تأريخ الناصرية
وإذا المَنيَّة ُ أقبلتْ لا تـُدفـَع
د. محمد الأزرقي

mjiyad@hotmail.com

الحلقة السابعة

اشرت في حلقة سابقة الی کيفية بروز الحزب الشيوعي الی الواجهة بقوة بعد محاولة اغتيال الزعيم عبد الکريم قاسم علی يد زمرة من البعثيين، کما اعلن عن ذلك راديو بغداد. وفي صباح اليوم التالي يبدو ان اوامر الحاکم العسکري العام أحمد صالح العبدي قد وصلت الی الاجهزة الامنية في الناصرية، فبدات حملة لاعتقال البعثيين والقوميين. وتجمعت الجماهيرعند مدخل التوقيف في سراي الناصرية تستقبل المعتقلين بالهتافات المعادية واحيانا بالصفع والبصق وعبارات الاهانة. وکان هذا المشهد قد تکررسابقاً عندما فشلت محاولة الضابطين عبد الوهاب الشواف ومحمود عزيز للانسلاخ من العراق والحاق الموصل بالجمهورية العربية المتحدة! تهيأت لهما الفرصة عندما عقد الشيوعيون مؤتمرهم للسلام في فصل الربيع من عام 1959. وترتب علی ذلك مجازر رهيبة راح ضحيتها المئات من المواطنيين، في مقدمتهم عضو اللجنة المرکزية الشهيد المحامي کامل قزانچي. وفي اليوم التالي ظهرت صحيفة "طريق الشعب" وعلی صفحتها الاولی قصيدة ما زلت اتذکر مقطعا منها، إذ تقول:

في الموصل الحدباء

في ساحاتها يتجمهرون

وعلی الدروب وفي الطريق

وفي الزقاق

تری الرفاق

يتساقطون

وبرغم (دُم دُم) يهتفون

عاش الزعيم

عاش الرفاق الثائرون

ورصاص (دُم دُم) هو من النوع المحرَّم استعماله دوليا. وکانت سلطات الامن في سوريا بقيادة عبد الحميد السراج قد امدت المتمردين بذلك النوع من العتاد، وکذلك بغدارات بورسعيد، ومحطة للاذاعة استمرت في البث لمدة يومين متتالين قبل ان يقصفها سلاح الطيران العراقي فيسکتها. کما قـُصف کذلك مقر زعيم التمرد العقيد عبد الوهاب الشواف في معسکر الغزلاني، وقـُتل تحت الانقاض، فانتهي التمرد. وعلی إثر فشل المحاولة قام الشيوعيون بمساعدة سخية من الاکراد في المناطق القريبة بعقد محاکمات صورية، سموها ثورية، في منطقة  تـُسمی (عين الدملماجه) القريبة من الموصل. وقد تولی رئاسة المحکمة شيوعي قيادي من اهل الموصل اسمه عدنان القصَّاب. واصدرت تلك المحکمة الغير قانونية  احکاما  بالاعدام نـُفذت مباشرة بالعديد من البعثيين والقوميين من ابناء بعض العائلات الموصلية من بيت کشموله والشگره والعمري والياور وغيرها. وقيل ان إمرأة، ربما كان اسمها (حفصة) من عائلة العمري کانت من بين الذين نـُفذ فيهم حکم الاعدام.
ولو تتبعنا حقيقة الأحداث ومجرياتها في الموصل وكركوك لوقفنا على حقيقة واضحة ذكرها الأستاذ حنا بطاطو، حيث قال عن أحداث الموصل وكركوك إنها نتيجة تراكمات الظلم السياسي والاجتماعي والصراع الطبقي لقرون طويلة بين المعدمين والموسرين. كان هناك بركان ينتظر الفرصة السانحة للانفجار ومن الطبيعي أن يجد المعدمون ضالتهم في الحزب الشيوعي وبذلك انسحبت هذه الأحداث على الشيوعيين. لقد اُشيع حينها ان هناك دوافع ذاتية للأنقلابيين، ولکن سيكون من السذاجة اعتماد عامل واحد، أي الدوافع الذاتية، لمحمود عزيز وعبد الوهاب الشواف سبباً لتفسير حركتهما. کان هناك أيضا العامل الاجتماعي، أي موقف كبار الملاكين والتجار من ثورة تموز 1958. أضف الی ذلك النشاط الديمقراطي المستقل للجماهير الشعبية خلال الاشهر الاولى من الثورة وما يستحقه من الاهتمام. ويشير الباحث د. عبد الفتاح بوتاني، في کتابه "من كان وراء حوادث الموصل وكركوك الدامية؟"، إلی أنه لم تكن الحالة تختلفُ في المساجد والجوامع، لاسيما ايام الجمعة. لقد اخذ الذين تضرروا من اجراءات الثورة وفقدوا مراكزهم يحرضون بعض رجال الدين ويدفعون لهم الاموال لمهاجمة الشيوعية والشيوعيين من على منابر بيوت الله. واشتهر في هذا المجال رجل الدين (هاشم عبدالسلام). ولم يفِت الكاتب الاشارة الى "استغلال اعداء الثورة للدين الاسلامي في محاربة الشيوعيين والمؤيدين لثورة 14 تموز، وكان يؤيدهم في ذلك او في هذا الاتجاه اثرياء المدينة من الملاكين واغوات الأکراد المناوئين للحركة القومية الكردية".

کما لعبت اجهزة الامن المحلية دورا متميزا في تضليل السلطة في بغداد، وفي التحريض على الفتنة، والتهويل من الخطر الشيوعي. ويلاحظ د. بوتاني بهذا الصدد "لم تكن المعلومات الواردة في تقارير الامن عن النشاط الشيوعي في المدينة موضوعية وحقيقية. فالأفكار الشيوعية لم تكن غريبة على المدينة او كانت قد ظهرت او وجدت بعد ثورة 14 تموز 1958، بل كانت مألوفة لدى سكان الموصل منذ العشرينيات. وكان للشيوعيين تنظيم منذ مطلع الاربعينيات في المدينة، ولم يتعرض الشيوعيون للدين الاسلامي او يثيروا مشاعر المؤمنين. لكن بعض اثرياء الموصل كانوا يحرضون عددا من رجال الدين لمهاجمة الشيوعيين والشيوعية في خطب الجمعة وبدون مناسبة". کما جرى تهويل عدد الضحايا ممن اشترك في الاعداد او التنفيذ في حركة عزيز/ الشواف وحسب د. بوتاني فان "الاعلام المناهض لنظام الزعيم، لاسيما اعلام الجمهورية العربية المتحدة بالغ في أعداد القتلى فأوصلها الى الالاف". لكنه حسب د. عقيل الناصري، الذي يستشهد به الكاتب في اكثر من موقع، فان عددهم لا يزيد على 47، وذلك حسبما كشموله ورد في تقرير الطب العدلي واكده المقدم، القومي الاتجاه، يوسف احد المشاركين في الحركة الانقلابية.  واكد العددَ المذكورَ المجلسُ العرفي العسكري الذي اقامه انقلابيو 8 شباط 1963، فيما زاد عدد ضحايا الذين قاوموا الانقلاب على الخمسين. أضف الی ذل
ك المئات من الذين جرى اغتيالهم فيما بعد من الشيوعيين والديمقراطيين بدعوى مقاومتهم للحركة الانقلابية، وکذلك ممن جرى اعدامهم نتيجة الاحکام التي اصدرها المجلس العرفي الاول برئاسة العقيد شمس الدين عبد الله خلال فترة حکم الزعيم.

لكنه لم يكن مقدرا ان يتوقف الامر عند هذا الحدّ. فحسب طه فتحي داود احد البعثيين، وكان من قادة تنظيم حزب البعث في الموصل في ذلك الوقت، فان حزب البعث "حاول تفجير سكة القطار وقتل مَن فيه من انصار السلام المتوجهين الى الموصل. الا ان العملية اكتـُشفت من قبل السلطات. عندها قرر الحزب نسف الاحتفال والقضاء على الغالبية العظمى في ملعب الادارة المحلية. الا ان الشواف امرهم بالتوقف لان الجيش قرر القيام بحركة تمرد ضد عبد الكريم قاسم". ولو قـُدر لهذه المخططات ان تنجح، واذا عرفنا ان عدد المشاركين في المهرجان الذي تقرر نسفه، بلغ حوالي الـ 50 الفا، لكان يمكن تصور اية نوايا سوداء كان يضمرها المتآمرون ازاء الآلاف من الناس الذين يمكن ان يكونوا بين الضحايا.

 إما عن احداث كركوك، فإن المدينة لم تشهد اية حادثة ذات طابع سياسي، او تنافس قومي بين الأکراد والتركمان الا بعد زوال النظام الملكي في 14 تموز 1958. وتـُعزی تلك الاحداث الى نشاط دول حلف بغداد، الذي اخرجت ثورة تموز بغداد منه. لم تبدِ تلك الدول ترددها أو إخفاء نواياها لمواجهة ثورة تموز وإجهاضها. ويورد الباحث د. بوتاني نماذج من التحريض الاعلامي التركي والإيراني. لكن الامر برأيه تجاوز التحريض الاعلامي الى التحريض بالسلاح، حين اعدت شركات النفط العدة لجلب الاسلحة من الخارج لتوزيعها على بعض الجماعات المأجورة وذلك بوضعها في الاجهزة والاجزاء والمكائن والحاجيات المستوردة للشركات واخفائها بصورة جيدة.

ومن المعروف ان محاولات فردية اخری قد جرت اثر فشل تمرد الشواف ذهب ضحيتها بعض الضباط في بعض مناطق العراق. اعرف علی الاقل مصير واحد منهم في البصرة، حيث "سُحِلَ" ضابط برتبة مقدم في شوارع البصرة. اما فيما يتعلق بمدينة الناصرية، فقد اشرت في حلقة سابقة لما قيل ان محاولة مماثلة جرت في ثکنة المدينة قام بها بعض الجنود، وکاد ان يُقتل فيها ضابط اسمه رشيد مصلح التکريتي. لقد اشيع عنه انه کان مؤيدا لمؤامرة الشواف، مما حدا بعدد من الجنود للتجمع خارج مکتبه في حامية الناصرية، وهم يحملون الحبال ويرددون شعارات (الموت للخونة المتآمرين). لا ادري من تدخل وقتها وانقذ حياة رشيد مصلح التکريتي في تلك الساعات الحرجة. وقد القيت التهمة بقيادة اولئك الجنود وتنظيم تلك المحاولة علی عاتق نائب ضابط شيوعي هو حميد مجيد رشيد. اعرف حميد شخصيا، فأخته اقبال کانت صديقة لاختي حمدية وزميلة لها في المدرسة، وتتردد علی بيتنا باستمرار. لم تثبت التهمة المذکورة علی حميد مجيد رشيد بعد ان امضی بعض الوقت في السجن، وفـُصل من الخدمة العسکرية بسببها. عمل حميد في مخزن السيد علي المغازچي حتی شباط الاسود.  وجدير بالذکر ان رشيد مصلح التکريتي اصبح حاکما عسکريا عاما بعد انقلاب شباط الاسود، الا ان صدام اعدمه فيما بعد بتهمة مساندة محاولة حردان عبد الغفارالتکريتي للسيطرة علی السلطة.

کما اشرت الی محاولة سحل عدنان جبار الجبوري الذي استطاع ان يفلت من قبضة الذين کانوا يطاردونه في سوق المدينة، ودخل الی فندق شريف واختفی هناك. وتمَّ انقاذه بوصول خاله عبد الله ناصر وعاجل کريم وکاظم العجمي. واتذکر انني في عصر ذلك اليوم ذهبت الی صالون حلاقة عدنان الحلاق. ومن الطبيعي ان حديث الرجال الذين کانوا ينتظرون دورهم کان عن اضطرابات ذلك اليوم. ومن اشد الاشخاص انزعاجا مما جری، هو الصديق سليم داود الذي اتذکر تعليقه بلهجته الريفية "هذا شي ما يرضی بيه، لا ألله ولا رسوله!"

کنتُ قد التقيت بسليم داود وتعرفت عليه قبل حوالي العام في حدود اراضي العشيرة عند مناطق الشريف تقريبا، حيث توجد بناية صغيرة لا تتجاوز مساحتها سعة غرفة وتتناثر حولها حاويات للوقود (براميل). کانت تلك هي (مکينة السيد هادي الدهش) الزراعية التي تزود اراضيه بحاجتها من مياه الفرات. وفي احد المرات شاءت الظروف ان التقي بالرجل الذي کان يدير الماکنة ويعمل علی صيانتها. اصبح فيما بعد من اصدقائي المقربين للعشرين سنة القادمة،  وتقاسمت معه ظروف الاعتقال والاذلال والتعذيب. کان سليم يعرف الکثيرعن عشائر المدينة. يحلف (بالعباس ابو فاضل) ويتحدث اللهجة الريفية بطلاقة کواحد من سکانه، کما يروي الکثير من قصص الريف الممتعة ويستشهد بها. وهذا شيء يذکرني بالمرحوم الصديق ابو گاطع. کان سليم يرکب دراجته النارية ويحضر الی المنطقة يومين في الاسبوع لسقاية حقول الحنطة والشعير حتی موسم الحصاد. وفي الايام الاخری يذهب سليم لأداء نفس العمل في مناطق جهة سوق الشيوخ، لملاکين آخرين عندهم مکائن زراعية، مثل السيد هادي الدهش.

 والسيد هادي الدهش (ابو خالد) هو عميد العائلة في الناصرية. کان حسن المظهر في هندامه ولباسه، ويحرص دائما وبشکل خاص علی تناسق اللون ما بين منديل الصدر وربطة العنق. شاهدته احيانا وهو يجد صعوبة في المشي عندما کان يغادر مبنی نادي  الموظفين مساءً. وللسيد هادي الدهش عدد من الابناء والبنات. ابنه الأکبر هو خالد الذي صار محامياً، واعتقد مدير ناحية في محافظة ديالی فيما بعد. وابنه الثاني هو صفاء الذي کان غاية في الادب والرقة. لشد ما اعجبني فيه صوته الهادیء واحترامه للآخرين. کان صفاء يکبرني بعدة سنوات، ولذلك لا اعرفه شخصياً. کان في المرحلة الاعدادية عندما کنتُ في المرحلة المتوسطة. کان رياضيا وبطلا في رياضة (رمي القرص والرمح والثقل). لا اتذکر انني شاهدت صفاء يساهم، او حتی ان کان موجودا داخل بناء المدرسة، عندما حدث اعتصام الطلاب عام 1956. بعد اکمال الدراسة الثانوية، انضم صفاء الدهش للکلية العسکرية فصار ضابطا، ولم اعد اراه الا في ايام الاعياد عندما يحضر لزيارة عائلته. اما بنات السيد هادي الدهش فهن واثقة (معلمة) و خالدة (معلمة) ونعمة (مدرسة، تزوجت من جلال السامرائي، وهو الذي درسني اللغة الانکليزية في دار المعلمين الابتدائية. کان بعثيا وانتقل الی بغداد بعد شباط الاسود، حيث انيطت به مهمة اصدار صحيفة وزارة الاعلام التي تصدر بالانگليزية). ومن بنات الدهش ايضاً ميسون (مدرسة) والبنت الصغری هي مي (صارت معلمة، وعُرف عنها جمالها ورشاقة جسمها ومحاکاتها للممثلة سعاد حسني في لباسها وطريقة تصفيف شعرها). بعد شباط الاسود تزوجت مي من مدرس بعثي من اهل القلعة اصلا، لا اتذکر اسمه. وفي السنوات الاخيرة من حياته، رُزق السيد هادي الدهش بولد سماه علي والذي کانت ولادته مفاجأة  تحدث عنها الناس في المدينة.

 لکن مفاجأتي کانت اکبرعندما اخبرني صديقي الجديد، عامل ماکنة السيد هادي الدهش لضخ المياه، أنه مسيحي! مسيحي مولود في البصرة! کيف يمکن ان يکون هذا (المعيدي) مسيحياً؟ ولکنه کان! فهو الأبن الاکبر للأسطه داود سلمان يوسف (مهندس ومدير وعامل صيانة) ماکنة توليد الکهرباء ومصلحة اسالة الماء في مدينة الناصرية.  وبذلك يکون سليم هو ابن اخ الشهيد فهد مؤسس الحزب الشيوعي في ثلاثينات القرن الماضي. نزحت العائلة من البصرة في اواخر العشرينات علی ما اعتقد. وکانت معها عائلة اخری، هي عائلة طوبيَّا بابنائها جورج وعبودي وشاکر وجميل. نزحت هاتان العائلتان الی الناصرية وجلبتا معهما التکنولوجيا الحديثة للمدينة! فلم تکن مکائن توليد الطاقة الکهربائية ولا مکائن ضخ المياه ولا مکائن طحن الحبوب ولا معامل صنع الثلج لموسم الصيف معروفة في المدينة من قبل. وباستثناء اسطه داود، اختار الاخرون الاعمال الحرة، بما فيهم جميل طوبيا الذي اکمل دراسة الجامعة ونال شهادة البکالوريوس في اللغة الانگليزية. تملك هؤلاء الرجال المسيحيون مکائن طحن الحبوب ومعامل صنع الثلج ووکالة بيع المکائن الزراعية. کما انني اعتقد ان اول صيدلية افتتحت في الناصرية کانت علی يد صيدلاني جاء من البصرة ايضا، وهو يوسف الصيدلي (أبو سمير). ومن المعروف ان سمير واخته سميرة کانا عضوين في الحزب الشيوعي. کان سمير من القياديين البارزين في اعتصام الطلبة عام 1956. وهو من الذين فـُصلوا وسيقوا لأداء الخدمة العسکرية في معسکر جلولاء، کما اسلفت. صار سمير معلما وصارت سميرة مدرسة، وتزوجت فيما بعد من الفنان الشاعر فائز الزبيدي وسکنت في بغداد حتی شباط الاسود. لا ادري ما حلَّ بهما بعد ذلك.

 اما من عائلة طوبيا، فکان حکمة جورج زميلي عندما درست المرحلة الابتدائية في المدرسة الغربية ومن ثم مدرسة الملك فيصل الاول. کان حکمة ولدا ذکيا ونشطا وکثير  المزاح والشجار مع الاولاد الاخرين. کان لاعبا ماهرا في کرة المنضدة. وفي احد المرات، هزم حکمة طالبا اسمه مکي تامول في لعبة المنضدة واستمر في مناکدته، فانزعج ذلك الطالب ودعاه بـ (أخو الکذا!) والکذا المقصودة هي اخت حکمة، المطربة زکية جورج، صاحبة الصوت الغنِج التي تغني فتقول:

کِلِّ الحِسِن بيك انجمع         ومِن لوعتي واجفاك دلالي انگطع

أغلب الظن ان زکية جورج قد ولدت في البصرة وانها لم تمضِ وقتا من حياتها في الناصرية. أکمل حکمة جورج المرحلة الابتدائية ثم التحق بالمدرسة الصناعية في البصرة ولم اشاهده بعد ذلك اطلاقا. وکان محمود شاکر طوبيا، ابن عم حکمة، زميلي للمرحلتين الابتدائية والمتوسطة. ومحمود هو علی العکس تماما من ابن عمه حکمة، هادئا قليل الکلام والاختلاط . التحق محمود بمعهد للتصوير الشعاعي بعد اکمال الدراسة المتوسطة، وعمل في مستشفی المدينة. وکذلك احترفت اختان له مهنة التمريض وعملتا في نفس المکان. کما تجدر الاشارة الی ان شاکر طوبيا هو اول من افتتح محلا لبيع الخمور في المدينة. وتبعه آخرون وهم وديع وجورج وداود (أبو سليمان). الا ان هؤلاء جميعا نزحوا من الموصل، علی ما اعتقد.

مما لاشكَّ فيه ان ما جری في الموصل والمناطق الاخری من تصرفات خارج سلطة القانون قد اغضب الزعيم عبد الکريم قاسم. أضف الی ذلك الشك وربما الخوف من المنازعة علی السلطة، الذي سببه مطلب الشيوعيين للمشارکة في الحکم علنياً وفق شعارهم الذي رفعوه في احتفالات عيد العمال عام 1959،"الحزب الشيوعي بالحکم مطلب عظيم!" کل ذلك مهد الجو لغير صالح الشيوعيين. وعندما قامت احتفالات تموزبعد شهرين وما رافقها من حوادث في مدينة کرکوك، والتي القيت علی عاتق الشيوعيين، فان نقطة التحول السياسي النوعي في سياسة الزعيم کانت قد بدأت فعلاً. ورغم الادلة القاطعة علی ان دوافع منفذي تلك الجرائم من المندسين کانت ذات طابع اثني، بمعنی کردي/ترکماني وليس شيوعي/ ترکماني، الا ان صوت الحقيقة قد ضاع وسط صراخ المتآمرين الذين اقنعوا الزعيم عبد الکريم قاسم بالقصة الملفقة عن طريق عرض صور، ظهر فيما بعد انها زوِّرت، لاطفال ونساء ذبحوا وعُلقوا علی اعمدة خطوط الکهرباء.

 وکانت خطبة الزعيم في کنيسة مار يوسف في الکرادة الشرقية والتي اطلق فيها کلمة "فوضويون" بداية مأساة الشيوعيين في العراق. اصبحت هذه الکلمة مرادفا لاعضاء الحزب الشيوعي وانصارهم من اليساريين. وأصبحت أجهزة الدولة المخابراتية والأمنية لا تجد مناسبة إلا وزجت بمجموعة من الشيوعيين تنكيلاً بهم. وبدأت الصحف ذات الاتجاه اليميني والبعثي، وفي مقدمتها (الثورة) التي کان رئيس تحريرها يونس الطائي المتباهي بعلاقته بالزعيم، وصحيفة (الحرية) التي يملکها قاسم حمودي و(الفجر الجديد)، تنشر المقالات اليومية المتتابعة والتقارير الصحفية عن "الفوضويين وجرائمهم" في الموصل والبصرة وکرکوك وبغداد وغيرها من مدن العراق! وکانت تنشر کذلك براءات بعض الاشخاص من المتهمين بانهم اعضاء في الحزب الشيوعي، والتي تبدأ عادة بـ "يتهمني البعض انني فوضوي ملحد من اعضاء الحزب الشيوعي  ....الخ." وكانت مثل هذه الممارسات تجري بضغط من اجهزة الامن لکسر شوکة الشيوعيين والتشهير بهم.

ولا بدَّ من التذکير بما حصل للسياسيين، الذين ناصروا الزعيم وخاصة القوى اليسارية من اليوم الأول للثورة إلى آخر لحظة في حياته، على يد شمس الدين عبد الله رئيس المجلس العرفي الاول، ومدحة شاكر السعود رئيس المجلس العرفي الثاني. فهاتان المحكمتان نصبهما الزعيم لأعوانه وأنصاره وللكادحين الفقراء ممن قامت الثورة من أجلهم. كانت هاتان المحكمتان لا تتوانيان عن إصدار الحكم بالإعدام أو الحكم بالسجن مع الأشغال الشاقة وبتهم ملفقةٍ أو مختلقة من قبل الأجهزة الامنية للزعيم الشهيد. ولمَنْ ؟! لأبناء الشعب المحب المخلص للزعيم، حتى استلمتهم أيدي الانقلابيين في 8 شباط حيث سحقتهم عجلة الحقد الفاشي.

کما قامت حرکة، اعتقد انها کانت منظمة، لاغتيال بعض الشخصيات التي کان يُقال انها شيوعية في مختلف مناطق العراق. لعل اشهرها کان اغتيال الشهيد ابراهيم ابو الهُبّ مسؤول منظمة الشبيبة الديمقراطية في وضح النهار، عندما تصدی له مجهولون وأردوه قتيلا في ساحة التحرير. جری هذا في الوقت الذي کانت فيه السجون مثل السجن المرکزي ببغداد وسجن الحلة وسجن بعقوبة وسجن الکوت تتلقی المئات من الشيوعيين واليساريين نتيجة احکام لتهم ملفقة، في اغلب الاحوال.

لحسن الحظ لم تجر اية محاولة لاغتيال اي شيوعي في الناصرية، لکن الموقف  السياسي والامني توتر کثيرا بوصول عدد من البعثيين المبعدين الی الناصرية بعد فشل مؤامرة الشواف.  کما شهدت المدينة هجرة واسعة من الاقضية والنواحي لأشخاص بدأوا يمارسون بعض الاعمال الحرة. ومن هؤلاء مزيد الدبوس (ابو توفيق) من سوق الشيوخ، والذي افتتح له مخزنا في سوق البلدية. کما منهم الاخوين الاسود من الشطرة، وهما اللذان تملکا مقهی العروبة، سيئة الصيت. ومن الشطرة ايضا جاءَ (ابو رفيق) الذي تملك مقهی الشبيبة. ومن السويج جاء السيد شرِّيف الذي تملك فندقا تقع قرب مدخله مقهی ( أبو احمد) التي اصبحت خلال السنوات الاولی للثورة ملتقی للأدباء والمثقفين في المدينة، رغم صغر حجمها. ويبدو ان البعثيين في المدينة قد اشتد ساعدهم وصلب عودهم بظهور الاشخاص المبعدين في شوارع المدينة ومقاهيها. وفي اعتقادي ان اجهزة الشرطة والامن التي کان يقودها ضباط ومفوضون تتراوح اسماؤهم ما بين سامرائي وتکريتي وهيتي وعاني ودليمي وجبوري ..الخ، قد لعبت الدور الرئيسي في تقوية واسناد عناصر البعثيين والقوميين. وقد اخذ هؤلاء يبسطون سيطرتهم علی الشارع في الناصرية.

 کان من اهم المبعدين معلم من مدينة تکريت تم تعيينه في مدرسة اريدو، واصبح فيما بعد دائم الحضور مع مدير التربية محسن توحله الذي جاء هو الآخر مُبعدا من الموصل. اسم هذا المعلم صلاح عمر علي التکريتي. کما حضر الی الناصرية مهندس مسيحي من الموصل برتبة ضابط احتياط اسمه فهمي روفا. وکانوا جميعا يترددون عصر کل يوم علی صيدلية مدحة الهاشمي، الذي جاء من الموصل وافتتح له صيدلية قرب الجامع الصغير. لا ادري ان کان مدحة علی صلة قربی بضابط لعب دورا مهما في انقلاب شباط، وهو خالد مکي الهاشمي. ومعروف ان صلاح عمر علي التکريتي کان من بين الذين تولوا قيادة التحقيق، واشرفوا علی عمليات التعذيب التي شهدتها بنفسي في بيت آمر حامية الناصرية بقرب الاسکان، عندما حولوه الی مقر للتحقيق (سأتحدث عن هذا الموضوع في حلقة قادمة، إن شاءَ الله). اما فهمي روفا فاصبح قائدا للحرس القومي في الناصرية بعد انقلاب شباط الاسود. وبطبيعة منصبه الجديد کان يحضر ويشرف ويساهم في عمليات التحقيق والتعذيب. وجدير بالذکر ان اشيرهنا الی ان فهمي روفا هو شقيق الخائن منير روفا الذي هرب الی اسرائيل بطائرة الميغ العراقية. وکانت هذه اول مرة تضع  فيها امريکا يدها علی هذه الطائرة العسکرية السوفيتية الصنع. کما تجدر الاشارة الی ان طارق عزيز هو خال لهذين الرديئين. اما صلاح عمر علي التکريتي فقد انتقل الی بغداد وکان له دور بارز في انقلاب البعثيين الثاني يوم  30 تموز عام 1968 حيث ظهرعلی شاشة التلفزيون الی جانب صدام حسين لدی الاعلان عن اعتقال وابعاد عبد الرزاق النايف. اصبح صلاح عمر علي التکريتي وزيرا للثقافة والاعلام ثم سفيرا للعراق في البرازيل، واخيراً مندوبا للعراق في الامم المتحدة. ولدی انشقاقه عن خط صدام حسين، لجأ الی السويد وبقي فيها الی حين سقوط نظام صدام. وهو الآن عضو بارز في حزب اياد علاوي.

ازدادت جرأة البعثيين في التصدي للشيوعيين في الشوارع والمقاهي في سوق المدينة، حيث کانت تتعالی صيحات مثل "فوضوي" او "ابگع"، (بمعنی کلب) لدی مرور احد يظنون انه شيوعي في الشارع او امام مقهی العروبة التي يتجمعون فيها وقت العصر بشکل خاص. لقد اصبح التواجد في تلك المنطقة مغامرة يُحسَب لها حسابها. وقد کان للمدعو السيد طاهر العلوچي والسيد فليح السيد حسن اليعقوبي ومکي جبار (وهو الاخ الاکبر لرشيد جبار) دورٌ بارزٌ في قيادة شلة من الاشخاص للقيام بمثل هذه الممارسات المحمومة.  کانت تصرفات السيد فليح اليعقوبي مثار احراج لولديه حسين ومحسن المحسوبين علی صفوف الشيوعيين. کان اعضاء الشلة يتصرفون کقطيع من الکلاب المسعورة عندما يکونون معا. ويجبن الکثير منهم بقول اي شيء عندما يکون بمفرده. وقد انضم للجوقة تدريجيا عدد من الاشخاص الذين کانوا يتجمعون بين دکان السيد فاضل الهاشمي وصيدلية مجيد القطان. الا ان ترکيز هؤلاء الجماعة کان علی "الشيوعية والالحاد". وقد اصبحت واجهة صيدلية مجيد القطان معرضا لتعليق الفتاوی التي بدأ يتوالی صدورها من النجف عن الخطر المحدق بالدين والشريعة جراء وجود الخطر الشيوعي الذي يهدد کيان المجتمع الاسلامي! وفي اعتقادي ان بروز مثل هذا المنطق السياسي کان دليلا علی ظهور حزب الدعوة لاول مرة في تاريخ المدينة بشکل علني.

وبصراحة، أحزنني کثيراً ان اری قيادات الشيعة في المدينة والبلد بشکل عام قد انضمت الی صفوف الاعداء وتنکرت للثورة وقائدها. يعرف الشعب العراقي جيداً ان الزعيم عبد الکريم قاسم فتح الابواب للشيعة وردَّ الاعتبار السياسيَّ إليهم. کما أفادت برامجه وخططه الاعمارية، خاصة في جنوب البلاد ووسطها، المناطق التي يسکنها الشيعة بشکل رئيسي. لقد افتتحت المدارس وبُنيت المستشفيات وتوسعت الخدمات الصحية ومُدت خطوط الکهرباء وشُقت الطرق وبُنيت البيوت السکنية لذوي الدخل المحدود منهم. وبشهادة الأعداء والأصدقاء، يُعتبر بناء مدينة الثورة علی اطراف بغداد الشرقية مشروعا ضمن لمليون شخص حينها، السکن في بيت لائق يحترم انسانية المواطن العراقي. کما أن جولاتِ الزعيم الليلية علی المخابز والافران لتوفير الخبز للمواطنين، دليلٌ علی لفتة انسانية منه لإهمية توفير القوت لهم. وللأسف تمکن النفوذ الاستعماري ان يجد طريقه لشلِّ الثورة وعزل قائدها عن الجماهير. ولم تکن هذه الوسيلة غريبة ً أو مفاجئة ً. فقد اعتمدتها الحکومة الأمريکية في عهد الرئيس أيزنهاور عندما وظـَّفت رجل الدين الشيعي "زاهدي" لتأجيج المشاعر ضد حکومة القائد الوطني مصدَّق في إيران، بعد ان قام بتأميم النفط في البلد. وقد تکللت الجهود بالنجاح فاُسقطت حکومة مصدق، واُعيد الشاه محمد رضا پهلوي إلی کرسيِّه، ليحکم إيران بالحديد والنار لربع قرن آخر، حتی مجيء الخميني للسلطة.

مع ان البعض من شباب الناصرية اليساريين والتقدميين کانوا متحمسين للرد علی تجاوزات اولئك الغرباء عن المدينة، ووضع حدٍّ لمثل تلك التصرفات، الا انه کان يبدو وقتها ان القيادة لم تحبِّذ افکارا من هذا القبيل، مخافة ان تستغل سلطات الامن والشرطة ذلك وتلقي تبعية اية مواجهات علی عاتق الشيوعيين. ربما کان في ذلك شيء من الدقة، لکن الامل بأن الامور ستتحسن، وانه يجب ان نضع ثقتنا بان الثورة ستصلح  تلك التجاوزات، لم يکن الا اضغاث احلام اثبتت الايام خطأها.  ففي مقابل ذلك الزخم المتزايد من النشاط البعثي/القومي/الاسلامي/الشيعي بدأ النشاط الشيوعي ينحسر تدريجيا الی حد الاختفاء. لقد أغلقت کلُّ التنظيمات التي کانت واجهة للحزب ابوابها.  اصبح الذهاب الی المقهی او السوق او حتی التجول في شوارع المدينة عصرا، مغامرة يُحسب لها الحساب! لقد اظهر الشيوعيون سلوکا يدل علی الضعف، او الجُبن وتحاشي المواجهة او التصادم. وهذا  بدوره شجَّع الاطراف الاخری علی المضي في اساليبها المهينة التي تلاحق الشيوعيين باستمرار. وقد لقيت تلك الاساليبَ الرعاية والتشجيعَ والمساندة من اجهزة الامن والشرطة والمخابرات طيلة ما تبقی من فترة حکم الزعيم  عبد الکريم قاسم.

 بعد انتهاء الفصل الاول من سنتي الاولِی في التدريس، قضيت ليلة 5/6 کانون الثاني من عام 1961 في التوقيف بدون ذنب او سبب! حضر احد رجال الامن الی بيتي مساء 5/1/1961  وطلب مني مصاحبته الی دائرة الامن. قال لي انه يجب ان اُحضر معي بطانية لأن الجو بارد وانني سأقضي الليلة هناك. عملتُ باقتراحه فاحضرت بطانية حملتها معي وذهبت بصحبته. اخذني مباشرة الی قاعة التوقيف فوجدت هناك الکثير من الشباب، اغلبهم من الاصدقاء والمعلمين. کانوا يضحکون ويغنون ويلعبون (الورق). واحضر قسم منهم بعض الفواکه والطعام، خاصة الکباب الذي کانت رائحته تفوح فتفتح الشهية. ثم اُحضِرَ آخرون وآخرون. وکلما کانت تصل وجبة جديدة کان التصفيق والضحك يعلو ويشتد. کان کاظم عرِيبي، الشخصية المرحة، هو الذي تکفل باحضار الکباب من مطعم الحاج صاحي (أبو ناجي). ولأنه کان ذکياً، فقد کان رجال الحرس من الشرطة هم أول من يحصل علی نصيبه من الکباب! وهو فعل ذلك لکي يضمن علاقة جيدة معهم حتی يمکنه ان يحضر ما يحتاجه المعتقلون. کان الجو احتفاليا اکثر من کونه اعتقالا! ويبدو ان رجال الأمن كانت لديهم قوائم  باسماء الاشخاص الذين يجب اعتقالهم ذلك المساء. وفي اليوم التالي اطلق سراح الجميع، بدون کفالة.

وتجدر الاشارة الی الوضع المضحك المبکي الذي وصل اليه الحال. واقصد هنا تلك المهزلة التي أقامتها سلطات الأمن مع شاعر العرب الكبير محمد مهدي الجواهري، حيث آثر الشاعر بعدها الغربة عن الوطن إلى أن وافته المنية في دمشق. وكانت المهزلة عام 1961 حيث نُسبت للشاعر تهمة مُختلقة، أُعـتقل بسببها ثم أطلق سراحه بكفالة قدرها (خمسون فلساً) استخفافاً للأجهزة الأمنية به وسخرية منه. وقد نشرت جميع الصحف المعادية القصة وارفقتها بتعليقات ساخرة. وبطبيعة الحال يتذکر الاخيار من ابناء العراق کيف کان الجواهري قد نصح الزعيم وحذره من العواقب الوخيمة لسياسته ازاء المتآمرين، والتي تقوم علی (الرحمة فوق القانون) و(عفا الله عمَّا سلف).  وليس عندي شك ان تلك السياسة هي التي أدَّت في النهاية الی ان طمع فيه الخاملُ وتطاولَ عليه السافلُ!  قال الجواهري:

 فضيِّق الحبلَ واشددْ من خناقهمُ فربما كان في إرخائه ضررُ
لاقتيد زيدٌ وعمرو باسم زائدة ولاصطلى عامرٌ والمبتغى عُمَرُ
تصوَّرِ الأمر معكوساً وخذْ مثلاً مما يجرونَهُ لو أنهم نُصِروا

 

أصبح هذا الاجراء الغريب في اعتقال المخلصين للثورة ولقائدها تقليدا يتکرر في 6 کانون الثاني و1 أيار و14 تموز، واحيانا في عيدي الفطر والاضحی من کل عام. لم يکن يجري معنا اي تحقيق او نخضع لتعذيب او اي شيء من هذا القبيل. کان رجال الأمن يجمعوننا من البيوت او المقاهي او الشوارع، ونمضي ليلة او ليلتين في التوقيف ثم يُطلق سراحنا بمثل السهولة التي نـُعتقل فيها. ومن الأخوة الذين کان يجري اعتقالهم بانتظام، اتذکر کُـلاًّ من عبد الله ناصر وکاظم جواد العجمي ومهدي العودة وعزران البدري ورزاق الحلاق وسعدي النجار وسليم داود ونوري أبو شوارب ورزاق النجار وفؤاد مگطوف ومحمد عوض السعيدي وعدنان احمد الحلاق وخضر القيسي وصاحب حسن (ابو سلام) وعمران الملا عمران ومنعم القيسي ورزاق خطار وعلي سمير البدري وحسين السيد فليح وعباس خطار وعاجل کريم والسيد رزاق الاحمر ونعيم عيال وکاظم طارش وناهض فليح وشهاب احمد اکرم وعطا الخياط وشريف نعاس وحامد عزيز وحميد مجيد رشيد وکتاب سعدون ونعمان السيد محمد وجواد کاظم السنجري وعباس هليل (گنيگن) وجميل گنو وغانم خليل وعدنان السيد نور وذياب عبد الله وعبد الله محمد عرب وحسن الفخري وسلمان مزعل وخليل ابراهيم الناصري وطالب النداف وناجي صاحي الکببچي وداود سلمان يوسف وشاکر عبيد ورزاق القيسي وباقر الحداد وکاظم شناوة ونعيم فعيل وماجد شناوة وحميد عيال وصباح الدليمي وصالح هادي الحلاق وبهجة الدليمي وحميد غني وسمير يوسف الصيدلي وعبد الرحمن مجيد الربيعي وخالد غني وحامد سمير البدري ومطشر عداي ومزهر حسن وعزيز السيد مهلهل وصاحب مخزن الشبيبة، قد يکون اسمه طالب عبد الحسين. ومن المؤکد انه يوجد غياری آخرون لا تحضرني أسماؤهم.

انتهت سنتي الاولی في التدريس في شهر مايس عام 1961. وفي شهر تموز اشتريت جهازاً لتسجيل الصوت. وکما هو متوقع، بدأت تسجيل الاغاني المفضلة، ومنها بالطبع اغاني ام کلثوم. وفي احد الامسيات في نهاية ذلك الشهر حضر الی بيتي الاصدقاء ماجد الجنابي وکتاب سعدون وعبد الحسين چولان والمرحوم جواد الخياط والمرحوم السيد حميد اليعقوبي وعبد الواحد جبر. قضينا شطرا طويلا من المساء نأکل ونشرب ونتحدث ونضحك ونستمع للاغاني. وعندما غادرنا البيت حوالي منتصف الليل، مرَّ اثنان من رجال الأمن علی دراجتيهما الهوائية، وکان احدهما العريف (عتيوي). توقفا فسأل عتيوي ماذا کنا نفعل فاجبناه اننا کنا في بيتي نستمع لاغاني ام کلثوم. کان عتيوي قريبا لعبد الواحد جبر، فالاثنان ابناء عم من عشيرة الحسينات. قال عتيوي لعبد الواحد (إنتَ روح لبيتك!) وطلب منا ان نرافقه الی دائرة الامن.

فعلنا کما طلب وذهبنا بصحبته فبدأ يمشي امامنا والشرطي الآخر يمشي خلفنا، وهو منظر استرعی انتباه الناس الذي کانوا مازالوا يجلسون في المقاهی المجاورة للسراي، وهي مقاهي شنين وحبيب وسعدون وتامول. اسرع ابو کتاب الذي کان يملك معملا للخبز في نفس المنطقة يستفسر عن الامر فطمأنه ولده کتاب ألا شيء يستدعي القلق. وعند وصولنا الی دائرة الامن تجمع ناس آخرون لا اعرفهم، وبدأ البعض منهم يتهامس، فيما ذهب آخرون وعادوا بسرعة. کانت هناك حرکة غريبة. حضرعدد من الزبانية الذين يجوبون الشوارع لأهانة الناس، واسمعونا فاحش الکلام. بعد قليل حضر عبد الکريم خضير والسيد مجيد اليعقوبي. وبعد ان تکلما مع معاون الامن اُطلق سراح السيد حميد اليعقوبي وماجد الجنابي، وامضينا انا وکتاب سعدون وعبد الحسين چولان والمرحوم جواد الخياط ما تبقی من الليل ممددين علی بطانيات، احضرها رعد، وهو اخ کتاب، من البيت.

وحوالي ظهر اليوم التالي اُطلِقَ سراحُنا بکفالة لعدم توفر الادلة بعد ان اجروا لنا (طبعاً للاصابع). کانت التهمة هو التجمع للاستماع الی خطاب خروچيف الذي کان في کوبا في تلك الايام في زيارة رسمية، وکذلك الاستماع الی خطاب کاسترو في تلك المناسبة! وطبعا لا احد منا يعرف اللغة الروسية او الاسپانية. وحتی لغتنا الانگليزية لم تکن بالمستوی المطلوب لأن نفهم حتی ترجمة للخطابين. لکن هذا لا يهُم!

لقد فکرتُ منذ غادرت العراق قبل ثلاثين عاما تقريبا بمثل هذه القضايا، لکنني کنت اتحايل علی ذاکرتي لتدفع تلك الصور الی زاوية بعيدة في الذهن والوعي. وعندما اجلس هذه الايام وانا ادون ذکرياتي عن الاشخاص والاحداث في المدينة الحبيبة تقفز هذه الحکايات والصور الی الامام وتتزاحم امام ناظريَّ وتتسابق، وکأنها تـُملي عليَّ ما اقول. وعندما اتذکر ما کان يجري سابقا من التهم التي کانت تـُکال للناس بدون حسيب او رقيب، فلا بد من التساؤل کيف يمکن لرجل الامن الذي دوَّن تلك التهم والحاکم الذي وقـَّع للتصديق علی اوراق قضيتي مثلا، ان يُقنع نفسه بها. ولکم تساءلت عن ذنب الناس الذين يُعدون بالآلاف من الذين فقدوا حياتهم او امضوا السنوات الطوال من اعمارهم في السجون والمعتقلات واُذلوا أو اُجبروا علی توقيع اعترافات عن نشاطات لا نصيب من الصحة لها ولا وجود. هناك عبارة في اللغة الانگليزية تتألف من کلمتين هما:

mental rape

لا اجد لهذه العبارة ترجمة دقيقة في اللغة العربية. لربما الأقرب هو "اغتصاب فکري او ذهني"، أو شيء من هذا القبيل. وهي في تصوري حقيقة انه عندما يُجبرالانسان تحت ضغط الارهاب أو التعذيب أو التهديد علی الاعتراف بشيء، لا يهم ان کان حقا أو اختلاقاً، فأن زمن عذرية ذلك الشخص قد ولی الی الابد.