الحلقة السادسة
بين الحزب والقبيلة
د. محمد الازرقي
mjiyad@hotmail.com
لم تزعجني الاتهامات التي کتبها عني رجل الأمن في الملف الجديد الذي حمل اسمي عصر ذلك اليوم من خريف عام 1960. لم تستوقفني الکلمات التي دونها الرجل بخط رديء، ولم يدر بخلدي انها ستغير حياتي، وحياة افراد عائلتي، لاسيما أخويَّ أحمد وعدنان وکذلك اخواتي، اذ يتفرق الآن اربعة منَّا علی ثلاث قارات من قارات العالم. في الحقيقة، شعرت بکثير من الفخر والاعتزاز، وکما بشيء من "الأهمية" لأن مديرية الأمن استدعتني للشكِّ باني شيوعي،. لکن امراً من هذا القبيل لم يوهن او يزيد من رغبتي او حماسي للانتظام في صفوف الحزب. لم افکر في ذلك اطلاقاً، قبل رحلتي القصيرة الی دائرة الامن أو حتی بعدها. اعتقد ان مردَّ ذلك هو انني لا اميل لأن اقيِّد نفسي، ولا احب ان افقد اختياري لاختلف او اناقض الرأي الآخر، اذا ما وجدت ذلك ضرورياً. علما بانه کان عندي تحفظـَّات علی بعض تصرفات الافراد الذين کانوا شيوعيين فعلا، او حُسبوا علی الحزب. ومن حسن حظي انه لم يفاتحني أحد في الأنضمام الی الحزب أو حتی واجهاته من المنظمات مثل المقاومة الشعبية او الشبيبة الديمقراطية او اتحاد الطلبة العام.
لقد آلمني، کما اسلفت، ان اری زملائي في المدرسة، مثل معاذ عبد الرحيم وذياب طاهر النغيمش وجبار زغير وفيصل سبتي، يُضربون ويُهانون. لم يعجبني ان اری استاذي سليم ذياب يُجر من ربطة عنقه في الشارع ويُصفع علی وجهه ويُبصق عليه. أرعبني ان حاول البعض ان "يسحل" زميلا آخر لي في الدراسة هو عدنان عبد الجبار الجبوري. وتألمت ان اری ابناء مدينتي مثل رشيد جبار وتحسين السوز،وغيرهم لا تحضرني اسماؤهم، وقد استبد بهم الفزع وهم يُدفعون وسط الجموع الغاضبة. ولاشك عندي ان البعض من المواطنين الابرياء في کل انحاء العراق ممن اُرعبوا بشكل او آخر، لم يعرفوا سبب ذلك. وهناك آخرون فقدوا حياتهم سواءً في کرکوك والحلة والبصرة، او امام محکمة عدنان القصاب الصورية في عين الدملماجة في الموصل. هذه حقائق وقعت ونفذها مسؤولون اعتقدوا للحظة انهم فوق سلطة القانون، وخلقوا جوَّاً ألحق بالشيوعيين واليسار وکل التقدميين ضررا بالغ الخطورة.ً
واذا استثنينا المحاولة ضد عدنان عبد الجبار الجبوري، فلحسن الحظ ان المدينة قد حافظت علی هدوئها بشکل عام، وان التجاوزات اقتصرت عل الأهانة اللفظية والضرب والصفع. وهذه رغم بشاعتها لا تقارَن بجرائم القتل والسحل. وفي اعتقادي ان وشائج القربی والزمالة والصداقة والجيرة قد لعبت دورها في اقتصار التجاوزات علی الحد الأدنی. وفي اعتقادي أن جريمة الاغتيال السياسي الأولی في المدينة، وهي جريمة اغتيال الشهيد السيد وليد عام 1963، قد تمت علی يد غرباء من خارجها، وهم غازي سيف وعباس حمادي باشراف نعيم حداد، کما اشيع حينها.
ومن المفيد الاشارة هنا الی أنه جرت محاولة لتأسيس فرقة للمقاومة الشعبية بعد تمرد الشواف، وتولی قيادتها زميل اعرفه جيدا (للأسف جنـَّد نفسه بعد شباط الأسود لخدمة البعثيين!) لا ادري ان کانت هذه المحاولة فردية او بتوجيه حزبي. ضمت الفرقة عددا من طلاب المرحلة الثانوية، وعددا من العمال ، خاصة عمال البلدية. واتخذت مرکزاً لها في مقر اتحاد الطلبة العام الذي شغل آنذاك بناية المکتبة العامة القديمة المجاورة لنادي الضباط والمطلة علی شارع النهر. لا اعتقد انه جری اي نوع من التدريب العسكري لاعضاء الفرقة. وکانوا يلبسون ملابس الکشافة، بدون منديل الرقبة الملون عادة. لم اشاهد احدا منهم يحمل سلاحا، وکانوا يقومون بخفارات في بعض المناطق الحساسة مثل مداخل المدينة عند الجسر وباب الشطرة ومحطة القطار ومحطة الکهرباء وغيرها. قاموا باستعراض في المدينة مرة او مرتين لکن العدد لم يکن مثيراً للأنتباه. وکانوا يقيمون نقاطا لفحص الهويات. لا ادري بالضبط ماذا کانت مهامهم، الا اني شخصياً کنت اعتبرها تقييدا لا ضرورة له علی حرية الناس. کما کلفوا انفسهم بمهمة اخری، وهي الاشراف علی بيع الخبز في المخابز عند وقت الصباح. لم افهم ضرورة وجود عضو من المقاومة الشعبية حتی يتم بيع الخبز! هذه القضية بالذات اصبحت موضوع شکوی، وقد استغلها البعض لاهدافهم السياسية. روی لي المرحوم السيد باقر الظاهر عن تأخر بيع الخبز في منطقة السيف لأن الشخص المکلف قد تأخر في نومه. والشخص المقصود هو مرابٍ من طائفة الصابئة، الأمر الذي جعل السيد باقر يتذمَّر ويشکو الی الله! قد يکون السيد باقر قد بالغ في الموضوع، لکن القضية من ناحية اخری، تدلُّ علی قصر نظر المسؤولين عن المنظمة واندفاعهم وعدم التزامهم بالتقاليد مما سبب التذمر، لأسباب معروفة.
کما حدثت قضية اخری، وهي عندما اخذوا عددا من طالبات المدرسة الثانوية الی مفرق أور لکي يقابلن مع وفد المقاومة الشعبية الوزيرة نزيهة الدليمي التي کانت تستقل القطار في رحلة لها الی مدينة البصرة. وعادت البنات بعد منتصف الليل بساعات، الأمر الذي ازعج البعض منهن وازعج اسرهن. وبعد ايام قليلة من تلك الحادثة، اختفی تنظيم المقاومة الشعبية فجأة، وبنفس الطريقة التي ظهر فيها. تصرفات من هذا القبيل وغيرها کانت السبب في تحفظاتي وجعلتني أقف علی مسافة منهم.
وحتی عندما کانت مطبوعات الحزب الشيوعي الرئيسية، مجلة (الثقافة الجديدة) وصحيفة (طريق الشعب) تنشرُ مقالاتي ودراساتي في مطلع السبعينات ولحين مغادرتي العراق عام 1976، فان الرغبة في الانضمام لم تکن واردة اطلاقا. ولعل صديقي المرحوم شمران الياسري (ابو گاطع) کان قريبا من الحقيقة عندما وصفني "بانني متمرد خارج الصفوف". وهو الذي قال انها ربما تكون "روح القبيلة". کنت قد تعرفت علی شمران الياسري عام 1972 عن طريق الدکتور غانم حمدون مرعي، الذي کنت اعمل معه في مرکز البحوث التربوية والنفسية بجامعة بغداد، وذلك بعد حصولي علی الماجستير. واثناء عملي هناك حصلت علی زمالة لدراسة الدکتوراه من المنظمة العالمية للعلوم والتربية والثقافة، التابعة للامم المتحدة. وکان ذلك عن طريق توصية خبير تربوي في المركز کنت باحثا مساعدا له، واسمه هرمن فرناندز. لکن المجلس التربوي الأعلی لسلطة البعث برئاسة الياس فرح رفض ترشيحي لأنني لست عضوا في حزب البعث. ولم تـُفلح جهود مکتب الامم المتحدة في بغداد وپاريس لتأمين الحصول علی الموافقة المطلوبة من المجلس المذکور، فألغِيَت الزمالة في النهاية.
لا ادري بالضبط الموقع الذي کان يحتله الدکتور غانم حمدون في الحزب الشيوعي، الا انني اعرف انه رشحني للحصول علی زمالة لدراسة الدکتوراه في ألمانيا الديمقراطية. وقد سهَّل لي مقابلة الدکتور مکرم الطالباني، وزير الري آنذاك. لکن المقابلة لم تسفر عن شيء، اذ ان الزمالة مُنحت لشخص کردي لقبه (السندي)، من حزب البارزاني! وهکذا تبلور قراري تدريجياًً لمغادرة العراق. لكنني لم افصح به لأحد سوی أخي احمد وصديقي شمران الياسري. التقيت بشمران لآخر مرَّة في نادي الاعلام في شارع ابو نؤاس، ولم اکن اعلم ان هذه المقابلة ستکون الاخيرة، اذ غادر بعدي العراق. لکن الموت اختطفه بسرعة وخلال العام الاول من وجوده في المنفی. وکان ذلك في حادث سيارة خارج مدينة صوفيا، عاصمية بلغاريا. الذي دعاني الی سرد ذلك هوتعليق المرحوم شمران عن "روح القبيلة".
وعن موضوع القبيلة، لابد من القول اولا انه يحزنني جدا ما وصل اليه حال الوضع السياسي في العراق، اذ اری کغيري من المراقبين خطط المحتلَ الغاشمَ وهو يلعب بکل وضوح لعبة التفرقة. وها هو الشعب العراقي الآن ينقسم الی فئات وجماعات تقوم علی الطائفية والعرقية العنصرية والعشائرية. ومن المؤلم حقا ان الناس في اول انتخابات تجري بعد سقوط الدکتاتور البغيض وجدوا انفسهم لا يصوتون لاحزاب وبرامج قد وضعت نصب عينها مصلحة الوطن. انما هم يصوتون لقوائم لا يعرفون حتی اسماء مرشحيها. فالاکراد يريدون الانفصال والشيعة يريدون السيطرة الکاملة، والسنة يقاطعون الانتخابات لانهم يعرفون ان احتکارهم للسلطة قد انتهی للأبد، وعملاء امبراطورية الاکاذيب من اعضاء المخابرات الامريکية، واللصوص يسعون ويحلمون بجمع ثروات طائلة في ظل الاحتلال والفوضی وغياب اية سلطة حقيقية تحکم باسم الشعب. وما زال يفزعني الواقع الجديد للعمليات الارهابية والتخريبية، التي تصاعدت في الايام الاخيرة. وهو ما انعكس في وقوع المزيد من التفجيرات، والسيارات المفخخة، والاغتيالات والاختطافات التي رافقتها حملة دعائية واعلامية وتصاعد النبرة الطائفية في تصريحات واحاديث بعض الشخصيات. ومخاطر ذلك جسيمة على العملية السياسية بما يؤدي الى تاجج الفتنة الطائفية في البلاد.
لابد من الأشارة الی انني اری ان الحرب العدوانية على العراق تتجاوزأهدافها المعلنة في تدمير القوة العسكرية للبلد، والحفاظ على أمن إسرائيل والسيطرة على نفط العراق. بل هي تضمن إستراتيجية أوسع ترمي إلى السيطرة على نفط العالم. بمعنِی ان جدول أعمال الإدارة الأميركية الحالية المعلن وغير المعلن أوسع من ذلك بكثير. إذ يشمل إقامة نظام ديمقراطي (کذا) في العراق يكون حسب تعبير المسؤولين في هذه الإدارة نموذجا تعيد أميركا على أساسه رسم خريطة الشرق الأوسط حسب جدولها المعلن. في حين أن جدول أعمالها غير المعلن هو السيطرة على العراق كموقع إستراتيجي وإقامة قواعد عسكرية فيه، وكذلك السيطرة على نفط العراق، حيث تستكمل بذلك سيطرتها على نفط الخليج العربي كله. بالإضافة إلى ذلك يعني سيطرتها بشكل أو بآخر على مناطق إنتاج النفط في وسط آسيا وأفريقيا ليكون النفط ورقة تتحكم بها في علاقاتها مع أوروپا والصين واليابان. وهذه مناطق تعتمد اعتمادا كليا على النفط المستورد.
وعلى غرار أسطورة الملك ميداس الذي أصبح كل شيء يلمسه يتحول إلى ذهب، ولم يدرك إلا متأخرا أن هذه لعنة من الآلهة وليست هبة، أصبح العراق يتحول بين يدي الإمبراطور الأميركي الجديد إلى معضلة. بل يتحول إلى محنة، إلى جحر للثعابين. فتحول من انتصار سريع إلى ورطة كبرى، إلى مستنقع تجد الولايات المتحدة نفسها غارقة فيه. وقبلها تحول الاقتصاد الأميركي نفسه من باب الفائض في ميزانيتها وازدهارها الاقتصادي إلى باب العجز والضائقة، حيث يتوقع أن يتجاوز العجز في الميزانية الأمريكية نحو 600 مليار دولار. كما يُتوقع أن يستمر الانخفاض الشديد في سعر الدولار في الأسواق العالمية مقابل العملات الرئيسية مثل اليورو والين.
فماذا يعد ابناء جهنم للعراق؟ خلال فترة السيء الصيت الاول طـُرح اقتراح بتقسيم العراق الی ولايات، ولکن هذا الاقتراح أثار تساؤلات بشأن الفصل العرقي والطائفي. وکان رد الفعل فاتراً لأن الزعماء العرب لا يرغبون في منح الاکراد، الذين تمتعوا بقدر کبير من الحکم الذاتي لمدة اکثر من عشر سنوات، اکبر مما يتمتعون به بالفعل. وتُرك توزيع ثروة النفط في البلاد معلقا. ومن المعروف ان العراق يملك ثالث احتياط نفطي في العالم، ويترکز الانتاج في اقصی الجنوب وحول مدينة کرکوك التي يطالب کلٌّ من الاکراد والعرب والترکمان بالسيطرة عليها.
أجد من المناسب هنا ان اشير الی تقرير جديد صدر حديثا بعنوان "تقاسم السلطة في العراق". وهذا التقرير وضعه ديفد فيلپس (ديفد آخر!) الباحث في المجلس الامريکي للعلاقات الخارجية، وهو مرکز بحث يقولون عنه إنه مستقل. يقول فيلپس إن تقسيم العراق يجب ان يقوم علی اساس جغرافي، لا عرقي، وان بغداد لا بد ان تکون من بين تلك الولايات. ثم يضيف ان الانتخابات العراقية في 30 کانون الثاني من هذا العام، کانت حداً فاصلا في تاريخ البلاد. "ولکن الديمقراطية تتعلق بما هو اکثر من مجرد الانتخابات". بمعنی انها تتعلق بتوزيع السلطة الاساسية عبر المؤسسات والقوانين التي تضمن الحکم القابل للمحاسبة. وبرأيه فانه في العراق الجديد لا بد ان تسيطر الولايات العراقية الاتحادية علی کل الشؤون غير المنوطة صراحة بالحکومة الاتحادية. ويقترح فيلپس تشکيل ولايتين او ثلاثا من تسع محافظات في جنوب ووسط العراق، حيث يترکز الشيعة. وتشکيل ولاية اخری من اربع محافظات في وسط وغرب العراق، والتي يغلب عليها السنة. کما تـُشکل ولاية اخری من المحافظات التي في شمال شرق العراق، والتي تسکنها اغلبية کردية، هذا الی جانب ولاية مستقلة في بغداد. وباستثناء ولاية بغداد فان التقسيم في واقعه عرقي وطائفي، مثل الذي سبقه.
ويقترح فيلپس ان تحتفظ الحکومة بجزء من عائدات النفط لعملياتها ويوصي بتحقيق التوازن بين الولايات الاتحادية علی اساس السکان. کما يقول ان الحکومة الوطنية لا بد ان تتولی مسؤولية الشؤون الخارجية والتجارة الخارجية والرقابة علی الحدود والجمارك والضرائب والسياسة النقدية واصدار العملة وتنمية البنية الاساسية والقوات المسلحة. ولعل الشيء الايجابي هو اشارته الی جملة القرارات الصعبة التي لابد ان تتخذها الاطراف التي تريد ان تساهم في بناء العراق الجديد. إذ يتعين علی العرب الشيعة ان يتخلوا عن مطالبهم بجعل الشريعة مصدر التشريع القانوي الوحيد في العراق. ولا بُد ان يقبل العرب السنة بأن التحکم واحتکار السلطة في المؤسسات العراقية لم يَعُد محصورا بايديهم ومقصورا عليهم فقط. کما ينصح الاکراد بان يتخلوا عن حلم الاستقلال والسيطرة دون غيرهم علی کرکوك. وفي رأيه، لا بُدَّ ان يدرك الترکمان والکلدانيون والآشوريون انهم يعيشون في ولايات عراقية اتحادية، يمثل فيها العرب والاکراد الغالبية.
وعندما اُعلِن عن خطة اقامة الانتخابات في العراق، کان من الطبيعي ان اجد في برنامج قائمة (طريق الشعب) انعکاسا لما اريد ان يتحقق في وطني، لکل ابنائه وبناته. فانا قطعا منحاز الی برنامج لا يقوم علی الطائفية الدينية ولا علی العرقية المتعصبة، يتبنی العدالة للجميع ويبرزاهتماما خاصا بالفقراء ويعمل لتحسين مستوياتهم الاقتصادية والصحية والتعليمية. افضِّل برنامجاً يدعو لضمان العمل للقادرين منهم عليه، ويسعی للنهوض بالمرأة لتسترد مکانتها وتؤدي مسؤليتها کأم ومواطنة، وکذلك حمايتها من التعسف، وتأمين حقوقها التي کفلها لها الدين والمجتمع، والغاء القوانين التي تنتقص من کرامتها وتتناقض مع انسانيتها. کما انني من المتحمسين لتعليم تربوي يقوم علی الابداع ويشجع علی التفکير الناقد الحر، يُرسِّخ فکرة الاحترام التام لحقوق الانسان والمواطن. ولا شكَّ انني اقف الی جانب الحزب الذي يشجِّع الفن والادب والمسرح ...الخ. هذه کلها، في رأيي، اهداف نبيلة قابلة للتحقيق اذا ما اُحسنَ استثمارُ خيراتِ البلد وطاقاتِه الطبيعيةِ والبشريةِ. ولکن للأسف تراجعت السفارة العراقية عن خطتها بارسال استمارات الانتخاب عن طريق البريد، واشترطت حضور الناخبين الی العاصمة واشنطن للأدلاء بأصواتهم، مما حرمني فرصة التصويت.
لا ادري ان تکون فعلا "روح القبيلة" التي اشار اليها الصديق شمران الياسري هي التي تبنت روح التغيير وانفتحت علی الثورية ورفدت صفوفها بکل من حمل اسم (الأزرقي). واود ان اذکر القراء انني لا ادعي ان اکون خبيراً في شؤون القبائل، لکني اعرف بالتأکيد تاريخ واحدة منها بشکل تفصيلي. وليس الهدف من السرد هنا هو تبني النزعة القبيلة او الاقرار بها، بل انه استعراض لحقائق تاريخية فقط تتعلق باحدی القبائل المحيطة بمدينتنا. تقع مناطق قبيلة آل ازيرج الی الشرق من المدينة، وتقع الی شرقها اراضي قبيلتي الحصونه وآل نصر الله. والی الجنوب من المدينة تمتد المناطق التي تسکنها عشيرة آل جويبر. اما غرب المدينة وعلی الجانب الآخر من نهر الفرات فتقع مناطق عشيرة الحسينات، وکلما ابتعدت غربا نحو المناطق الصحراوية، تبدأ الارجاء التي تحتلها قبائل المنتفگ. والی الشمال من ذلك تمتد مناطق آل غزي حتی مشارف منطقة الشريف.
تقول کتب التاريخ ان قبيلة بني ازرق او (الأزارقة) کانت تسکن الحجاز ومنطقة مکة في العصر الجاهلي. ولسبب ما بدأت القبيلة تنزح تدريجيا الی الشمال الشرقي من الجزيرة العربية. وعندما ظهر الاسلام ودخلوا فيه کوَّنوا، بحکم مناطق تواجدهم، نواة الجيش العربي المسلم الذي فتح العراق وقضی علی الحکم الفارسي في زمن الخلافة الراشدية. وبعد الفتح استقر المقاتلون في مناطق الغراف لما يقع بين الناصرية والسويج في خارطة العراق الحديث، کما استقر قسم آخر في مناطق العمارة وکذلك في المناطق المحاذية لاهوار الجنوب العراقي وعلی الجانب الشرقي من شط العرب، وسُمُّوا (آل ازيرج).
وانصافا للتاريخ لابد من تبيان الفرق بين سلوك اولئك المحاربين، وما يقوم به علوج او بالأحری (عجول) جيوش الاحتلال في عراقنا الحبيب هذه الايام. يروي أبو محمد بن قتيبة الدينوري المتوفي سنة 276 هـ نقلا عن القاسم بن الحسن عن الحسن بن الربيع عن ابن المبارك عن حيوة بن شريح، فيقول: عندما بعث الخليفة الراشدي امراء الجيوش الی العراق أوصاهم بتقوی الله العظيم، ثم قال عند عقد الالوية: بسم الله وعلی عون الله وامضوا بتأييد الله بالنصر وبلزوم الحق والصبر. فقاتلوا في سبيل الله من کفر بالله ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. لا تجبُنوا عند اللقاء ولا تـُمثـِّـلوا عند القدرة ولا تُسرفوا عند الظهور ولا تقتلوا هَرِماً ولا امرأةً ولا وليداً. وتوقـُّوا قتلهم إذا التقی الزحفان وعند حُمَّةِ النهضات (بمعنی شدة المعارك) وفي شدِّ الغارات. ولا تغـُلـُّوا (بمعنی تعيقوا) عند الغنائم ونزِّهوا الجهاد عن عرض الدنيا وابشروا بالرَّباح في البيع الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم.
تمرد بنو ازرق علی سلطة الامام علي بعد ان قبل بالتحکيم، عندما رفع جيش معاوية بن ابي سفيان القرآن. ثمَّ قاتلوه تحت قيادة عبد الله بن وهب الراسبي في وقعة النهروان، وهي کورة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي. وسُمُّوا ظلما (الخوارج) بعد ان انضم الی صفوفهم الشباب من القبائل العربية ومنها بنو شيبان وبنو ربيعة وبنو وائل وبنو مازن وبنو تميم وبنو طي. وعندما اُغتيل الأمام علي جمعوا صفوفهم في منطقة تسمی الحرورية للدفاع عن الکوفة فکانت وقعة النخيلة، وهي موقع بقربها علی طريق الشام وبه قاتلت الخوارج، لمَّا ورد معاوية علی الکوفة. نکـَّل بهم الحجاج وغيره من ولاة البغي زمن الخلافة الاموية ابشع تنکيل، کما حدث في وقعة السبخة في البصرة عندما تشدد ابن زياد في طلبهم. وقاتلت کتيبة منهم بقيادة حُجيَّة ُ بن أوس للدفاع عن مکة مع عبد الله بن الزبير، رغم خلافهم معه، وذلك عندما حاصرها الحجاج وضرب کعبتها بالمنجنيق. وکانت وقعة سلبری، في موقع قريب من جبل بمناذر من اعمال الاهواز، من اشد الوقائع بين الخوارج والمهلب بن ابي صفرة وقـُتل فيها عبيد الله بن الماجوز، امير الخوارج. استولی الخوارج علی المدائن وکان حاکمها للأمويين کردم بن مزيد الفرازي. لکنهم هُزموا في جيرفت من ارض الموصل عندما خرج بهم صالح بن المسَّرح فقاتله الحارث بن عُميرة وقـُتل سنة 76هـ، کما يقول الطبري.
ويقول الجاحظ ان يحيی بن المختار بن عوف هو الذي هزم اهل المدينة في موقعة قـُديد سنة 130 هـ واستطاع ان يدخل مکة والمدينة. وکانت نهايته في السنة نفسها علی يد القائد الاموي عبد الملك بن محمد بوادي القری. وکان الخيبري هو احد قواد سعيد بن بهدل الشيباني. وهو الذي هزم الخليفة الاموي مروان بن محمد في آخر المعارك قبيل تولي العباسيين مقاليد الحکم.
لکن الحکام الجدد في بغداد سرعان ما تنکروا للخوارج، ونسوا مساندتهم المبدأية لهم، ودورهم الاساسي في انهاك سلطة الامويين عسکرياً. فبدأت حروب الخوارج تشتد مع العباسيين. فقاتلوهم في وقعة قومس، وهي کورة کبيرة في ذيل جبال طبرستان من بلاد فارس. کما حدثت وقعة الخابور في منطقة الجزيرة شمال شرقي الشام والتقوا ثالثة في وقعة نصيبين. ويذکر ابن خلکان ان الوليد بن طريف الشيباني وهو رأس الخوارج تمرد علی سلطة الرشيد فارسل اليه جيشا عليه يزيد ابن مزيد فهزمه وقتله. وکان للخوارج جولة اخری مع العباسيين في زمن المعتصم. وذکر ان تميم بن جميل السدوسي حين جيء به ليقتل في حضرة الخليفة العباسي المعتصم، انشد، وهو ثابت الجنان، مذکراً إيَّاه بثائرٍ آخر من رفاقه:
أری الموت بين السيف والنطع کامناً يلاحظني من حيثُ ما أتلفتُ
يعزُّ علی الأوس بنِ ثعلب موقفٌ يُسَلُّ عليَّه السيفُ فيهِ ويسکُتُ
واستمر تمرد الخوارج يرفد الحرکات الثورية خلال حکم بني العباس. وتشير کتب التاريخ ان الازارقة تشيعوا في زمن الخليفة الناصرالذي اظهر تشيعه وهو في الحکم.
يشير شهاب الدين محمد بن احمد الابشيهي المتوفي عام 850هـ الی انه کان في الخوارج فوارس مشهورة لا تثبتُ لهم رجال، وذکرهم يطول. فمنهم أبو بلال مرداس بن حُدير أحد الخطباء الابطال، وهو الذي خرج في اربعين رجلا فهزم الفين. سجنه عبيد الله بن زياد في الکوفة، ونجا من السجن وجمع من قاتل الجيش الاموي. فنشب قتال في يوم الجمعة وتوادع الفريقان الی ما بعد صلاة الجمعة. وبعد ان شرع ابو بلال مرداس وجماعته بصلاتهم، احاط بيهم الجيش الاموي فقتلوهم عن آخرهم، وحملوا رأس مرداس الی ابن زياد في البصرة سنة 61 هـ. وتمرد شبيب الخارجي في الموصل فبعث اليه الحجاج خمس حملات قتل فيها شبيب القواد الامويين وهزم جيوشهم. وکان احد القواد موسی بن طلحة بن عبيد الله. ثم خرج شبيب من الموصل يريد الکوفة وخرج الحجاج من البصرة يريد الکوفة، فأقحم الحجاج خيله فدخل الکوفة قبلهُ. وکانت امرأة شبيب، غزالة، قد نذرت أن تُصلي في جامع الکوفة رکعتين تقرأ في الاولی البقرة وفي الثانية آل عمران. فعبر شبيب بها جسر الفرات وأدخلها الجامع، ووقف علی بابه يحميها حتی وفت بنذرها. وکان ذلك والحجاج في الکوفة في خمسين ألفاً. ثم خرج من الکوفة يريد الاهواز فغرق في الفرات وهو يردد آية من سورة الانعام (ذلك تقدير العزيز العليم). ومن الفرسان ايضاً کان قطري بن الفجاءة الذي ترأس الخوارج وخاطبوه بأمير المؤمنين وعظموه وبجلوه. واشعاره في الشجاعة تدل علی مکانه منها، وقتل في بعض وقائع الخوارج.
وعن شجاعتهم ومروءتهم يذکر ابن الاعثم معرکة عزمت الأزارقة فيها علی ان تبيت المهلب بن ابي صفرة في عسکره، فزحفوا حتی اشرفوا علی باب نيسابور يتقدمهم عبادة ُ بن هلال بن بکر وائل، وکان شاعرا ورئيسا وخطيبا، في رواية الجاحظ. فقال عبادة لرجاله: أيقظوا القوم لکيلا يقولوا أتيناهم وهمُ نيام!
افرز الخوارج شعراءَ فحولا منهم الطرمَّاح بن حکيم و قطري بن الفجاءة وابن ابي ميَّاس المرادي وابو الحديد العبدي وابو خالد القناني وابو الوازع الراسبي والأشِل الازرقي وابن الحارث الراسبي وايوب بن خولي. کما کان منهم بکير بن هارون وبيهس بن صُهيب بن عوف الازدي والحارث بن کعب الخيبري الشيباني والرهين المرادي وشبيب الاشجعي وعيسی بن فاتك والضَّحاك بن قيس. ويقول الجاحظ عن الأخير انه احد بني عمرو بن محلم بن ذهل بن شيبان ويُکنی أبا سعيد. وقد ملك العراق وصلی خلفه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وسليمان بن هشام بن عبد الملك.
کما خرج بين صفوف الخوارج نسوة باسلات شديدات العزم. وکان منهن شاعرات مجيدات مثل الفارعة بنت طريف وام البرذون الصفرية وام حکيم وام عمران واخت حاذق الخارجي، والجديعاء امرأة ابي حمزة المختار. ويذکر الأبشيهي روايتين عنهن إذ قال في الاولی: أتی الحجاج بامرأة من الخوارج، فقال لأصحابه: ما تقولون فيها؟ قالوا: عاجلها بالقتل أيُّها الأمير. فقالت الخارجية: لقد کان وزراءُ صاحبك خيراً من وزرائك يا حجاج. قال: ومن هو صاحبي؟ قالت: فرعون، استشارهم في موسی عليه السلام فقالوا : أرجه وأخاه! واُتي باُخری من الخوارج، فجعل يکلـِّمها وهي لا تنظر اليهِ، فقيلَ لها: ألأميرَ يُکلـِّمُك، وأنت لا تنظرينَ إليهِ، فقالت: إني لأستحي أن انظر إلی مَن لا ينظرُ الله اليهِ!
وفي العصر الحديث وقف بنو ازرق کغيرهم من عشائر الجنوب العراقي ووسطه، وسجلوا ملاحم للبطولة في مقاومة الاحتلال البريطاني خلال الحرب العالمية الأولی. لقد ناوشوا باستمرار قطعاته المتقدمة واعترضوا طريقها نحو بغداد فاوقعوا فيها الخسائر، رغم تفوق تلك القوات عليهم في العدة والتدريب. وکان الجد المرحوم عليوي آل مطشر (ابو زياد)، وهو عمٌّ لوالدي، قد ساهم شخصياً في تلك المقاومة الوطنية الباسلة. وفي احد المرَّات وقع في الاسر، ولکنه افلت منه بسرعة بفضل فرسه العربية الاصيلة (سعدة)، التي انطلقت به وهي تسابق الريح رغم زخات الرصاص التي صوبها نحوه القتلة الانگليز. وتـُقسِم الجدة (ام هادي) ان ما حماه فعلا في ذلك الوقت هو (الفصّ السليماني) في خاتم يده اليمنی! اما اخوه الاکبر، وهو جدي لوالدي فلم يحالفه الحظ کأخيه، فقد قتل في احد المواجهات وداس الانگليز علی جثمانه بحوافر خيولهم! کان عُمرُ والدي حين تيتـَّم 6 سنوات فقط.