمدانِي في مقالة له نُشرت في الحوار المتمدن بتاريخ 9/2/05 بصدد الحديث الذي جرى مع مدير الأمن العام (مجيد عبد الجليل) الذي جيء به إلى دار الإذاعة، التي اتخذها انقلابيو شباط الأسود مقراً لهم. قام علي صالح السعدي، أمين سر حزب البعث، بالبصق في وجهه ،فما كان من مدير الأمن العام إلا أن قال له :

لماذا تبصق في وجهي؟ فلولاي لما نجح الانقلاب.

 

وهذا خير دليل على عدم أمانة ذلك الجهاز الذي أعتمد عليه الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم. ولم يكن جهاز الاستخبارات العسكرية الذي أنيطت به حماية الثورة من المتآمرين بأحسن حال من جهاز الأمن. لقد تبين فيما بعد أن ذلك الجهاز كان ملغماً بالعناصر المعادية للثورة ،وكان على رأسهم ،رئيس الجهاز(محسن الرفيعي) ومن قبله (رفعت الحاج سري) الذي ثبت للمحكمة اشتراكه في الحركة الانقلابية للشواف، وحكم عليه بالإعدام، ونفذ الحكم فيه.

 

عند بداية السنة الدراسية عام 1962 انتشرت الشائعات عن اضراب قام به الطلاب في ثانوية النضال في منطقة باب الشيخ وکذلك في ثانوية الاعظمية في بغداد. وقد تلا ذلك اضراب لسائقي سيارات الاجرة في بعض مناطق بغداد بسبب قلة توفرالبانزين في محطات التعبئة. وقد سارعت الصحافة اليسارية السرية الآن الی التنبيه الی مثل تلك التحرکات وحذرت من شدة تناميها وعواقبها. لقد تحدث الکثير من المقالات عن الخطط التآمرية التي يعدُّها اعداء الثورة وحذرت الشعب والسلطة من النيات المبيتة، ولکن لا حياة لمن تنادي. کان الرد هو ان الشيوعيين واليسار انما يحذرون من عدو وهمي، وهدفهم هو التملق للزعيم وخداعه ليعودوا من جديد لملأ المواقع التي کانوا يشغلونها. يجري ذلك والشيوعيون واليسار بشکل عام في شلل تام، يعيشون علی الأمل بأن الزعيم سيفلت في يوم ما من براثن الخداع الذي ضُرب حوله، وانه سيعود من جديد ليضع ثقته بالجماهير وحزبها المناضل. لکن القدر بعث لنا وله في شباط الاسود صورة من القتل والتقتيل ما کانت في الحسبان.

 

سمعت من العقيد عبد الکريم فرحان قصة اليومين الرهيبين اللذين مرَّا علی بغداد الحزينة، وانتهيا بسقوط الزعيم الشهيد مضرجا بدمه في قاعة من قاعات محطة الاذاعة والتلفزيون في الصالحية. وقد تاکدت تلك القصة بمعظم تفاصيلها فيما بعد عن طريق سلسلة من المقالات نُشرت في صحيفة الحياة اللبنانية في مطلع هذا العام لاحد المجرمين الذين اغتالوا الثورة وزعيمها، الا وهو حازم جواد. وکما هو متوقع فان رواية جواد تشوبها بعض المبالغات والتشويه والتجني، لکنها بمجملها تکشف الخطوط العامة لتسلسل الاحداث وکيف جرت.

 

لا بد من الاعتراف أولاً ان المتآمرين إختاروا توقيتاً ذکياً لبدء حرکتهم، إذ جری ذلك في الساعة التاسعة صباحاً من يوم الجمعة في منتصف شهر رمضان الموافق 8 شباط. حرصوا ان يکون الضباط من انصارهم ومؤيديهم موجودين في المعسکرات والحاميات المحيطة ببغداد، وان يتولوا الخفارة ليلة الخميس/الجمعة، ليضمنوا السيطرة ويعتقلوا کل من يُشكُّ في عدم تأييده لحرکتهم. بدأت ساعة الصفر بارسال شخصين بملابس عسکرية الی منزل قائد القوة الجوية جلال الاوقاتي في منطقة الکرادة واغتالوه عندما خرج لمقابلتهم. وکانت جماعة منهم قد سيطرت علی القاعدة الجوية في الحبانية، حيث انطلقت طائرتان باتجاه بغداد. کما کُلفت مجموعة اخری بالسيطرة علی مرسلات الاذاعة في منطقة ابي غريب، فاصبح البث الاذاعي يأتي من هناك بدلا من محطة الاذاعة والتلفزيون في منطقة الصالحية.

 

بعد ان انهی الزعيم احدی جولاته المعهودة علی الافران والمخابز في مختلف مناطق العاصمة، تبين انه توجه في الساعة الرابعة صباحا الی منزل اخته في منطقة العلوية لتناول سحوره والصلاة ومن ثم النوم لساعات قليلة قبل استئناف مهامه اليومية. وفي حوالى التاسعة صباحاً، اتصل به مدير الأمن العام العقيد مجيد عبد الجليل، الذي يبدو انه كان مداوماً في مديرية الأمن منذ الصباح الباكر على رغم ان ذلك اليوم كان عطلة. أبلغه أن مجموعة من المسلحين استولت على مركز شرطة المأمون وقطعت الطريق الدولي الغربي باتجاه ابي غريب. بعد دقائق اتصل عبد الجليل مرة أخرى، وقال ان عملية مشابهة حدثت في الباب النظامي لمعسكر الرشيد. ورجّح ان تكون هذه اضطرابات طلابية ينفذها بعثيون وقوميون. أحس الزعيم بخطورة الوضع، فخلال دقائق انقطع البث الاذاعي ثم سمع أصوات قصف الطائرات في بغداد. تأكد ان هناك عملية كبيرة. بدأ بعض كبار ضباطه وأعوانه يتقاطرون الى المنزل. وقرروا الذهاب الى وزارة الدفاع في موكب سلك طريق شارع السعدون ثم شارع الجمهورية واستدار قبيل باب المعظم ودخل الى وزارة الدفاع. كان المئات من الشيوعيين قد تجمعوا أمام الوزارة يصفقون ويهتفون "ماكو زعيم الا كريم" و"تسقط المؤامرة". حيّاهم الزعيم وأشار لهم بيده بما معناه ان الامر سيحسم حالا. دخل الى مقره في وزارة الدفاع، وعقد اجتماعاته في غرفته في الطابق العلوي ثم نزل الى الملجأ الموجود تحت الوزارة، وبدأ إصدار أوامره الى القطعات لأخذ وضع دفاعي حول وزارة الدفاع واطلاق النارعلى الطائرتين المغيرتين. استمر قصف الطائرتين وتحليقهما المتواصل لبعض الوقت، واستطاعت بطارية الحماية الجوية ان تسقط احدهما. الا ان الضابط الطيار منذر الونداوي قفز بالمظلة سالماً. بدأت طلائع دبابات المتمردين بالوصول الی منطقة الميدان وأطلقت بعض الطلقات في اتجاه الوزارة. الا ان حشود الشيوعيين ازدادت حول المبنى بعدما سرت أنباء ان الزعيم لا يزال حياً. وهاجم المتظاهرون دبابتين وأخرجوا الضباط منهما وقتلوهم وسحلوهم في الشارع، فاضطر عبدالكريم مصطفى نصرة، قائد المجموعة الى الانسحاب بما تبقی من دباباته والعودة الی جانب الکرخ.

 

وفي منطقة اخری في جنوب غرب بغداد، سيطر المتمردون بقيادة طاهر يحيی التکريتي وانور الحديثي وطه الشکرچي علی مقر اللواء الـ19 القريب من معسکر الرشيد. ومع خضوع اللواء الـ19 لسيطرة المتمردين التحق بمعسكر الرشيد الذي يبعد نحو 400 متر عدد من الضباط والجنود. ولدی وصول الدبابات بقيادة طاهر يحيى التکريتي وأنور الحديثي كان هؤلاء يهتفون للزعيم. تقدم الحديثي وطلب منهم انتداب أحدهم للتفاوض، فتقدم رئيس للعرفاء وصعد الى برج الدبابة للتفاهم، فما كان من الحديثي الا ان قال: "هذا ممثلكم وهو خائن وحكمنا عليه بالاعدام." وأطلق النار عليه أمامهم. ثم أمر باطلاق النارعليهم فقتل العديد منهم وتفرق الآخرون.

 

أما في وزارة الدفاع، فقد اتصل الزعيم بمعسکر الرشيد فعلم انه سقط في يد المتمردين. أصدر الزعيم امراً لأهم سرية في الوزارة تسمى سرية الدفاع والواجبات، وآمرها الرائد عبدالله مريوش، بالخروج من داخل الثكنة وتشكيل خط دفاعي أمام الدبابات التي بدأت تتكاثر. ويدعي حازم جواد ان مريوش بدل ان يفعل ذلك طوّق مع جنوده وزارة الدفاع. کما بعث الزعيم بمرافقه حافظ علوان وراء آمر الفوج العقيد عارف يحيى الحافظ، فلم يلبِ واختفى هو وضباطه. وعند العصر تقدمت الدبابات التي انسحبت الی جانب الکرخ باتجاه وزارة الدفاع ثانية وهي تحمل هذه المرة صور الزعيم، ( شيء ذکرني بواقعة صفين بين الامام علي ومعاوية). وقد ظنت الجماهير المحتشدة ان الدبابات جاءت لتحمي الزعيم فقابلتها بالتصفيق وسمحت لها بالتقدم. وعندما اتخذت الدبابات مواقعها عند مدخل الوزارة، بدات باطلاق النار الکثيف علی الجماهير فقتلت الکثير من الناس وجرحتهم، فيما فرَّ الآخرون باتجاه شارع الرشيد وازقة منطقة الميدان.

 

ويذکر حازم جواد ان الزعيم سجل نداءين يدعو فيهما الشعب والجيش الى النزول الى الشوارع والساحات للقضاء على عملاء الاستعمار، وكلف أحد مرافقيه وهو محمد سعيد الدوري بثهما من محطة ارسال أخرى في منطقة سلمان باك جنوب بغداد، الا ان الدوري اعتُقل أو سلّم نفسه. علی الأرجح انه انحاز الی جانب المتآمرين بدليل انه اصبح مديراً للأذاعة بعد انقلاب شباط، ثم تقلد مناصب في وزارة الخارجية کسفير للعراق.

 

لقد نشر الزميل محمود البياتي مقالة في (موسوعة صوت العراق) بتاريخ 25/1/2003، قال فيها إن النص التاريخي لآخر خطاب للزعيم قد نـَشر عام 1981 في مجلة (الهدف، العدد رقم 529) في بيروت. وأعيد نشر الخطاب عام 1994 في (صحيفة المجرشة) في لندن. لا نعرف طبعا کيف ومتی حصلت الهدف علی نص الخطاب، لکن تحليلا موضوعيا للاسلوب والمفردات التي وردت فيه تجعلني اعتقد انه قد يکون فعلا نصاً اصلياً. وقد استعمل الکاتب النقاط للاشارة الی کلمات غير مسموعة واستخدم (+) للاشارة الی صوت القصف المدفعي والجوي.

 

"بيان من الزعيم بد الکريم قاسم الی ابناء الشعب الکرام والی ابناء الجيش المظفر. إن اذناب الاستعمار وبعض الخونة والغادرين والمستبدين (+) الذين يحرکهم الاستعمار لتحطيم جمهوريتنا ... الذين يحاربوننا بحرکات طائشة للنيل من جمهوريتنا ولتحطيم کيانها (+). ان الجمهورية العراقية الخالدة، وليدة ثورة 14 تموز لا تـُقهر ... وإنها تسحق الاستعمار، وتسحق کل عميل خائن. انما نحن نعمل في سبيل الشعب (+) وفي سبيل الفقراء بصورة خاصة، وتقوية کيان البلاد. فنحن لا نـُقهر، وإن الله معنا.

أبناء الجيش المظفر، والقطعات والوحدات والکتائب والافراد. أيها الجنود الغياری، مزقوا الخونة، اقتلوهم، اسحقوهم. إنهم يتآمرون علی جمهوريتنا ليحطموا مکاسب (+) ثورتنا. هذه الثورة التي حطمت (+) الاستعمار وانطلقت في طريق الحرية والنصر، وانما النصر من عند الله، وإن الله معنا. کونوا اشداء، اسحقوا الخونة والظالمين. هاجموهم في کل منعطف، وفي  کل زاوية. إنهم خونة ... إنهم أذناب الاستعمار، والله ينصرنا علی الاستعما واذنابه (+) واعوانه."

 

توقف الزعيم لفترة ثم استأنف وسط دوي القصف المدفعي والجوي.

 

"(+) السلام عليکم أبناء الجيش، أيها الضباط (+) أيها الجنود، أيها الضباط الصف الاشاوس، أيها العمال (+) الغياری (+) إن الاستعمار يحاول ان يُسخِّر نفر (+) من أذنابه للقضاء علی جمهوريتنا (+) لکنه (+) ... بتصميمنا وبتصميم الشعب المظفر (+) .... فإننا نحن جنود وشعب 14 تموز الخالد (+) الذي وجَّه الضربات الخاطفة الی العهد المباد (+)  رغم .... (+) .... (+) رغم الاستعمار، وحرر امتنا واستردَّ لها کرامتها ... فإننا هذا اليوم المجيد .... لسحق الخونة والغادرين.

أبناءَ الشعب، أبناءَ الجيش المظفر، إن النصر امامنا واننا صممنا علی سحق الاستعمار فلا .... الی الخونة والغادرين، فإن الله معکم. وسوف .... الظالمون والغادرون والسفاکون وأذناب الاستعمار. سوف .... عندما توجه لهم الضربات الخاطفة. وقد باشرنا بتوجيهها إليهم. والله ينصرکم وينصر جمهورينا.

 

أبناءَ الجيش الغياری، أيها الجنود (+) أيها الضباط، إسحقوا الخونة والغادرين الذين تآمروا علی جمهوريتنا. إسحقوهم، مزقوهم ... إننا الزعيم عبد الکريم قاسم .... وإننا أقوی وأمضی وأشدّ عزماً وکفاحاً في سبيل الفقراء، والنصر للشعب العراقي المظفر، والنصر لکم أيها الغياری."

ويمضي حازم جواد الی القول "كنا مسيطرين وكانت ثقتنا كبيرة لأن الخطة سارت بحسب ما هو مرسوم. وكنا منصرفين الى المعركة وكانت لدينا ثقة كاملة بأن المسألة باتت مسألة ساعات. ما كان يشغلنا هو معالجة أمر التظاهرات الشيوعية، اذ كانت سيارات مسرعة تمر من أمام الاذاعة في الصالحية وتطلق النار. وجاءتنا معلومات ان الشيوعيين احتلوا وسط مدينة الكاظمية واستولوا على الأسلحة من مراكز الشرطة. قررنا عدم اشغال أنفسنا بذلك لأنه لم تكن توجد قوات للجيش في المدينة. كما كنا نتابع تفاصيل المعركة والاتصال بالقطعات خارج بغداد، في بعقوبة وكركوك والموصل وأربيل والبصرة حيث أعلنت قطعات الجيش في هذه المدن تأييدها للثورة. وشهدت البصرة تظاهرات كثيفة للحزب الشيوعي القوي هناك، فنزل اللواء الخامس عشر وسيطر على المدينة وفُرض نظام منع التجول."

 

بحلول المساء كانت كل المعسكرات في بغداد تحت سيطرة المتمردين، الوشاش وأبو غريب والرشيد، بما فيه اللواء الـ19 والقاعدة الجوية، والثكنة الشمالية في التاجي التي تضم مقر قيادة الفرقة الخامسة في باب المعظم. وبقيت وزارة الدفاع خارج السيطرة لكنها كانت تحت الحصار. استمر القصف علی الوزارة حتى غروب الشمس، حيث وصل اللواء الثامن الذي ضمَّ ثلاثة أفواج بقيادة عبد الغني الراوي. طوّق أحدها بقيادة المقدم محمد يوسف طه وزارة الدفاع استعداداً لاقتحامها، وانتشر الفوجان الآخران ليلاً للسيطرة على الرصافة والكاظمية.

 

کانت بيانات المتمردين منذ الصباح تتوالی للتشهير بالزعيم وتنعته بالدکتاتورية والاستبداد والانفراد بالحکم. وکانت تلك البيانات بتوقيع الحاکم العسکري العام العقيد رشيد مصلح التکريتي. ولعل القراء يتذکرون ان هذا الضابط هو نفسه الذي نجا من السحل قبل اربعة اعوام تقريبا علي يد الجنود في حامية الناصرية. لکن لهجة البيانات عند المساء اتخذت منحی آخر وبدأت تتحدث صراحة عن الشيوعيين الذين يجب "إبادتهم حتی العظم!". ورد ذلك في نص البيان رقم 13 الذي أُذيع بصوت (هناء العمري) من محطة الاذاعة في الصالحية، حيث اصبحت مقرا للقيادة. کما تمَّ اعلان بيان آخرعن تعيين عبد السلام عارف رئيساً للجمهورية، وتشکيل الوزارة، حيث اصبح  أحمد حسن البكر التکريتي رئيساً للوزراء وعلي صالح السعدي نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للداخلية.

 

حصل في الليل اطلاق نار شديد من جانب الشيوعيين في مناطق باب الشيخ والکاظمية والثورة ومنطقة الگريعات والشعلة. کانت اتصالاتهم مع الزعيم مستمرة عن طريق الشهيد وصفي طاهر، الذي حضَّه على المقاومة وفتح مخازن السلاح امام الجماهير لتدافع عن الثورة. الا ان الزعيم وحتی اللحظات الاخيرة قبل استسلامه لم يستجب للطلب، لاسباب لا يعلمها الا الله. وهذا قد يکون السبب الذي حدا بوصفي طاهر علی وضع رصاصة في قلبهِ فمات منتحراَ.

 

حدث اول اتصال بين المتمردين والزعيم عن طريق يونس الطائي صاحب جريدة "الثورة" الذي طلب ان يقابل عبد السلام عارف. وکما ذکرت في حلقات سابقة فان يونس الطائي هذا کان يقول انه صديق للزعيم. لا احد يعرف کيف ومتی اتصل يونس الطائي بالزعيم ذلك اليوم، لکنه لدى اعلان عبدالسلام عارف رئيساً للجمهورية، طُرح اقتراح، قد يکون من الزعيم  بأن يطلب يونس الطائي مقابلة عبدالسلام اذ ان بينهما معرفة شخصية. ويمضي حازم جواد للقول "وفي الحقيقة فان جريدة الثورة لم تكن قاسية على عبدالسلام بعد اقصائه. وعندما فضَّ عبدالكريم قاسم علاقته مع الشيوعيين كانت الصحيفة متحمسة وتهاجم الشيوعيين يومياً." وافق المتمردون على استقبال يونس الطائي في دار الاذاعة والتلفزيون، وقابله کل من عبدالسلام عارف وعلي صالح السعدي وحازم جواد. هنّأ يونس الطائي عبدالسلام بالرئاسة وقال له ان الزعيم يتجول في وزارة الدفاع ويتمتم: "عبدالسلام أصبح رئيساً" بما معناه انه تقبل الأمر. عرض يونس الطائي عليهم بأن يُسمح للزعيم بالخروج والعفو عنه في مقابل ان يكفَّ عن المقاومة. وبعد أخذ وردّ قال عبدالسلام ليونس الطائي: "نحن نطلب منه أن يستسلم وبعد ذلك لكل حادث حديث."

 

بدأت قوى الزعيم ورغبته للمقاومة تخور بعدما انفض كثيرون من حوله وآخرهم رئيس اركان الجيش أحمد صالح العبدي الذي شعر بأن الأمور انتهت ثم قال بانه سيستسلم. خرج هائماً في الليل المظلم وكان الطقس بارداً وخاض في نهر دجلة وصعد الى الشارع المؤدي الى المستشفى الجمهوري حيث التقطته احدى الدوريات وأرسل الى معسكر الرشيد وهو في حال يرثى لها. وغادر الوزارة أيضاً النقيب حافظ علوان المرافق للزعيم. وفي الساعة الثالثة من صباح اليوم التالي رنّ جرس الهاتف في غرفة الاستعلامات في اذاعة الصالحية فردّ عليه ذياب العلگاوي التکريتي. کان الزعيم علی الهاتف وطلب الكلام مع رئيس الجمهورية! ينقل حازم جواد الحوار الذي دار بينهما فيقول: " أخذ عبدالسلام السماعة فقال عبد الکريم بان كل شيء انتهى وهو مستعد للخروج. فقال له عبدالسلام: اذا كنت تريد أن تستسلم فشرط الجماعة ان تخرج وحدك وخلفك جماعتك وتنزعون رتبكم العسكرية. قال عبد الکريم: "هذه إهانة. لماذا هذا الشرط؟" قال عبد السلام: "أولاً لأن الجماعة يعرفون بأنك غدّار ولا يثقون فيك، وثانياً حتى لا يحدث اطلاق نار عليك. فكِّر ثم كلـِّمنا مرة ثانية."

 

بعد أقل من ساعة رنّ الهاتف مرة ثانية، وكان الزعيم على الخط. ادعی حازم جواد ان الحديث بدأ هذه المرة بلهجة أكثر خنوعاً وتوسلاً وانه لم يعدم عبدالسلام فکيف يقبل أن يُهان أخوه الأكبر. أجابه عبدالسلام بانه ليس في الامر إهانة، لأن الزعيم عرض استسلاماً وهذه شروطهم وعرضهم النهائي. ثم اعطاه مهلة حتى السابعة صباحاً. "بعدها ينتهي العرض وستُقتحم وزارة الدفاع".

 

يمضي حازم جواد للقول بأنه بعد المكالمة، وبحسب ما علموا من الشهود بعد ذلك، بدأ اليأس يتسرب الى نفس الزعيم وبدا انه فقد الأمل نهائياً. كان يتكلم من قاعة مجاورة للوزارة هي قاعة الشعب المخصصة للاحتفالات ولها باب مفتوح على وزارة الدفاع. وهو أمضى معظم ليلته الأخيرة هناك حتى يتجنب القصف الذي استهدف الوزارة التي كانوا يظنون انه داخلها. بعدها توجه إلى مكتبه فحلق ذقنه وتعطر ثم عاد الى القاعة! وهذا شيء ذکرني بالساعات الاخيرة من حياة عبد الله بن الزبير قبل ان يُقبض عليه ويُحَزُّ راسُه بالسيف علي يد الحجاج. بقي المتامرون بالانتظار حتى الصباح عسى أن يستسلم. وقبل السابعة بربع ساعة تقريباً، أطلق المدافعون عن الوزارة النار على احد قادة المهاجمين وهو الرئيس الأول محمد علوان فأردوه. عندها بدأت الدبابات والمدفعية هجوماً كاسحاً على وزارة الدفاع الى ان توقف اطلاق النار منها تماماً حوالي منتصف النهار. دخل الجنود المبنى، فلم يجدوا الزعيم في الملجأ أو في الغرف، حيث تبين انه ورفاقه في قاعة الشعب. وعندما دخل المهاجمون القاعة كان الجميع وبينهم المهداوي موجودين هناك، فيما كان الزعيم جالساً في الغرفة التي يوجد فيها الهاتف ومعه مرافقه الرئيس الأول الركن قاسم أمين الجنابي.

 

استسلم الزعيم، وهو يمسك الراديو الصغير الذي يحمله دائماً للاستماع الى اذاعة بغداد في يده اليسرى، وسِدارته في يده اليمنى، الی العقيد الرکن عبد الکريم مصطفی نصرة. وُضعَ الزعيم والمهداوي وطه الشيخ أحمد البامرني وقاسم الجنابي في داخل دبابة. انطلقت الدبابة الی منطقة الصالحية في جانب الکرخ، حيث مبنی الاذاعة والتلفزيون. يقول حازم جواد "كنا نجلس في غرفتنا في الإذاعة في الصالحية عندما دخل عبدالكريم مصطفى نصرة، وأدى التحية وقال: "عبدالكريم قاسم معي في الخارج، وهو يطلب بأن يأتي المقدم عبدالستار عبداللطيف لإنزاله ومرافقيه الى هنا". يبدو انه كان خائفاً من الإهانة أو من تنفيذ اعدام فوري في حقه. وكان يعرف عبدالستار الذي كان ضابط ركن في قيادته. خرجنا أنا وعبدالسلام عارف وعبدالستار عبداللطيف وآخرين لنرى المشهد التاريخي، وضجت الاذاعة وساحتها الأمامية باطلاق النار ابتهاجاً. لم يستطع عبدالستار عبداللطيف اللحاق به لانزاله، إذ اُنزل الجميع من الدبابة قبل وصوله. كنت مندهشاً، فهذا عبدالكريم الطاغية الديكتاتور أسيراً. نزل من الدبابة وسار مهرولاً من شدة التدافع، وكان وراءه فاضل المهداوي، وكان صوت اطلاق النار يصم الآذان، إذ اشتعلت بغداد بدوي الطلقات بعدما سرى خبر اعتقاله. كنت أنا وعبدالسلام نقف على السلّم المؤدي الى الاذاعة ننتظر، فيما كان عبدالكريم يهرول من شدة التدافع وهو يمسك الراديو. في باحة الاذاعة الداخلية، رأيت يداً في الزحام تضربه على رأسه. دفعوه مع أعوانه وأدخلوهم الى أول غرفة صادفوها وهي قاعة الموسيقى. ثم دخلنا نحن بعد ذلك. كانت الغرفة صغيرة وضم الحضور عبدالسلام عارف وأنا وأحمد حسن البكر التکريتي وعلي صالح السعدي وحردان عبد الغفارالتكريتي وطالب شبيب وخالد مکي الهاشمي وذياب العلگاوي التکريتي وصالح مهدي عماش وعبدالله مجيد، ونحو سبعة ضباط آخرين. كانت آثار الضرب المبرح بادية بوضوح على وجه المهداوي. كانوا وقوفاً وكان قاسم يقف وكان وضعه محزناً."

 

حاول عبد السلام  عارف ان يستغل ضعف موقف الزعيم عندما أخرج قرآناً صغيراً من جيبه واراد ان يعيد کتابة التاريخ علی مزاجه الخاص. فسأل الزعيم عن البيان الأول لثورة 14 تموز عام 1958، وعن الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة وعن اعدام رفعت الحاج سري ، وقضية التلفون المباشر مع السفارة المصرية ببغداد. فوَّت الزعيم الفرصة علی الدنيء عارف ولم يجب عن أيٍّ من اسئلته، "فيما زاد وجهه اصفراراً وشحوباً." ثم سأله أحمد حسن البكر قائلاً: "سيادة الزعيم، كانت عندنا محاولة قبل شهرين، وأنت القيت خطاباً في اللواء الـ19 أوحيت فيه بأنك تملك معلومات عن المحاولة، فمن أخبرك بذلك؟ هل هو العقيد خالد الهاشمي؟" وكان الهاشمي موجوداً. فقال عبدالكريم: "لا، أقسم بشرفي إن الذي جاء بالخبر ضابط آخر".

 

تحدث عبدالستارعبداللطيف فوبخ قاسم الجنابي مرافق الزعيم، وهو صديقه وزميله في سلك الهندسة وشاركا معاً في ثورة 14 تموز. قال له: "يا قاسم، هل قمنا بثورة 14 تموز حتى تفتح الباب لعبد الكريم قاسم وتغلقه وتقف وراءه وتحمل له علبة كلينكس؟". كان الجنابي "مرعوباً وكانت عيناه جاحظتين من شدة الخوف، فأخرجه عبدالستار عبد اللطيف وحردان عبد الغفار الکريتي، وهما صديقاه الى غرفة ثانية وخلّصاه من القتل"، کما جاء في رواية حازم جواد. کما أضاف أن عبدالسلام وجَّهَ كلاماً قاسياً وسباباً الى طه الشيخ أحمد البامرني ومثله الی المهداوي. وأثناء الحوار دخل ضابط شرطة ووجه حديثه الى الزعيم قائلاً: "يا مجرم يا قاتل هل تعرفني؟" فقال له: "لا".  فرد الضابط: "أنا شقيق الشهيد ناظم الطبقجلي الذي أعدمته ويتمت أطفاله". فقال الزعيم: "أنا حكمته بمحاكمة والجماعة الآن يحاكمونني من دون محاكمة". قال له أحد الحاضرين: "أتعتبر تلك محاكمة والمهداوي، ابن خالتك، يقول انك كنت تصدر احكام الاعدام من عندك؟" فقال الزعيم: "على أي حال هذه مسائل نتركها للتاريخ".

 

انسحب عبد السلام ومن کان معه من الغرفة. فيما دخل أحد الضباط لعصب عيون الزعيم وجماعته. فرفض الزعيم وقال: "لن تعصّب عيوني! أنتم حكمتم عليَّ من دون محاكمة!" کما رفض الآخرون ان تُعصب عيونهم. ويقول احد العملاء الاوغاد، وهو عبد الغني الراوي، ان الزعيم هتف بحياة الشعب العراقي، فيما هتف المهداوي والبامرني بحياة الحزب الشيوعي قبل تنفيذ الاعدام. وهذه رواية اشكُ في صحتها، لانها لم ترد حتی في سرد حازم جواد. يمضي جواد الی القول انه عندما خرجوا بدأ فصيل من الضباط باطلاق الرصاص، فتهاوت اجساد الزعيم  ورفيقيه مضرجة بالدماء.

 

لم افهم لماذا سمح الزعيم لنفسه ان يستسلم. کان الاجدر به ان ينتحر! كان على الزعيم الشهيد من خلال القاعدة العسكرية للعسكريين أن ينتحر هو ومَنْ معه من العسكريين، أو أن يقاتل إلى آخر رمق بعد أن شهد تضحية محبيه والمخلصين من الجنود والضباط أمام عينيه. وباعتراف جواد، فأن الوحيد الذي استبسل في وزارة الدفاع هو الانضباط العسكري وقائده العقيد الشهيد عبدالكريم الجدة. لربما کان الزعيم الشهيد قد صدَّق وعد عارف عندما قال "يستسلم ويکون بعدها لکل حادث حديث." ربما يکون الشهيد  قد أمل انهم سيبعدونه الی خارج العراق، او قد يکون فضَّل ان يشهد نهايته کثير من الناس حتی لا تـُنسج عنه القصص والروايات.

 

يختتم حازم جواد قصته بان أعمال المقاومة كانت مستمرة، وإن كانت ضعيفة. لكن يبدو أن الجيش كان متطيراً منها. وكانوا يعرفون أن المقاومة لن تنتهي طالما ان الزعيم حي يُرزق. کما يعتقد بأن عبدالسلام عارف كان شامتاً وغير آسف. وبعدما اُعدم الزعيم اقترح أحد الحاضرين من القيادة عرض صوره على التلفزيون، "لأن الشيوعيين والمقاومين عندما يشاهدونه مقتولاً تنتهي المقاومة. وبالفعل هذا ما حدث."

 

سالتُ العقيد المتقاعد عبد الکريم فرحان ان کان شاهد الزعيم في ذلك اليوم، فأجاب بالايجاب. أطرق لحظة ثم اضاف انه شاهد جثمانه الطاهر في مبنی الطب العدلي حوالي الساعة السادسة  من مساء يوم السبت الموافق 9/2/1963، وقد اختطف الموت لونه. کان وجهه بلون ورقة بيضاء قديمة وکانت بدلته جهة القلب قد مزقها الرصاص. کان يبدو انه نزف آخر قطرة من دمه من أجل العراق. سألته ثانية ان کانت رتبته العسکرية لا تزال علی کتفيه، فأجاب انها نُزعت، ويُقال انها اُرسلت هدية ً للرئيس عبد الناصر! سألته أيضا ان کان يعرف ما جری لجثمان الشهيد، فأجاب انه سمع انهم وضعوه في کيس واثقلوا الکيس بقطع من الحديد، ثم نقلوه تحت جنح الظلام الی جنوب بغداد والقوه في النهر عند جسر ديالی.

 

وتخيلت نفسي صحبة العقيد المتقاعد، واننا لمَّا غادرنا مبنی الطب العدلي ونحن في صدمة من هول الفاجعة، کأني سمعت الشهيد يردد بصوته الحنون قولاً يشبه الاعتذار:

 

لو أنَّ لي مهجة ً اُخری لجدتُ بها

 

رحم الله الشهيد عبد الکريم