تأريخ الناصرية
شيوعي بالرغم مني!
الحلقة الخامسة
الدکتور محمد الازرقي
mjiyad@hotmail.com
حمل صيف عام 1960 لي الکثير من الفرح والخسارة. فهو الصيف الذي تخرجتُ فيه من دار المعلمين الابتدائية بتقدير امتياز، اذ کنت علی رأس قائمة متخرجي الدورة الثانية. بالمناسبة، احتل عزيز السيد جاسم نفس المرتبة علی دورته، وهي الدورة الأولی، في العام السابق. وهو الصيف الذي انتقلت فيه الوالدة الی رحمة الله، بعد فترة مرض قصيرة. ورغم انها کانت علی فراش المرض، فانها استقبلتني بالهلاهل، وانا احمل شهادة التخرج. واذکر جيدا عينيها المُمتلئين بدموع الفرح وهي "تنعی":
محمد، جبت يُمَّه الشـَّهاده هيَّ الحِجل، هيَّ الگلادَه
وقالت لي وقتها، ان عليها نذرا بأن ستحمل اول مرتب لي في الوظيفة لتوزعه علی الفقراء في مقام (العباس ابو فاضل). وللأسف انه لم تعش لتفي بالنذر، اذ انتقلت الی رحمة الله في نهاية شهر تموز عن عمر يناهز 37 عاما فقط. الا ان الجدة المرحومة ام هادي، قامت بذلك فيما بعد نيابة عنها. لم تتعلم الوالدة في المدرسة، لکنها ذهبت وهي صغيرة الی (الکتاتيب والملالي) لتحفظ القرآن عن ظهر قلب. أظن انها نسيت کل شيء ما عدا تلك السور والآيات التي ترددها في صلاتها. کان عندما نشأت مکتب للبنات علـَّمت فيه المرحومة والدة الصديق المرحوم فؤاد مگطوف. وکانت الوالدة تشير اليها دائما بلقب (مُلاّتي). اما الاولاد فكان لهم مکتب آخر علمَّ فيه الملا حمد، والد الاخ اسماعيل الملا حمد، مدرس اللغة الانگليزية.
وفي نهاية شهر أيلول نُشرت قائمة التعيين، وبحکم درجة
تخرجي فان تعييني کان في مدرسة الجمهورية (کان اسمها مدرسة الملك فيصل
الاول قبل الثورة. وقبلها کانت تُسمی المدرسة الغربية)، وهي المدرسة التي
اکملت فيها المرحلة الابتدائية کما اسلفت. وعندما اجتزت بوابة المدرسة حيَّاني
(الفراش طالب) ورحَّب بي، فکانت لحظة اعتزاز ورهبة. الرهبة لأنني سأکون معلما مع
عدد من المعلمين الذين درسوني فيها قبل ست سنوات فقط، والاعتزاز لأنني حققت تفوقا
ضمن لي العمل كزميل لهم. کان المرحوم السيد باقر السيد محمد الظاهر مازال مديرا
للمدرسة. ومن المعلمين الذين درسوني فيها ومازالوا يعملون هناك، المرحوم مجيد وحيد
(معاون المدرسة) والسيد صالح مهدي (أبو فؤاد) ومهدي حطاب (أبو سالم/سويلم)
ونعيم الصباغ ( أبو هشام) وعبد الکريم خضير (ابو حنان). کما کان هناك صديقي الحبيب
المرحوم کاظم ذياب الخفاجي، وورد شجر السبتي (ابو عبد العظيم) واحمد غني المحروث
(ابو سلمی) وناجي الشکرچي ونصري شمسي، ومعلم اصلا من سوق الشيوخ يُدرِّس
التاريخ والجغرافية اسمه الاسدي، للأسف لا اتذکر اسمه کاملا.
کان بودي ان يکونَ هناك معلمٌ آخر، هو الاستاذ علي
الشبيبي (ابو کفاح) الذي درسني العربية في الصف الرابع والخامس والسادس. وهو اخ
الشهيد محمد حسين الشبيبي. وهو حقاً الذي غرس في نفسي وانا بذاك العمر حبَّ العربية
ودراستها. کما تمنيتُ ان يکون موجوداً بينهم معلم، ما زلت أکنُّ له الکثير من الحب
والاحترام ، وهو استاذي المرحوم أحمد المغربي. فهو الذي درسني القراءة والحساب
في الصف الاول الأبتدائي في المدرسة الغربية. ونظرا لازدحام الصف وکثرة عدد الطلاب
فيه، لم يکن يتوفر لي مقعد للجلوس. فوجد لي الاستاذ المغربي مکانا مناسبا جدا،
وهو فناء الشباك، اذ ان جدران المدرسة القديمة کانت اکثر من ثلاثة اقدام سمکا.
وکان استاذي المرحوم يرفعني ليضعني في مجلسي في الشباك عند بداية الدرس، ويُنزلني
منه في نهايته. وعندما يدرِّسنا معلم آخر، فان تلك المهمة کانت منوطة بمراقب الصف،
مجيد عليوي. ورغم هذا "الأمتياز" واستقلالية الجلوس، فأنني کنت محروما ممَّا
کان يقوم فيه بعض الطلبة عندما يشعرون بالضجر احيانا، فيطلبون الأذن لمغادرة الصف
لقضاء الحاجة زورا وبهتانا!
لحسن الحظ، لم يکن بينهم معلم آخر اسمه عباس چلاب، قيل انه من سوق الشيوخ أصلا. درَّسني هذا الرجل موضوع (الاشياء والصحة) في الصف الثالث الابتدائي، وهو من اکثر الناس قسوة وبشاعة. کانت فرائصي ترتعد خوفا منه لأنه قاس بشکل يفوق حدود خيالي الصغير. ورغم انني لم أکن ولداً مثيراً للمشاکل، او أيِّ شيء من هذا القبيل، الا انني کنت اتنفس الصعداء عندما تنتهي ساعة درسه. لا أزال اتذکر جيدا طريقته المُبتدعة القذرة في عقاب الاولاد وتعذيبهم، لسبب تافه احياناً! کان يضع عددا من اقلام الکتابة بين الاصابع الصغيرة للولد، ويضغط بيده الکبيرةعلی قبضة الولد. وعندما يصرخُ المسکين من الألم ويفتح فمه، کان هذا المعلم الکريه يبصقُ داخل فمه! لا ادري کم من الاولاد قد اصابته عدوی هذا الشخص المريض!
لم يکن يبدو ان شيئا کثيراً قد تغير فيما يتعلق بنظام
المدرسة. فالدوام الصباحي يبدأ عادة بالأصطفاف، إذ يُنشد الطلاب احد النشيدين:
لِحصاها فضلٌ علی الشهب
وثراها خيرٌ من الذهب
تتمنی السماءُ لو لبست
حُـلـَّة ًمن ترابها القشِِبِ
أو نشيد:
موطني، موطني الجلال والجمال والسناء والبهاء في رُباك
والحياة والنجاة والرجاء في هواك
هل أراك سالماً مُنعما وغانما مُکرَّما،
هل أراك في عُلاك تبلغُ السما
موطني ، موطني
ثم يُطلـَبُ من احد الطلاب ان يتقدم ليقرأ قصيدة من اشعار الحماسة، عادة. الاختلاف الآن هو ان من تـُناط به هذه المهمة غالبا طالب اسمه صلاح رشيد، وکان عذب الصوت حسن الالقاء. في الوقت الذي کنت أنا فيه طالبا في هذه المدرسة، کان احد اخويه عبد الرزاق او عبد المنعم هو من يقوم بهذه المهمة. وکان لهؤلاء اخ اکبر اسمه عبد القادر، واختان. کان والدهم يملك حانوتا لبيع التبوغ في بداية (قيصرية القماميش)، وقد يکون اصله کردياً، لانه کان يتحدث بلکنة. کان الابن الاکبر، عبد القادر، يساعد والده في العمل. وعندما توفي الوالد، انتقل عبد القادر وافتتح له محلا في سوق السراي مقابل مخزن عزيز الموصلي. کان عبد المنعم اقربهم اليَّ. کان زميلي في المدرسة الابتدائية، وقمنا معا بدور تمثيلي في مسرحية عن صدر الاسلام، کان دوري فيها هو (حسان بن ثابت). اخرج المسرحية معلم فنانٌ اسمه عبد الرحمن رضا. کان يُجيد العزف علی العود، وانتقل الی البصرة قبل قيام الثورة.
کما اشترکتُ مع عبد المنعم رشيد، ونحن في المرحلة المتوسطة،
في مسرحية عن حاتم الطائي. کان دوري فيها هو (سفـَّانة، بنت حاتم الطائي). اخرج
المسرحية کاظم المبارك، الذي کان يعمل کاتباً للذاتية. وعندما تغزَّل عباس خطار
بجمالي (!) ألقمته حجراً، بکلماتٍ لم تکن موجودة أصلاً في النص المسرحي. وهو ما
جعل الاستاذ عمران الموسوي، المشرف علی النشاط، يضحك بصوت مسموع. انتقل کاظم
المبارك الی بغداد وحقق انجازا مهنياً رائعا، عندما قام ببطولة فلم (مَن
المسؤول) مع الممثلة ناهدة الرماح. وکان کاظم المبارك الذي لعب دور مراقب بلدية
(چاووش) يحبُّ (معصومه) بنت محلة باب الشيخ في بغداد. لا ادري ماذا حصل لکاظم المبارك
بعد ذلك. لکني اعرف ان اخاه الذي يليه سنا، علي المبارك، قد اصبح طبيبا وافتتح
عيادة له في الناصرية لعدة سنوات، ثم اغلقها بعد شباط الاسود وهاجر الی احدی
دول الخليج.
وخلال المرحلة المتوسطة ايضاً ، اختارني الاستاذ عمران
الموسوي لأمثل المدرسة المتوسطة في مباراة للخطابة تنافس فيها الاولاد من کل مناطق
اللواء (تغير الاسم الی محافظة فيما بعد). حصلتُ علی المرتبة الثانية،
إذ فاز بالمرتبة الأولی طالب من سوق الشيوخ اسمه ضياء عبد الرزاق، علی
ما اعتقد. إنتقل ضياء الی المدينة بعد سنوات وعمل کاتبا في بلدية الناصرية.
کان يتردد علی مقهی کاظم شکير، ويجيد لعبة النرد (الطاولي). اما صديقي
عبد المنعم رشيد فقد انتقل الی بغداد واکمل دراسته فيها، واصبح مدرسا هناك.
وهي نفس السنة التي انتقل فيها زملاء آخرون الی بغداد ليلتحقوا بمعهد الفنون
الجميلة، مثل عبد الرحمن مجيد الربيعي ومحسن العزاوي وعزيزعبد الصاحب ووجدي عبد
الغفار. اما الاخ الثاني لعبد المنعم في العائلة، فهوعبد الرزاق الذي لم
يُکمل دراسته. في الحقيقة، اصبح يديرالمخزن الذي ملکه اخوه عبد القادر.
لا اعرف ماذا حصل لعبد القادر، لکن المخزن اصبح مکانا
يتردد عليه الادباء والمثقفون، واحيانا السياسيون في المدينة، مثل عزيز السيد جاسم
ورزاق النجار وکاظم العجمي والمرحوم خالد محمود الأمين واحمد الباقري، وغيرهم.
لا اعرف إن کان عبد الرزاق رشيد قد انضم الی الحزب أم لا، لکني متأکدٌ إنه
لم يَکن معتقلا معي في سجن الخيالة، ولم يکن معتقلا في نقابة المعلمين أيام شباط
الاسود. ومن المعروف انه انتقل الی بغداد في مطلع السبعينات مع عزيز السيد
جاسم وعمران رشيد الملا عمران، وانضموا للأسف جميعا الی جوقة المهرجين في
بلاط صدام حسين! أما صلاح، فقد اصبح معلما، وتزوج معلمة من بنات المدينة، اسمها
فاطمة محمد العودة. اصبحت فاطمة العودة بعد قيام الثورة مسؤولة لمنظمة (رابطة المرأة
العراقية) في الناصرية. وهي اخت الاستاذ کاظم العودة والصديق راشد العودة، وبنت
اخ مهدي العودة. وکان الثلاثة معتقلين معي في سجن الخيالة. ومعروف ان عميد العائلة
محمد العودة، الموظف الکبير في بلدية الناصرية، کان ذا توجه سياسي علی النقيض
تماماً من ولديه وابنته واخيه!
لنعد ثانية الی سنتي الاولی في التعليم.
اصبحت الصفوف التي ادرسها مزارا لطلبة السنة الثالثة في دار المعلمين الابتدائية،
وهم يقومون بما يُسمی (بنشاط المشاهدة). وکان استاذي الفاضل عبد الکريم الکاتب
هو الذي يرافقهم وهم (يشاهدوني) وانا اقوم بالتدريس الفعلي في جو حقيقي. وبعد کل
زيارة کان الاستاذ الکاتب يُغدق عليَّ بالشکر والامتنان. ولربما کان هناك شيء آخر
مدعاته فخر استاذٍ بطالبه. والاستاذ کاظم الکاتب من المعلمين والمدرسين الذين تعلمت
منهم الکثير وانظر اليهم بمزيد من الاحترام والمودة. وبعد کل درس کنا نعقد
ندوة قصيرة للأجابة علی اسئلة الطلبة واستفساراتهم، لکنني لا اتذکر أيَّاً
منهم يدوِّن ملاحظة ما!
ونظرا لأن البناية کانت تشغلها بالتناوب المدرسة المرکزية،
فأن ذلك اتاح لي ان اتعرف عن طريق الصديق المرحوم کاظم ذياب علی جيل آخر
من المعلمين الذين کانوا قد تخرجوا من دار المعلمين الابتدائية في بعقوبة. فکان
منهم الصديق المرحوم حسن غانم وعبد الجبار محسن السلمان (أبو تماضر)، الذي اکمل
الدراسة الجامعية في الوقت الذي التحقت أنا فيه بکلية التربية ببغداد ثم
انتقل الی مدينة الحلة. کما تعرفت علی زميل آخر کان هو ايضا من جيل
معلمي بعقوبة وهو الاستاذ عبد الرزاق سکر. (شاهدت صورته علی الموقع قبل ايام،
ولا يبدو انه قد تغير کثيرا!). وکان يُدرِّس في المدرسة المرکزية معلمان آخران،
احدهما قريبي وهو الاستاذ الفنان کاظم حنتوش، ومعلم آخر، اُصيب للأسف بلوثة عقلية
ونـُقل الی بغداد. لم يکن منزله بعيدا عن منزلي القريب من جامع الشيخ حسن.
کانت جلساتنا في مقهی الحاج ذياب المُقابلة لبناية المدرسة. وکنا نتناول
الکباب عادة وقت المساء من مطعم ذياب الكببچي. لا اعتقد ان عبد الرزاق سکر قد شارکنا
في هکذا وليمة، لأنه متزوج وتناولُ العشاءِ في البيت ضرورة تفرضها سنن الحياة!
يمکن القول ان جميع المعلمين الذين ذکرتهم ينتمون الی
عائلات فقيرة وفق السلم الاقتصادي الطبقي. فوالد المرحوم حسن غانم شرطي متقاعد،
وکذا کان والد عبد الجبار محسن السلمان ووالدي کاظم حنتوش وکامل حليحل. اما والد
المرحوم کاظم ذياب الخفاجي فکان لا يزال وقتها يعمل (فرَّاشا) في مدرسة المنتفگ.
وربما کان والد الصديق عبد الرزاق سکر احسن حالا من الجميع. کان (گهوچي متنقل)
يدير مقهی تقع تحت سُلـَّم بناية المتصرفية. وتجده دائم الحرکة والابتسام
يحملُ (صينيته) ويتنقل بخفة بين مختلف دوائر الحکومة، يوزع أکواب (الشاي والدارسين)
علی الموظفين وضيوفهم! وفي تقديري ان هذا الرجل الکادح کان يقطع مسافة طويلة
في کل يوم جاهدا لتأمين سبل العيش الکريم لعائلته، کما بقية الآباء. ومن ابناء
الشرطة ايضا کان المرحوم ثامر سعدون الفتاح (ابو عادل) مدير مدرسة الحکمة، وکذلك
الاستاذ عناية حاچم الحسيناوي مدير مدرسة السديناوية.
اعتقد ان الکثير من ابناء جيلي الذين ينتمون لنفس الطبقة اختاروا التعليم مهنة
لهم ايضاً. فوالدي عريف متقاعد، وکذا والد الصديق عبد الله محمد عرب ( ابو رائد)
واخيه فائز محمد عرب. ومن ابناء الشرطة ستار جبار معروف وعزيز سرحان وسعدون حيال
واخوه الصغير (للأسف فاتني اسمه) وحسن فالح ومحسن حاچم واخوه ستار حاچم وعبد
الرحمن مجيد الربيعي واخوه عبد الزمان مجيد الربيعي. اما شريف نعاس فکان والده
يعمل (جسَّاراً) لصيانة الجسر الخشبي وسلامته. وکذا کان يعمل والد المعلمَين هادي
خضير وصبحي خضير (وهما لاعبا کرة القدم المشهوران في نادي الفتيان. لا اتذکر ان
کان اخوهما الاصغر ماجد وهو لاعب مُجيد آخر قد احترف التعليم ايضا. علی الأکثر).
اما الصديق والجار جبار زغير کنن فکان والده عاملا في السکك. وکذلك کان والد
الصديق ناجي ياسر والجار جواد تايه. وکان والد الصديق المرحوم جواد کاظم السنجري
خياطا متنقلا يملك ماکنة خياطة من نوع (سنگر) يرکنها الی جانب (قيصرية القماميش).
وکان والد الصديق شهاب احمد أکرم خياطا أجيرا، وکذا والد عاصم فليح. اما والد الصديق
المرحوم کاظم جواد محمد جعفر (العجمي) فکان يتخصص بخياطة (الدشاديش فقط)! اما والد
الصديق عبد الحسين چولان فکان يملك مقهی صغيرة من الدرجة الثالثة او
ربما الرابعة، افتتحها بعد ان عاد من الکويت!
لا اعرف بالضبط طبيعة عمل والد کل من المرحوم الصديق
فؤاد مگطوف والمرحوم عبد الله ناصروالسيد نعمان السيد محمد وکاظم طارش واخيه حسن
طارش وحسين علي الحلي. اما حامد سمير البدري واخوه علي سمير البدري فقد تکفل بعائلتهما
عمَّاهما محمد البدري وعزران البدري بعد وفاة والدهما. ومن المؤكد ان عائلات
هؤلاء الزملاء جميعا لا تختلف في وضعها الاقتصادي عما ذکر في اعلاه. وكان القليل
من ابناء الناصرية الذين احترفوا التعليم ينتمون الی عائلات قد يکون وضعها
الاقتصادي حسن بعض الشيء. ومن هؤلاء الصديق سعد عبد الجبارالحران والصديق ماجد
حميد الجنابي وأخوه فلاح حميد الجنابي وباقرمحمد الحداد والمرحوم عاجل کريم واخوه
عبد الله کريم والمرحوم السيد حميد اليعقوبي واخوه السيد مجيد اليعقوبي والصديق
کتاب سعدون ومعاذ عبد الرحيم. ولعل سمير يوسف الصيدلي هو الوحيد الذي يمکن القول
ان عائلته تنتمي الی طبقة اقتصادية عالية، بحکم عمل والده کصيدلي. وباستثناء
القليل منهم، فان الجميع کان معتقلا معي في سجن الخيالة بعد شباط الاسود، کما سنأتي
علی ذلك فيما بعد.*
من ابناء الناصرية الذين اکملوا تعليمهم وحصلوا علی الدکتوراه، اضافة الی عبد العظيم ورد السبتي، الشهيد عبد الرزاق مسلم الذي اغتاله البعثيون في مطلع السبعينات في البصرة حيث کان يعمل استاذا في جامعتها. واشاع المجرمون وقتها ان المخابرات الايرانية هي التي تولت تصفيته! کما حصل ابراهيم السهيلي، الذي درسني مبادیء الزراعة وانا في السنة الأولی من دار المعلمين الابتدائية عام 1957، علی شهادة الدکتوراه وعاد للعمل استاذا في جامعة بغداد. ونال الاستاذ موحان السبتي، الذي درسني الفيزياء في الصف الثالث المتوسط عام 1956، شهادة الدکتوراه ثم عاد للعمل في جامعة بغداد ايضا. وهؤلاء جميعا من ابناء طائفة الصابئة التي انجبت الکثيرممن يُعتبرون بحق فخراً لمدينتنا الحبيبة. کما حصل ابنان آخران للناصرية علی الدکتوراه من بريطانيا. الاول هو الاستاذ شاکر محمود الأمين، الأخ الأکبر للشهيد خالد محمود الامين. درسني الاستاذ شاکر الجغرافية في الصف الثالث المتوسط عام 1956. سافر بعد ذلك الی بريطانيا حيث اکمل دراسته وعاد للعمل استاذا في کلية التربية ببغداد عام 1965، وهي السنة التي التحقتُ فيها بتلك الکلية. کما انجبت الناصرية ابناً بارا آخرنال الدکتوراه في الادب المقارن من بريطانيا أيضاً، هو الدکتور کمال قاسم نادر. وهو باعتقادي اول من حصل علی شهادة الدکتواره في تاريخ المدينة. والدکتور کمال هو الأبن الأکبر للمربي الجليل الاستاذ قاسم نادر (افندي) مدير المدرسة الشرقية، الذي کان کزملاءه من المدراء الآخرين مُتميزاً بلبس (السدارة العثمانية)!
وما دمنا بصدد الاستاذ قاسم افندي، فاني اجد من المناسب تاريخياً ان اعرِّف القراء بابناء وبنات مديري ومديرات المدارس الابتدائية في المدينة حتی قيام الثورة. کان في الناصرية خمس مدارس ابتدائية للبنين وهي المدرسة المرکزية ومديرها يوسف الجبوري (ابو فؤاد)، ومدرسة المنتفگ ومديرها عبد الزهرة ناصر، والمدرسة الغربية ومديرها السيد باقر الظاهر (ابو منذر)، ومدرسة السيف کان يديرها قبل ان تـُلحق بالمدرسة الغربية في مطلع الخمسينات الاستاذ عبد المطلب، للأسف لا اتذکر اسمه کاملا. والمدرسة الخامسة هي المدرسة الشرقية، ومديرها قاسم نادر افندي (ابو کمال)، کما اسلفت. کما کان في المدينة مدرستان للبنات وهما الهدی ومديرتها الاستاذة لبيبة عبد الغني الحمادي (ام رعد)، ومدرسة السيف ومديرتها زهرة عبد الياسين.
کان لقاسم افندي اربعة ابناء وبنتان، لم تنالا نصيبهما من التعليم. لکنهما قامتا بشيء يدعو للاعجاب، وذلك عندما التحقتا بصفوف مکافحة الامية بعد قيام الثورة. کان مؤيد واخوه الاصغر رياض صديقيَّ وزميلي في المرحلة المتوسطة. کانت الاختان تقومان بواجبات البيت، اذ يبدو ان زوجة الاستاذ قاسم افندي قد توفاها الله منذ سنوات، وامضی الرجل بقية حياته أرملاً. وفي الوقت الذي کنت اتردد فيه علی بيت صديقيَّ، کان الاخ الاکبر لهما وهو کمال يواصل دراسته في بريطانيا. وکان الاخ الثاني فريد يواصل دراسة العلوم في جامعة بغداد. بعد ان اکمل مؤيد المرحلة الثانوية التحق بکلية التربية وحصل علی البکالوريوس في الجغرافية وعاد للتدريس في الناصرية. وکان اخوه فريد قد تخرج آنذاك وعاد قبله للتدريس في ثانوية الناصرية. اما الاخ الاصغر رياض فقد حصل علی بعثة علمية وسافر الی الاتحاد السوفياتي لأکمال دراسته. وعندما حدث شباط الاسود، تعرفت علی فريد عن قرب، فقد کان معتقلاً معي في سجن الخيالة. وکان المسکين قد تزوج حديثا من معلمة شابة جميلة اسمها روناك. اعتقد انهما حتی لم يُکملا شهر العسل بعد، عندما رمی به البعثيون في سجن الخيالة! کان والد روناك مديرا لدائرة انحصار التبغ، وتعود العائلة اصلا الی مدينة السليمانية. کان رياض في ذلك الوقت، لا يزال يُكمل دراسته في الاتحاد السوفياتي. ولحسن الحظ فأن مؤيد لم يُعتقل. وعندما التحقت في کلية التربية عام 1965 کان الدکتور کمال قاسم نادر يُدرس الأدب المقارن فيها.
اما الاستاذ يوسف الجبوري، مدير المدرسة المرکزية فله والد واحد فقط واسمه فؤاد. اکمل فؤاد المرحلة الابتدائية في المدرسة المرکزية، وکان طالبا متفوقاً. وبعد اکمال المرحلة الثانوية التحق بکلية الطب فاصبح طبيباً. ثم سيق لاداء الخدمة العسکرية الالزامية. افتتح الدکتور فؤاد خلال تلك الفترة عيادة له في المدينة واستمر يعمل فيها لعدد من السنوات بعد اکمال الخدمة العسکرية. لا اعرفه شخصياً، لکنني اعرف انه شخص حميد الخلق هاديء ورقيق للغاية. کان صغيرَ الحجم وقصيراً، ولذلك فان مشاهدته بالبدلة العسکرية کان مدعاة للتعليق! بعد تقاعد والده من ادارة المدرسة المرکزية، اقفل الدکتور فؤاد عيادته وانتقلت العائلة الی بغداد.
اعتقد ان مدير مدرسة المنتفگ، الاستاذ عبد الزهرة ناصر،
تزوج في فترة متأخرة ولا اعرف ان کان ولد له ابن اوبنت. وکذا نفس الشيء بالنسبة
لمديرة مدرسة السيف للبنات الاستاذة زهرة عبد الياسين. وکما اشرت سابقا،
فأنني لا اعرف الکثيرعن مدير مدرسة السيف. اما مديرة مدرسة الهدی الاستاذة
لبيبة عبد الغني الحمادي فقد کانت متزوجة من ابن عم لها ( لا اتذکر اسمه)، لکني
اتذکر انه کان ضابطا برتبة عالية. وقد ولد لهما طفل سميَّاه (رعد). لا اعرف ماذا
عمل رعد، لانه کان لا يزال طالباً في المدرسة المتوسطة عندما غادرت العراق. اما
استاذي وزميلي المرحوم السيد باقر السيد محمد الظاهر، فقد رُزق اولا ببنت لا اتذکر
اسمها، لأنه کان يدعوها (العلوية) کلما مرَّ ذکرها. اکملت العلوية دراستها الابتدائية
في مدرسة السيف للبنات. وبعد المرحلة الثانوية التحقت بکلية التربية ببغداد، وتخرجت
منها عام 1965. عادت العلوية الی الناصرية بعد التخرج وعُينت مدرسة في مدرستها
الثانوية. کما رُزق السيد باقر بولد سمَّاه (منذر). وکما هو متوقع بدأ منذر المرحلة
الابتدائية في المدرسة التي يديرها والده. وکان المرحوم السيد باقر يُمارس ضغطا
واضحا في توجيه ولده. ومن ذلك انه کان يطلب منه ان يتقدم لالقاء قصيدة من قصائد
الحماسة خلال الاصطفاف الصباحي. وکان الولد الصغير يحاول جهده لاسعاد والده، لکن
ارتباكه مع حماسه غالبا ما كانا يقودانه للتلعثم، وعدم القدرة علی اخراج
الاصوات بشکلها الصحيح. وکنت شخصيا اشعر بالعطف نحو هذا الولد الناحل، وخاصة عندما
يُطلب من الولد الآخر، صلاح رشيد ان يتقدم ويلقي قصيدة بصوته العذب الجهوري. التحق
منذر بکلية الهندسة ببغداد بعد اکمال دراسته الثانوية. وبعد التخرج عاد الی
مدينته ليعمل مهندسا اما في بلدية الناصرية او في دائرة الاشغال العامة. لا اعرف
بالضبط.
في عصر احد الأيام في فصل الخريف عام 1960 لا اتذکر بالضبط اي شهر، جاء السيد باقر
الی الصف، وأومأ لي بطلب الحديث. ولما اقتربت منه قال:
- الجماعه يردوك.
- يا جماعه؟
- الأمن. مفوض الأمن اتصل ويريد يشوفك.
- الأمن؟
- يردونك تروح الهم.
- شني السبب؟
- ما أدري.
- يمتی يردوني؟
- روح ورا ما تخلص الدروس.
- زين!
کنتُ اعرف مفوض الأمن واسمه عزيز السامرائي، وهو شاب في مقتبل العمر، وسيم المظهر، يتردد علی الجامع الکبير لاداء الصلاة. اعتقد انه متدين لأن خاتم الزواج علی اصبعه مصنوع من الفضة! وهو يتردد کذلك علی صيدلية مدحت الهاشمي، وشاهدته مرة وهو يزور عيادة الدکتور أکرم الشبيبي، لاصابته بوعکة. کان والدي حينها مضمدا "ومديرا" لعيادة الدکتور أکرم الشبيبي. ذهبت بعد انتهاء الدوام حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر الی دائرة الأمن في بناية المتصرفية، وهي في الجهة المقابلة من الشارع. طرقت باب غرفة مفوض الأمن، فطلب مني الدخول. بقيت واقفا امام طاولته لبضع دقائق وهو يتصفح عددا من الاوراق. وبعد ان فرغ من ذلك ناولني احداها، وکانت عبارة عن قائمة بأسماء عدد من الاشخاص. سألني ان کنت اعرف أيَّاً منهم. أجبت بالنفي. اعدت اليه الورقة فأعطاني قلما وورقة اخری لا شيء مکتوب عليها، ثم دفع اليَّ بنسخة من صحيفة "طريق الشعب" وطلب مني ان اجلس الی طاولة اخری موجودة في مکتبه، واستنسخ عددا من الفقرات من الصفحة الأولی. قمتُ بما طلب مني واعطيته الورقة بعد ان فرغت من المهمة، فأخذ يُمعن النظر فيها ويقارنها بورقة اخری. استغرق ذلك بعض الوقت. ثم اعطاني الورقة التي کان يقارن ما فيها بما کتبته، فاذا هي بيان مکتوب بخط اليد صادر من اللجنة المحلية للحزب الشيوعي. سألني ان کنت قد شاهدت أو قرأت ذلك البيان، فکان جوابي النفي ثانية. ضغط علی زرِّ الجرس في مکتبه، فحضر شخص آخر. فقال لهُ:
- أخـُذ له طبع اصابع، وخليه يروح.
ثم املی عليه ما يلي:
اُحضِر المدعو محمد موسی الأزرقي للشكِّ بأن بيان اللجنة المحلية للحزب الشيوعي قد کُتب بخط يدهِ، واُطلِقَ سراحهُ لعدم توفر الأدلة.
وهکذا غادرت مبنی مديرية الأمن وانا (شوعي)، کما کان السيد طاهر العلوچي يدعوني وکلَّ مَن دخل اسمه سجلات الأمن في الناصرية، بالرغم مني!
*إن شاء الله، سأتحدث عن ابناء الناصرية من المحامين والاطباء والصيادلة والمهندسين والضباط في حلقة خاصة بهم.