تأريخ مدينة الناصرية
الحلقة الثالثة
د. محمد الأزرقي
کلية ماونت هوليوک للبنات
mjiyad@hotmail.com

3. عن ثورة 14 تموز المجيدة

لا احد کان يتوقع ان تحدث الثورة بتلك السرعة وبذلك الزخم الذي انطلق يهدم اسس النظام الملکي ويقضي علی رموزه بلمح البصر ويمثل بالبعض منهم ابشع تمثيل، تعبيرا عن غضب الجماهير ورغبتها في الانتقام من النظام البغيض الذي اضطهدها وعلق خيرة ابنائها من الشهداء علی اعواد المشانق.

 اشرت سابقا الی مشاهدتي وانا صغيرا لرد فعل جماهير الطلبة في الناصرية علی احداث عام 1948، وهي سنة قيام حرب فلسطين وبداية التحضير لتوقيع التجديد لمعاهدة پورت سميث التي ضمنت استمرارالحماية البريطانية. کان هناك القليل من الاضطرابات السياسية في عام 1952 ولکن لم يکن لها حسب علمي صدی واضحا في الشارع في الناصرية. في الحقيقة جری استقبال رسمي حافل للملك فيصل الثاني عندما زار الناصرية اثر تتويجه ملکا علی العراق عام 1953. وصل الملك الشاب الی الناصرية بالقطار يصحبه خاله الوصي عبد الاله ونـُقل بسيارته الخاصة الی حامية الناصرية أولا، ثم الی مبنی المتصرفية حيث القی من شرفتها في الجماهيرالمحتشدة خطبة قصيرة. ثم صلی ومن معه بعد ذلك في الجامع الکبير. ولربما کانت تلك المناسبة هي المرة الاولی والأخيرة لبعض الشيعة، والتي دخلوا فيها ذلك الجامع وصلوا فيهِ. امضی الملك بقية اليوم متنقلا بين مختلف دوائر الدولة ومدارسها (کانت مدرستي، المدرسة الغربية من ضمن المدارس التي توقف فيها الملك وصحبه). اعتقد انه قام ايضا بزيارة بيوت بعض الشخصيات المعروفة في المدينة حيث توقف في ديوانية الحاج طالب وديوانية الشيخ زامل المناع وديوانية عبد الغني الحمداني. لا اعرف اين امضی الملك وصحبه ليلتهم، ولکن في صباح اليوم التالي غادر الملك وحاشيته في موکب طويل من السيارات متجها الی بغداد عن طريق منطقة الغراف، حيث مرَّ بالسويج والشطرة والرفاعي وقلعة سکر ثم الحي فالکوت ومن ثم الی بغداد. استقبلت العشائر الموکب الملکي بالهوسات ونحرت الخراف في طريقه تکريما له عند مروره في مناطقها.

 ازداد الوضع السياسي تأزما بتوقيع حلف بغداد عام 1955، واتذکر جيدا ظاهرة انتشارالبيانات السياسية الموقعة باسم الحزب الشيوعي والتي کانت توزع بشکل متکرر ومتکتم في مبنی المدرسة الثانوية وحولها، خاصة في حديقة الملك غازي. وکلها کانت تندد بالحلف الاستعماري وتدعو الجماهير الی مقاومته وتهاجم حکومة نوري السعيد والوصي عبد الاله لاعدادهما "طبخة" الحلف. ربما اکون مخطأ، لکني لا اتذکر انني اطلعت في تلك الفترة علی اي بيان يُسمِّي الملك فيصل الثاني بالاسم او يعتبرشخصه جزء من الجماعات السياسية التي کانت تلعب دورها في مختلف المناورات لتبريرذلك الحلف المشين او "لتمريره" علی الشعب. ولا اعتقد انني قرأت أو اطلعت، قصدا ام صدفة، علی بيان من اي حزب او تنظيم سياسي آخر في المدينة.

 وحتی في اعتصام الطلبة في ثانوية الناصرية عام 1956 ردا علی العدوان الثلاثي، والذي مرَّ ذکره سابقا لم يرد ذکر للملك فيصل الثاني، لکن الهتافات والبيانات والخطب والاغاني الثورية کانت تنتقد وتندد بصالح جبر ونوري السعيد وعبد الاله (الوصي غير الامين! کان لقب عبد الاله قبل تتويج الملك "الوصي الامين علی العرش")، وبهجة العطية وسعيد قزاز وفاضل الجمالي وتوفيق السويدي وغيرهم من رجالات العهد الملکي طيلة ذلك اليوم. وعندما جری فصلُ عدد من الطلاب وتمَّ تسفيرهم الی جلولاء لاداء الخدمة العسکرية، لم ينقطع توزيع البيانات وبالتالي النشاط السياسي بين صفوف الطلبة. کانت البيانات الحزبية توزع بشکل منتظم تقريبا ونجدها عادة وقت الصباح في ممرات المدرسة وعلی المقاعد الدراسية وفي حديقة غازي المجاورة. وکان المطلوب ان نقرا تلك البيانات ونستوعب ما فيها من المعاني وننقلها معنا الی مناطقنا السکنية لنشرك شباب الجيران في الاطلاع علی مافيها، مع اخذ الحذر الشديد مخافة ان نقع في يد رجال الامن.

 وبعد عدة اشهر وخلال الفترة التي سبقت عيد رمضان في ذلك العام، رجع البعض من الشباب المفصولين الی الناصرية في اجازة لزيارة اهلهم  وذويهم. وخلال وجودهم هناك حضروا الی مبنی المدرسة وقد حُلق شعر رؤوسهم. التف الطلاب حولهم للاستفسارعن حياتهم ونشاطاتهم وکيفية تعامل الجنود الاخرين والضباط معهم. لم يذهب معظم الطلبة الی صفوفهم ذلك اليوم وفضلوا البقاء مع زملائهم  للاستفسار ومعرفة ما يجري خارج عالم الناصرية، خاصة الحياة في معسکر للتدريب. ومن الاسئلة التي طرحت حينها کانت عن وجود اي ضباط وجنود وطنيين في معسکر جلولاء ممن يتعاطفون مع الحرکة الوطنية وياخذون جانب الشعب المقهور ضد عملاء الامبراطورية وعاصمتها لندن. (لا بد من التذکير هنا ان ذلك المعسکر ومعسکر سعد المجاورکانا نقطة انطلاق الزعيم عبد الکريم قاسم واخوته من الضباط  والجنود الاحرار الذين دخلوا بغداد ظافرين فجر الرابع عشر من تموزعام 1958).

 فـُصلت دار المعلمين الابتدائية عن المدرسة الثانوية اداريا في مطلع العام الدراسي سنة 1957 وانتقلت الی بناية مجاورة لها تقع علی الجانب الثاني من الشارع، بجوار السجن ومقابل بناية المستشفی ، أي عند التقاء شارع المستشفی بشارع الهوا. اصبحت الدار تحت ادارة الاستاذ عمران الموسوي الذي درسني اللغة العربية في المرحلة المتوسطة، کما اسلفت سابقا. قـُبلت للتسجيل في الدار بعد اکمال تلك المرحلة. کان اغلب الطلبة في الدار من اقضية اللواء ونواحيه، بعکس المدرسة الثانوية التي کانت تقتصربشکل عام علی الطلبة من ابناء الناصرية، وكذلك  ابناء الموظفين او ضباط الجيش او معاوني الشرطة الذين ينتمون اصلا الی مناطق اخری. من بين الذين کانوا معي شخصيا في صفوف الدراسة في تلك المرحلة اتذکر ابن مدير الشرطة، اعتقد ان اسمه کان قيس عبد الوهاب غالب. وطالب آخر اسمه أياد السيد حميد الحصونه، کان والده مديرا للتجنيد. الوالد أصلا من عشائر الحصونه، لکنه امضی حياته خارج الناصرية. کما کان هناك طالب اخر اسمه غريب رياح کان والده نائب ضابط في التجنيد. وکان معي ابنان لشيخين من شيوخ العشائر خارج مرکز المدينة، وهما عبد اللطيف طاهر الغزي، وهو الابن الاکبر لَشيخ عشيرة آل غزي، وعبد الاله سعود السعدون، وهو الابن الاصغر لشيخ عشيرة آل سعدون من اکبر عشاير المنتفگ، التي کان اللواء سُمِّي باسمها في العهد الملکي. وکان الأثنان نموذجا في حسن السيرة والادب وکذلك الحرص علی اداء الواجبات الدراسية علی اکمل وجه. أکمل عبد الأله سعود السعدون دراسته في کلية التجارة ببغداد، والتقيت به صدفة لعدد قليل من المرات. ولکنني للأسف لم التق بعبد اللطيف الغزي منذ نهاية المرحلة المتوسطة. سمعتُ انه سکن واستقر في منطقة الخليج، والله أعلم.

 وفي دار المعلمين الابتدائية کان زملائي ينحدرون من سوق الشيوخ والشطرة والرفاعي وقلعة سکروالچبايش والسويج وغيرها من الاقضية والنواحي الريفية. في اعتقادي کان النشاط السياسي في المدرسة الثانوية اکثر مما لاحظته بين طلبة الدار. وقد يعود سبب ذلك الی ان المدرسة الثانوية تحظي برعاية التنظيم السياسي المتمرکزفي المدينة لفترة طويلة، وان الدار جديدة ما زالت في طور الانشاء، او ان اغلب الطلبة في الدار يتطلعون للترکيز علی دراستهم لان ذلك هو الطريق لضمان الحصول علی وظيفة بعد التخرج مباشرة. كان عبد الله ناصر من بين الطلبة الذين قـُبلوا في الدار عام 1957. كان من الشيوعيين المعروفين في المدينة الی جانب سيد رزاق وفؤاد مگطوف ورزاق النجار ونوري ابو شوارب وسمير يوسف الصيدلي وغيرهم.  کان عبد الله ناصريعمل بائع سمك خلال العطلة الصيفية. اتذکر انه في صيف ذلك العام  کنت عائدا الی بيتي حوالي الساعة العاشرة مساءً. وکان بيتي وقتها في الشارع المجاور لشارع  جامع الشيخ حسن. وفي الطريق وقريبا من مدرسة الهدی للبنات التقيت بالاخ عبد الله ناصر. کان ثملا بعض الشيء ويغني الابوذيه عن الجبهه، اتذکرمنها:

 "الجبهه دوم ناصرها وجلها"

وعندما سالته عن "الجبهه" اخبرني ان المقصود هو الجبهة الوطنية التي کانت تظم الحزب الشيوعي والحزب الوطني الديمقراطي وحزب البعث.

 في صيف عام 1958 کنت ضمن فريق الکشافة الذي امضی فترة ثلاثة اسابيع فقط من اصل ستة اسابيع في مخيم الکشافة الصيفي في شقلاوة في شمال العراق. تألف الفريق من حوالي 30 طالبا وکانوا خليطا من المدرسة الثانوية ومن طلبة دار المعلمين. کان المدرس المرافق هو المرحوم ابراهيم احمد مدرس الرياضة في المدرسة الثانوية، وهو زوج اخت نوري ابو شوارب، الشيوعي المعروف في الناصرية. (قيل ان المرحوم ابراهيم احمد قد قـُتل بعد انقلاب شباط الاسود علی يد شلة من الحرس القومي قادها احد ابناء الناصرية المدعو رشيد جبار عندما کان يسکن في منطقة العطيفية في بغداد). سافرنا بالقطار من الناصرية الی بغداد ومن ثم الی کرکوك. ومن هناك نـُقلنا بالسيارات في رحلة "مخيفة" الی شقلاوة! کانت هذه هي المرة الاولی التي ازور فيها المنطقة الجبلية. کان علی السيارة ان تسير في طريق ملتو ضيِّق يتسلق الجبل تدريجيا، ثم تنحدر في طريق ملتو آخر لتهبط نحو الوادي في الجهة الاخری. وعندما سال احد الطلاب ( اعتقد انه کان حسين سيد علي المغازچي) السائق کاکا احمد الذي یلف رأسه بعمامة کبيرة عن عدد السنوات التي قضاها وهو يعمل سائقا علی ذلك الطريق، ادرك الکاکا السبب الرئيسي لذلك السؤال. قال مُطمئناً "بابا، لا يخاف انت! آنا يتسلق الجبل مثل ما يتسلق الشاذي شجرة جوز الهند!" أعاد هذا التعليق الثقة بمهارة السائق، وربما اختزل مخاوف حسين السيد علی والاخرين بعض الشيء لأن الجميع کانوا قد شاهدوا المشهد المشار اليه علی شاشات السينما في (افلام طرزان)!

 کانت فترة الاسابيع الثلاثة الاولی في مصيف شقلاوة من امتع ذکريات شبابي، رغم التعب والجهد الذي کان تتطلبه رحلات التسلق اليومية ورحلات تتبع الاثر ودروس الاسعاف الاولي وتعلم لغة الاشارات باستعمال اعلام الکشافة الصفراء الصغيرة، الی جانب النشاطات الرياضية الاخری، ونوبات الحراسة الليلية. صحونا صباح 14 تموز علی صوت المذياع يعلن البيان الاول عن قيام الجيش بالثورة. کان ذلك مفاجأة للجميع اذ کانت آخر ثورة علی نظام الحکم الملکي قد حدثت عام 1941. وقد تمَّ سحقها من قبل الجيش البريطاني الذي اعاد عبد الاله ونوري السعيد الی السلطة واعدم قوادها الاشاوس. امضينا ذلك اليوم في المخيم نستمع الی بيانات الثورة وبرقيات التاييد والطلب من الجماهير ان تنزل الی الشوارع لحماية الثورة ورموزها. وسرعان ما تحولت شراشف النوم البيضاء الی لافتات وتحولت قناني صبغ الاحذية الی (حبر) لخط عبارات التأييد والفرح! طلب الطلاب ارسال برقية تأييد وتولی الاستاذ ابراهيم احمد القيام بالمهمة من دائرة بريد شقلاوة. وعندما اذيعت البرقية من راديو بغداد مساء اليوم التالي شعر الجميع بالغبطة لانهم ساهموا في صناعة التاريخ!

 اُصبنا بخيبة امل عندما تقرر الغاء دورة الکشافة لذلك الصيف، لکن خيبتنا کانت مصحوبة بالفرحة  وبشيء من الفضول والرغبة في العودة لمعرفة ما حدث في بغداد وفي مدينتنا، ومتابعة اخبار الثورة عن قرب بدلا من سفح جبل في اقصی شمال العراق. وفي اليوم التالي انطلقنا ثانية في رحلة "الخوف" بسيارة الکاکا احمد الی محطة القطار في کرکوك مرورا بمدينة اربيل. رکبنا القطارمساء ذلك اليوم فوصلنا  بغداد في صباح اليوم التالي. انتقلنا الي الجانب الاخر من نهر دجلة الی منطقة علاوي الحلة حيث توجد محطة القطار. کان القطارالذي يصل بغداد بالبصرة يبدأ رحلته جنوبا في الساعة الثامنة مساء عادة. وهذا يعني ان امامنا ما يقرب من عشر ساعات لا بد ان نمضيها في بغداد حتی ذلك الموعد. استقر الرأي علی ان نتوزع في مجموعات ونستأجر سيارات للذهاب الی مشاهدة ابطال الثورة الذين اتخذوا من وزارة الدفاع في باب المعظم مقرا لهم.

 کانت اللافتات تغطي شوارع العاصمة وخاصة شارع الرشيد، وکانت صور رجال الثورة معلقة علی واجهات الحوانيت والمقاهي والمحلات التجارية. کما کان ملصقا ايضا العديد من الصورلجثة الوصي عبد الاله وهي معلقة علی عمود کهربائي عند مدخل وزارة الدفاع، وکذلك صور لجثة نوري السعيد وقد ربطت بالحبال والناس "يسحلونها" في الشوارع. لم تکن صورة الملك بينها ولم نسمع انه مُثـِّل بها كما الحال مع جثتي الوصي عبد الاله ونوري السعيد. ذهبنا الی باب المعظم وامضينا ساعة او ساعتين وسط الجماهير الغفيرة التي تجمعت امام الوزارة. ومن حين الی اخر کان يظهر بعض الضباط من شرفة اقرب بناية للمدخل فيعلو الهتاف والتصفيق. لکننا في الحقيقة لم نحظ بمشاهدة قائد الثورة عبد الکريم قاسم او عبد السلام عارف او وصفي طاهر او غيرهم ممن بدأت اسماؤهم تظهر في الجرائد. اتذکر انني ذهبنا الی مطعم في شارع المتنبي وتناولنا الگص لوجبة الغداء. وبعد ان اکملنا الغداء وشربنا الشاي في مقهی الحيدرخانة القريبة، استاجرنا، انا ومحمد علي خطار وعبد الواحد جبر وحسين علي الحلي وجاسم محمد خلف، سيارة وطلبنا من السائق ان يأخذنا الی قصر الرحاب ثم الی قصر نوري السعيد.

 وجدنا هناك الکثير من الجنود وسط جموع غفيرة من الناس. کان القصر قد نـُهب بالکامل، وبدت عليه اثار هجوم الدبابات التي احرقت قذائفها رکنا منه. کانت اثار الدخان والحريق تغطي واجهة القصرمن جهة اليمين. ولسوء الحظ لم يسمح لنا الجنود بالصعود الی سطح القصر، حيث قيل ان الملك وعبد الاله وبقية افراد العائلة المالکة والخدم  کانوا جميعا قد لاقوا حتفهم هناك عندما قصفت الدبابات القصروبعد ان رفضوا الاستسلام. اما قصر نوري السعيد المطل علی نهر دجلة فلم يکن قصرا بالمفهموم المعروف للکلمة، بل کان بيتا متواضعا يتألف من طابقين. وکان هو الاخر قد نـُهب تماما واخلي مما کان فيه، الا انه لم تکن فيه اثار لاطلاق النار او اية حرائق. وعند الساعة الخامسة تقريبا رجعنا الی محطة القطار في منطقة علاوي الحلة بعد ان اشترينا ( المتاع الذي کان ساندوتچات ابيض وبيض) لأکلها في وجبة العشاء.

کان اليوم حافلا بشتی الصور التي شاهدتها او خلقتها في مخيلتي عما جری في بغداد خلال الايام القليلة الماضية. ورغم انني قد مررت بالمدينة قبل ثلاثة اسابيع وکانت الحياة فيها طبيعية، فانها بدت لي هذه المرة، او هکذا تصورت، وکأنها قد القت من علی ظهرها حملا ثقيلا، وانها تتنفس الصعداء بعد مخاضها العسير، وکأن ابتسامة فرح ورضا قد ارتسمت علی وجهها الصابر. لم تکن هذه المدينة الراسخة في القدم وکذا بقية مدن العراق وقراه تعلم ماذا کان الدهر يُخبأ لها! او کيف سيغتال البعث المجرم قائد ثورتها ويغتال معه حلم الوطن الجميل الذي طال انتظاره والذي طالما تغنی به الشرفاء من اقصی اهوارالعراق  جنوبا الی سفوح شامخ قممه شمالا، ومنذ ان تغنی انکيدو بانشودة الخلود وانطلق في بحثه عنه. وفي تمام الساعة الثامنة سيُطلق القطار(کان يُسمی القطار النازل) صافرته معلنا بدء رحلته الی البصرة، مرورا بالمحاويل والحلة والديوانية والسماوه ثم مفرق اور الی مدينتي الحبيبة، الناصرية.

بعد عودتي من شقلاوة وجدت الناصرية وقد اکتست حلة الفرح. کانت اللافتات تغطي شوارعها وصور قادة الثورة معلقة علی واجهات الحوانيت والمخازن ودوائر الدولة والمدارس والبيوت. وخلال الشهور الاولی التي تلت ثورة تموز المجيدة، کان يبدو ان الحزب الشيوعي يقف في الساحة بلا منازع وذلك من خلال تنظيماته التي افتتحت لها مقرات في المدينة ومنها اتحاد الطلبة الذي شغل موقع المکتبة العامة القديمة في شارع (الشط). وکانت هناك مقرات للشبيبة الديمقراطية واتحاد العمال ومقر للجمعيات الفلاحية ولرابطة المرأة العراقية ومقر مرموق لنقابة المعلمين. کانت العبارات التي تتردد في البيانات السياسية التي توزع قبل الثورة قد خُطت بحروف کبيرة والوان زاهية تطالعك اينما ذهبت الی وفي اي رکن اوشارع في المدينة. لم يکن هناك مکتب للحزب الشيوعي او اي حزب اخر، لان ذلك کان مرهونا باجازة تمنحها وزارة الداخلية وفق قانون سنه مجلس قيادة الثورة بعد اکثر من عامين.

تسبب الانزال الامريکي في بيروت والبريطاني في الاردن زيادة  في التوتر والخوف من المخربين والعملاء الذين يمکن ان يندسوا بين الجماهير ويسببوا الخراب والدمار، ذلك لان ما حصل للدکتور مصدق وحکومته في ايران عام 1953 مازال ماثلا في اذهان العراقيين، وخاصة اليساريين والشيوعيين منهم.. بدأ الشيوعيون تنظيم الخفارات الليلية ونقاط التفتيش. کما ظهرت لجان حماية الجمهورية لفرض الحراسة الشعبية للنقاط الحية والمرافق العامة في المدينة، مثل محطة القطار ومحطة الکهرباء ومحطة ضخ مياه الشرب والمستشفی وجسر المدينة وغيرها. بدأ البعض من الشباب يظهرون  وهم يحملون سلاحهم الخاص وقت نوبات العمل التطوعي الغير منسق مع قوی الامن والشرطة والجيش. وکان ذلك هو بداية ظهور التنظيم المسلح للحزب الشيوعي وما سمي فيما بعد المقاومة الشعبية. عاشت المدينة تلك الاجواء طيلة ما تبقی من شهور فصل الصيف.

وعند بدء العام الدراسي 1958/1959 شهدت المدينة فعاليات ونشاطات ثقافية بالغة الاهمية في مرکز المدينة وفي محيطها. ولعل من الملفت للنظر منها حملات مکافحة الامية للرجال والنساء والتوسع الهائل في فتح المدارس الابتدائية، حيت افتتحت المدرسة العدنانية للبنين وواحدة اخری للبنات ومدرسة قرطبة واعيد افتتاح مدرسة السيف باسم اخر لا اتذکره. کما افتتحت حول المدينة مدرسة السديناويه  ومدرسة 14 تموز ومدرسة الحکمة ومدرسة اريدو. کما اخذت مديرية التربية علی عاتقها مهمة لمکافحة الامية بين الجنود في حامية الناصرية. وتمَّ لهذا الغرض توظيف مؤقت لعدد کبير من طلبة السنة الثالثة في دار المعلمين لتنفيذ ذلك.

کان فؤاد الرکابي هو السياسي الوحيد الذي ينحدر اصلا من المدينة، واصبح عضوا في حکومة الثورة کوزير للاعمار وممثلا لحزب البعث. ولکن الحقيقة هي انه لم يکن هناك اي وجود جماهيري للحزب في المدينة، فعال وعلی مستوی الشارع . في اعتقادي کانت زيارة عبد السلام عارف للناصرية هي الحدث الذي اظهر وجود التنظيم بشکل علني في المدينة للمرة الاولی. ففي ذلك اليوم تجمع عدد  قليل من المتظاهرين بالقرب من مدخل بناء المتصرفية وکان اغلبهم وجوها غير مألوفة لانهم جاءوا من سوق الشيوخ. وبطبيعة الحال کان بينهم بعض الوجوه المعروفة من ابناء الناصرية. فاللافتة التي کـُتب عليها شعار (نفط العرب للعرب) کان يحملها فؤاد محمد السهل ورشيد جبار. واتذکر انني شاهدت عدنان جبار وذياب طاهر النغيمش وفيصل سبتي الذين زاملتهم  جميعا في المدرسة الابتدائية وهم اصلا من منطقة السيف عندما الحقت مدرسة السيف بالمدرسة الغربية. وکانوا معي ايضا في المرحلة المتوسطة. وحسب علمي فان فيصل سبتي هو البعثي الوحيد من طائفة الصابئة في الناصرية. وکان هناك تحسين السوز وغازي سيف، وبعض الشباب الاخرين الذين لا اعرف اسماءهم لکني اعرف انهم کانوا من العاملين في سوق الخياطين. ومن الاشياء التي لفتت انتباهي هو وجود بعض العاملين في جهاز الامن بين صفوف البعثيين، واتذکرمنهم مفوض الامن في المدينة واسمه عزيز السامرائي، وکذلك داخل علوان الخياط وهو شقيق ستار الخياط واخيه رزاق الخياط، کما انه خال کل من سالم وغانم  داود الخياط. الا ان اکبر مفاجأة لي کانت وجود السيد فاضل السيد راضي وهو يرتدي عمامته السوداء بين اولئك المتظاهرين، فالاعتقاد السائد ان رجال الدين والمعممين خاصة لا يتدخلون بامور السياسة. اعرف السيد فاضل جيدا فقد کان زميلي في المدرسة الابتدائية، وکذلك اعرف اخاه الاکبر السيد حميد، الذي کان لاعبا مرموقاً في فريق کرة القدم في المدرسة. ومن الجدير بالذکر ان الاثنين انقطعا عن الدراسة وذهبا الی النجف الاشرف من اجل مواصلة الدراسة الدينية. وعندما توفي السيد راضي واخوه، رحمهما الله، في نفس اليوم عاد السيد حميد الی الناصرية وهو يرتدي العمامة السوداء، وکذا أخوه السيد فاضل، وتولی شؤون الجامع وقيادة المؤمنين من رواده وقت الصلاة.

وعندما وقف عبد السلام عارف ليلقي خطبته المشهورة من نفس الشرفة التي خطب منها الملك فيصل الثاني قبل سنوات قليلة، دفعت الجماهيرذلك العدد القليل من البعثيين بعيدا عن مدخل المتصرفية. فتجمعوا  في الجهة الاخری من الشارع قرب مبنی البلدية وکانوا يرددون (الوحده، الوحده، يا جمال!) ولما اطلق عبد السلام عارف عبارته المشهورة (لا شرقيه ولا غربيه! جمهوريتنا خاکيه!) نسبة للخاکي وهو لون اللباس العسکري. تعالت اصوات البعثيين تردد (الوحده، الوحده، يا جمال!)، وهو شيء لم يعجب الشيوعيين الذين بدأوا يرددون تحديا لعارف (اتحاد فدرالي، صداقه سوفيتيه!). استمر عارف في خطبته التي لم تلق اذنا صاغية  لدی الجماهير الغاضبة الان، والتي هاجمت البعثين القلائل الذين فروا الی الشوارع المجاورة مخلفين وراءهم لافتتهم التي مُزقت بشکل مهين! سجلت تلك الزيارة في اعتقادي بداية الصراع للسيطرة علی الشارع والساحة السياسية في المدينة.

استمر تحکم الشيوعيين في الجماهير والمسيرات ومظاهرات التاييد منذ ذلك الحدث، وتعتبر احتفالات الاول من ايار من عام 1959 وهو عيد العمال تتوجيا لتلك السيطرة. ازدانت ساحات المدينة وشوارعها ومؤسساتها باعلام الجمهورية الجديدة واقواس النصر ومظاهرالفرح. سهرت الناصرية حتی الصباح، وهو شيء اعاد لذاکرتي مشاهد ليالي الطبگ وکيف کانت الجوگات تجوب المدينة ومنها جوگة عده بن شريده واخيه حودي بن شريده، وکيف انتهت مساهمتي فيها باضطراب المعده والتقيء عندما شاهدت موکب جوگة السيف (للقامه) التي تنطلق عادة من بيت  ابراهيم حمادي (ابو خليل زميلي من مدرسة السيف لدی دمجها بالغربية). اصبتُ بالاعياء والغثيان لدی مشاهدة الرجال يرتدون الاکفان البيضاء ويضربون رؤوسهم بالسيوف الدامية.

استمرت الاحتفالات طيلة اليوم وساهمت فيها مختلف النقابات والمنظمات والمدارس والفرق الموسيقية ووحدات من فرق (المقاومة الشعبية) وقطعات الجيش ووفود من الاقضية والنواحي. کانت بلا شك اکبر تظاهرة للحزب الشيوعي في تاريخ المدينة. وفي بغداد وقف الزعيم بصحبة بعض رجالات الثورة مثل فاضل عباس المهداوي وماجد محمد امين ووصفي طاهر ومصطفی طاهر البامرني وغيرهم، طيلة اربع وعشرين ساعة تقريبا علی منصة في شارع التحرير يحيون التظاهرات الکبيرة التي اعدها الحزب، والتي لم تشهد لها العاصمة مثيلا في تاريخها. وطرح لاول مرة مطلب الحزب للاشتراك رسميا وعلنيا في الحکومة، عندما بدات الجماهير تردد:

عاش الزعيم                      عبد الکريم

الحزب الشيوعي بالحکم        مطلب عظيم

ومن المعروف ان الزعيم لم يلتفت لمطالب الشيوعيين، وهذا ما تسبب في ظهور فکرة انسلاخ ناحية کميت في لواء العمارة من الجمهورية العراقية الفتية حيث قام اهلها بطلاء کل شيء باللون الاحمر، حتی جذوع اشجار النخيل في الساحة العامة وهتفوا علی سبيل النکتة: 

صار کميت جزو من السوفيت 

والمقصود هنا هو الاعلان عن ان کميت اصبحت جزء من اتحاد الجمهوريات الاشتراکية السوفياتية، تماما علی غرار ما يدور هذه الايام عن "جمهورية طويريج الاسلامية"!

 

وجدير بالذکر هنا ان انقل ما ابلغني به صديقي الاستاذ عبد العزيز الشيخ احمد العاني المعروف باسم (عزيز الشيخ) عضو اللجنة المرکزية للحزب الشيوعي العراقي حتی قيام شباط الاسود، والذي زاملته خلال فترة دراستي لنيل شهادة الماجستير بين الاعوام 1969-1972 وبقيت علی اتصال دائم به لحين هروبي من العراق عام 1976. ابلغني الاستاذ عزيزالشيخ انه لم يقابل الزعيم عبد الکريم شخصيا، وان ما کان يُشاع عن العلاقة الوثيقة بين الحزب الشيوعي والزعيم ليس لها نصيب من الصحة أو مبالغ فيها، في غالب الاحيان. وهو طبعا لم ينفِ وجود صداقة او علاقة عمل مع بعض الشيوعيين مثل ابراهيم کبة وعامر عبد الله. ومعروف انه حين بدأت الاحزاب السياسية في العمل علنا بعد حصولها علی موافقة وزارة الداخلية، لم يحصل الحزب الشيوعي علی الترخيص الرسمي المطلوب، بل اصبح  ذلك الترخيص من نصيب حزب "مسخ" اسسه شيوعي سابق اسمه داود الصائغ واطلق عليه اسم الحزب الشيوعي العراقي!

 

اشتد ساعد الحزب في مدينة الناصرية وفي اغلب مناطق العراق تدريجيا. ولأن الاصلاح الزراعي کان من اهداف ثورة 14 تموز،فقد کان طبيعيا ان يتصدرالحزب الشيوعي القوی السياسية التي طالبت وساندت ودافعت عن حقوق الفلاحين ووضع نهاية للنظام الاقطاعي الذي کان احد الاسس  التي قام عليها النظام الملکي. وبتأسيس الجمعيات الفلاحية وجد الحزب نفسه الحليف الطبيعي لها واصبحت الجمعيات واجهة له، في حين انضوی الاقطاعيون وابناؤهم تحت لواء حزب البعث. ففي الناصرية کان الشيخ نصر الله وولديه غالب وطالب، وکذا شيوخ الحصونة واولادهم عبد الأله وحسن وحسين وعبد الواحد. وفي الشطرة کان الشيخ خيون واولاده. وعلی مستوی العراق کان هناك حبيب الخيزران في بعقوبة واحمد عجيل الياور وعائلة کشموله في الموصل، وغيرهم. وکلما کان النشاط الفلاحي يزداد انتشارا کانت مقاومة الاقطاعيين وازلامهم تشتد وتصبح اکثر عنفا. وفي شهر حزيرن من عام 1959 سقط احد الفلاحين شهيدا برصاص واحد من ازلام الشيخ نصر الله. وقد ادی ذلك الحدث الی تجمع الجماهير الغاضبة في الشارع الذي يقع فيه بيت الشيخ مقابل جامع السيد راضي. وهتفت الجماهير بسقوط الاقطاع وطالبت الحکومة بمعاقبة المجرمين. لم يظهر الشيخ نصر الله ولا اي من ولديه. وانفضت الجماهير بعد ساعات دون حدوث اي تطورات مخلة بالامن.

 

برز الحزب الشيوعي الی الواجهة بقوة بعد محاولة اغتيال الزعيم عبد الکريم قاسم علی يد زمرة من البعثيين في خريف ذلك العام. طافت المظاهرات الصاخبة المدينة مساء ذلك اليوم عندما اعلن راديو بغداد عن المحاولة الاجرامية. ورغم شدة البرد في تلك الليلة فان العديد من الاعضاء والانصار والاصدقاء کانوا يتجمعون وينتقلون بين مقر اتحاد الطلبة ومقر الشبيبة واتحاد العمال ...الخ يتبادلون الاخبار والشائعات. ولم تهدأ الاوضاع الا بعد سماع صوت الزعيم من راديو بغداد يعلن انه بخير. وفي صباح اليوم التالي يبدو ان اوامر الحاکم العسکري العام قد وصلت الی الاجهزة الامنية في الناصرية. فتجمعت الجماهير عند مدخل التوقيف في سراي الناصرية تستقبل المعتقلين بالهتافات المعادية واحيانا الصفع والبصق وعبارات الاهانة. وقد شاهدت مع غيري من الناس بعض الاشخاص الذين اعرفهم مثل زميلي في الدراسة ذياب طاهر النغيمش وهو يُصفع بشدة علی وجهه. وکذا کان نصيب رشيد جبار وتحسين السوز وجبار زغير (المسمی جبار کنن احد جيراني وهو شاب کنت اقدره کثيرا. کان لاعبا مرموقا في فريق کرة القدم ويشغل موقع جناح اليسار لانه اعسم. اصبح جبار معلما فيما بعد وانظم للحرس القومي ثم انتقل الی بعقوبة عام 1965، علی ما اعتقد.) ولکن الذي ازعجني حقا هو مشاهدة احد اساتذتي يُصفع ويهان ويُجر من ربطة عنقه ويُمزق قميصه. کان الاستاذ سليم ذياب (اصلا من السويج) مختبأ في بناية القسم الداخلي لطلاب دار المعلمين. کان يدرسني اصول تدريس الرياضيات في السنة الثانية من دار المعلمين. وهو الاخ الاکبر لزملائي في الدراسة کاظم (صار مهندسا) وناظم (صار معلما) وعلاء (سافر الی يوغسلافيا في بعثة دراسية ولا اعرف اين هو الان). وکان صديقا لاستاذ آخر درسني الجغرافية هو شاکر محمود الامين. کان الاستاذ سليم ذياب وقتها قد تزوج حديثا من الاخت الوحيدة لشاکر الامين، وهي ماجدة الامين (صارت معلمة). وشاکر هو الاخ الاکبر لکل من کامل والشهيد خالد محمود الامين وکذلك وليد.

 

وقبلها فاجأنا الشواف بمؤامرته المعروفة. وعندما اعلن عن احباط المحاولة والقضاء علی من قام بها وساندها، بدات قوات الامن في الناصرية في اعتقال ما کان يعتقد انه بعثي او قومي. وکنت شاهدا علی مانال البعض منهم من الضرب والاهانة بشکل علني، مثلما حصل لذياب طاهر النغيمش ورشيد جبار وتحسين السوز عندما احضرهم رجال الامن الی مکتب الامن حوالي الظهر. کان البعض من الناس يلاحقون المعتقلين ويصفعونهم لان رجال الامن تعمدوا ان يمروا بهم في سوق المدينة وهم في طريقهم للسراي. ثم شاهدت الجماهير ترکض في شارع السوق واتجهت وتجمعت حول (فندق شريف) حيث تبين ان المتظاهرين کانوا يطاردون عدنان جبارالذي قيل انه صعد الی الفندق واحتمی هناك . استمر حصار الفندق الذي اغلقت ابوابه لاکثر من ساعة. وفجأة حضر المرحوم عبد الله ناصر، وهو خال عدنان جبار، وکان معه المرحوم عاجل کريم والمرحوم کاظم جواد محمد جعفر(کاظم العجمي)، صديقي الحبيب الذي توفاه الله في الغربة لاجئا في ايطاليا. واعتقد ان السيد نعمان السيد محمد وآخرين کانوا من ضمن من حضر المشهد. وبعد فترة من الصراخ والکلام والاقناع، انفضت الجماهير من مدخل الفندق. باعتقادي ان عدنان جبار کان محظوظا في تلك الساعة. کان يمکن ان يکون اول شخص يُسحل في الناصرية. لقد شاهدت اکثر من شخص يحمل في يديه حبلا ويلوح به. اختفی عدنان من المدينة ولم اسمع عنه الا بعد ثلاث سنوات عندما اصبح مسؤولا للحرس القومي في کرکوك بعد انقلاب شباط الاسود عام 1963.

 

وقد قيل ان محاولة مماثلة جرت في حامية الناصرية قام بها بعض الجنود وکاد ان يُقتل فيها ضابط من تکريت اسمه رشيد مطلگ، الذي اشيع عنه انه کان مؤيدا لمؤامرة الشواف. وقد القيت التهمة  لقيادة اولئك الجنود وتنظيم تلك المحاولة علی عاتق نائب ضابط شيوعي هو حميد مجيد رشيد. لم تثبت التهمة المذکورة علی حميد مجيد رشيد بعد ان امضی بعض الوقت في السجن وفـُصل من الخدمة العسکرية بسببها. وجدير بالذکر ان رشيد مطلگ اصبح حاکما عسکريا عاما بعد انقلاب شباط الاسود، الا انه تم اعدامه علی يد البعثيين فيما بعد لمساندته محاولة حردان التکريتي للسيطرة علی السلطة.

 

کانت احتفالات تموزعام 1959 وما رافقها من حوادث في مدينة کرکوك، والتي القيت علی عاتق الشيوعيين، نقطة التحول السياسي النوعي، رغم الادلة القاطعة علی ان منفذي تلك الجرائم کانوا ذوي طابع اثني، بمعنی کردي/ترکماني وليس شيوعي/ترکماني. الا ان  صوت الحقيقة قد ضاع وسط صراخ المتامرين الذي اقنعوا الزعيم عبد الکريم قاسم بالقصة الملفقة عن طريق عرض صور، ظهر فيما بعد انها زورت، لاطفال ونساء ذبحوا وعلقوا علی اعمدة خطوط الکهرباء. وکانت خطبة الزعيم في کنيسة مار يوسف في الکرادة الشرقية والتي اطلق فيها کلمة "فوضويين" بداية مأساة الشيوعيين في العراق. اصبحت هذه الکلمة مرادفا لاعضاء الحزب الشيوعي. وبدأت الصحف ذات الاتجاه اليميني وفي مقدمتها (الثورة) التي کان رئيس تحريرها يونس الطائي الذي کان يتباهی بعلاقته بالزعيم تنشر المقالات اليومية المتتابعة عن "الفوضويين وجرائمهم" في الموصل والبصرة وکرکوك وبغداد وغيرها من مدن العراق! وکانت تنشر کذلك براءات بعض الاشخاص من الحزب الشيوعي  والتي تبدأ عادة بـ "يتهمني البعض انني فوضوي ملحد من اعضاء الحزب الشيوعي  ....الخ." وكانت مثل هذه الممارسات تجري بضغط من اجهزة الامن لکسر شوکة الشيوعيين والتشهير بهم. وقد وجدت اذاعة "صوت العرب" ضالتها للتشهير بالنظام اعتمادا علی تقارير جريدة الثورة. ولعل الکثير من العراقيين يتذکرون القصة/النکتة  عن المناضلة العربية الشهيدة "حسنه ملص!" التي قتلها الشيوعيون في الموصل وعلقوا جثتها ومثلوا بها ابشع تمثيل!

 

توتر الموقف کثيرا بوصول عدد من البعثيين المبعدين الی الناصرية بعد فشل مؤامرة الشواف. ويبدو ان البعثيين في المدينة قد اشتد ساعدهم وصلب عودهم بظهور هؤلاء الاشخاص في شوارع المدينة ومقاهيها. کان من اهم المبعدين معلم من مدينة تکريت تم تعيينه في مدرسة اريدو واصبح فيما بعد دائم الحضور مع مدير التربية محسن توحله الذي جاء مُبعدا من الموصل. اسم هذا المعلم صلاح عمر علي التکريتي. کما حضر الی الناصرية مهندس مسيحي من الموصل اسمه فهمي روفا. وکانوا جميعا يترددون عصر کل يوم علی صيدلية مدحت الهاشمي، الذي جاء من بغداد وافتتح له صيدلية قرب الجامع الصغير. ومعروف ان فهمي روفا اصبح قائدا للحرس القومي في الناصرية بعد انقلاب شباط الاسود. وجدير بالذکر هنا ان اشير الی ان فهمي روفا هو شقيق الخائن منير روفا الذي هرب الی اسرائيل بطائرة الميغ العراقية. وکانت هذه اول مرة تضع امريکا يدها علی هذه الطائرة العسکرية السوفيتية الصنع. اما صلاح عمر علي فقد عاد الی بغداد وکان له دور بارز في انقلاب البعثيين الثاني يوم  30 تموز عام 1968 حيث ظهرعلی شاشة التلفزيون الی جانب صدام حسين لدی الاعلان عن اعتقال وابعاد عبد الرزاق النايف. اصبح صلاح عمر علي وزيرا للثقافة والاعلام ثم سفيرا في البرازيل  ثم مندوبا للعراق في الامم المتحدة. ولدی انشقاقه عن خط صدام حسين، لجأ صلاح عمر علي الی السويد وبقي فيها الی حين سقوط نظام صدام نتيجة الغزو ومن ثم الاحتلال الامريکي، وهو الآن عضو بارز في حزب اياد علاوي.

 

ازدادت جرأة البعثيين في التصدي للشيوعيين في الشوارع والمقاهي في سوق المدينة، حيث کانت تتعالی صيحات مثل "فوضوي" او "ابگع" لدی مرور احد الشيوعيين في الشارع او امام مقهی العروبة التي يتجمعون فيها وقت العصر بشکل خاص. وقد کان للمدعو السيد طاهر العلوچي دور بارز في قيادة شلة من الاشخاص للقيام بمثل هذه الممارسات. وقد انضم للجوقة تدريجيا عدد من الاشخاص الذين کانوا يتجمعون بين دکان السيد فاضل وصيدلية مجيد القطان. الا ان هؤلاء الجماعة کان ترکيزهم علی "الشيوعية والالحاد". وقد اصبحت واجهة صيدلية مجيد القطان معرضا لتعليق الفتاوی التي بدأ يتوالی صدورها من النجف عن الخطر المحدق بالدين والشريعة جراء وجود الخطر الشيوعي الذي يهدد کيان المجتمع الاسلامي! وفي اعتقادي ان بروز مثل هذا المنطق السياسي کان اعلانا لظهور حزب الدعوة لاول مرة في تاريخ المدينة.

 

وفي مقابل هذا الزخم من النشاط البعثي/القومي/الاسلامي/الشيعي بدأ النشاط الشيوعي ينحسر تدريجيا الی حد الاختفاء. لقد اغلقت کل التنظيمات التي کانت واجهة للحزب ابوابها. کما اظهر الشيوعيون سلوکا يدل علی الضعف ولا يحبذ المواجهة او التصادم مما شجع الاطراف الاخری علی المضي في اساليبها المهينة التي تلاحق الشيوعيين باستمرار. وقد لقيت تلك الاساليب الرعاية والشجيع والمساندة من اجهزة الامن والشرطة والمخابرات طيلة ما تبقی من فترة حکم الزعيم  عبد الکريم قاسم حتی استشهاده يوم التاسع من شباط عام 1963، حين بدأ الفصل الدموي الحقيقي الذي قاده حزب البعث والفصائل القومية لتصفية الشيوعيين واليساريين وانصارهم في طول البلاد وعرضها. لاشيء آلمني بقدر ما قام به البعثيون ومن ساندهم في تحويل المدارس والملاعب الرياضية الی معتقلات لسجن وتعذيب وقتل خيرة الشباب العراقي الذين کان لهم تاريخ مجيد في مقاومة الاستعمار. لا شك عندي ان الحزب المجرم قد وصل حقا الی السلطة بقطار امريکي وله هدف واحد فقط، وهو الثأر من کل المناضلين الذين قاوموا الاستعمار وقضوا علی النظام الملکي العميل في ثورة تموزعام  1958 وما سبقه ن الانتفاضات والحرکات الوطنية.