2. عن المکتبة العامة ومقاهي الناصرية
(الحلقة الثانية)
قبل ان تنتقل الی موقعها الکبير الجديد مقابل متصرفية الناصرية، وبجواردائرة البريد والبرق من جهة ودائرة البلدية من الجهة الاخری ، کانت المکتبة العامة تشغل دارا صغيرة تتألف من ثلاث غرف متوسطة الحجم وحمام صغير، وتقع بين بيت کامل عفره صاحب معمل الطابوق ونادي الضباط المطل علی شارع النهر (شارع الشط). کانت المکتبة المکان الذي يتردد عليه (المثقفون)، والطلبة ، خاصة وقت الامتحانات. بالمناسبة کانت المکتبة العامة وحديقة غازي وبستان زامل تعج بالطلبة وقت الامتحانات النهائية وامتحانات البکالوريا، وکانت فرصة لا تعوض لتوزيع البيانات السياسية. من أين جاءت تسمية الامتحانات التي تجری عادة في نهاية المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية والتي يُطلق عليها البکالوريا؟ کان الجواب الشائع ان ولدا اسمه (لوريا) بکی لصعوبة الامتحانات. واذکر ان حديثا من هذا النوع قد استقطب نقاشا عن استحالة ان يکون لوريا هذا طالبا في کل المراحل في نفس الوقت! وتساءل احدهم ان کان يمکن تسميتها (بکتلورية) اذا کان الباکي فتاة وليس ولدا!
کان المدير المُنتدب لادارة المکتبة عندما زرتها لاول مرة وانا طالبا في المرحلة المتوسطة هو الاستاذ علي عبد الطالب، الذي درسني التاريخ والجغرافية في صفي الخامس والسادس في مدرسة الملك فيصل الاول الابتدائية. انتقل الاستاذ علي عبد الطالب بعد الثورة الی بغداد، وانتقلت المکتبة الی موقعها الجديد وتولی ادارتها معلم انتقل الی الناصرية من قلعة سکر، علی ما اعتقد، وکان يُسمی (حجي مکتبة! شاهدته مرة يرتدي ملابس الحرس القومي بعد شباط الاسود). لا ادري ما حلَّ به بعد ذلك عند تقاعده. أصبح صبري حامد مديرا للمکتبة. وهو الاخ الاکبرلناظم حامد (موظف في دائرة النفوس) وخالد حامد (معلم زاملني في مرحلة دار المعلمين الابتدائية) وحسين حامد (الملقب ابو علي مدرس رياضة). کان المدير الجديد من شلة المثقفين ويتردد علی محل صديقه رشيد المصور. لا اعتقد انه کان يساريا او اي شيء من هذا القبيل. وکانت لصبري حامد واخوته اخت واحدة وکان والدهم يعمل سائقا في مديرية الاشغال في الناصرية.
من المعروف ان بعض المقاهي في الناصرية لعبت دور المکتبة العامة لکثير من (المثقفين) حيث کانوا يلتقون فيها ليناقشوا بحماس آخر ما قرأوا او کتبوا. وفي وسط الخمسينات کان من اهمها مقهی التجار الواقعة عند تقاطع شارع سوق السراي مع شارع الجامع الصغير. وکانت قبالة مخزن السيد علي المغازچي من جهة وفندق الرحاب ومخزن السيد مجيد ومخزن خورشيد من الجهة الاخری. والی جانبها کان مخزن خيري عباس (اصبح فيما بعد معلما) ومخرن احمد النواس الذي کان المطرب المرحوم داخل حسن دائم التردد عليه. کانت المقهی تقع تحت فندق دجلة الذي کان يشغل الطابق الثاني. وامتازت بفرش السجاجيد علی (التخوت) بدلا من (الحصران) کما هي العادة في المقاهي الاخری. وکانت هذه المقهی تخضع لمراقبة رجال الأمن الذين يترددون عليها لأغراض معروفة. وفي شارع الحدادين (يُسمی عادة الحداحده) تقع مقهی اخری يملکها شخص عُرف انه شيوعي وهي مقهی عزران الملقب (أبو ساهرة). وهو عم حامد سمير وعبد الحسين (الملقب اسود) وممدوح (الذي کان يعتقد انه يشبه عبد الحليم حافظ!) وعلي سمير. کانت المقهی قريبة من المدخل الشرقي لسوق الحبوب المسمی (السِّيف). وبطبيعة الحال کانت هذه المقهی هي الأخری تحت رقابة رجال الامن طيلة الوقت. الا ان ذلك لم يمنع بعض الشباب والمثقفين من التردد عليها. وذلك قد يکون له دافع هو حبهم ان يتحدوا السلطة، والاعلان عن هويتهم السياسية بشيء من العناد واحيانا العفوية.
وبطبيعة الحال کان هناك الکثير من المقاهي التي ارتادها (المثقفون) وخدمت اغراضا اخری الی جانب غرضها الاساسي. لعل من اهمها (مقهی شنين) ومقهی اخيه (مقهي حبيب) الواقعتين مقابل الرکن الشمالي لبناية السراي. وعُرف عن هاتين المقهيين انهما کانتا المکان الذي يرتاده مدخنو النارگيله وعشاق غناء ام کلثوم خاصة للاستماع اليها وهي تشدو الحانها العذبة التي کانت تُذاع علی مدار ساعات عمل المقهيين. اعتقد ان بداية استخدام جهاز التسجيل الصوتي لأول مرة في الناصرية کانت في مقهی شنين. وکان شنين يقوم بتسجيل اغاني ام کلثوم من راديو القاهرة عندما کانت تحيي حفلاتها الشهرية في احدی قاعات الفن، وتنقلها محطة الاذاعة علی الهواء مباشرة. کان البعض من العرب الاثرياء وخاصة السعوديين والخليجيين المحبين لفن ام کلثوم يسافرون الی القاهرة لحضور تلك الحفلات. لا اعرف ان کان احد ما من الناصرية قد سافر الی القاهرة لهذا الغرض، ويمکنني الجزم ان ذلك لم يحدث اطلاقا.
کان شنين عبد الله زميلي في الدراسة طيلة المرحلة الابتدائية في مدرسة الغربية والتي تغيراسمها الی مدرسة الملك فيصل الاول عندما اُدمجت بها مدرسة السِّيف وانتقلت من موقعها الاصلي عند تقاطع شارع الهوا وشارع الجامع الکبير الی بناية اخری قرب معمل طحين وماکنة ثلج طوبيا في منطقة السِّيف. کان شنين ضمن فريق الکرة الطائرة، کما مثـَّل المدرسة في سباق الموانع لعدد من السنوات خلال ما کان يسمی الاستعراض الرياضي لمدارس اللواء في مطلع شهر نيسان من کل عام. اعتقد ايضا انه شغل موقع حامي الهدف لفريق کرة القدم بعض الوقت. تفرَّغ شنين للعمل الحر مع والده واخيه حبيب وترك الدراسة بعد اکمال المرحلة الابتدائية.
وافتتحت مقهی اخری لمنافسة مقهی شنين ومقهی حبيب في اذاعة اغاني ام کلثوم، وتبعد بضع خطوات عنهما، اي بجانب معمل صمون عزيز الموصلي وضمن البناء الذي کان يملکه عبد الحميد السوز(ابو تحسين الذي صار من البعثيين بعد الثورة ولبس بدلة الحرس القومي، وهو أيضاً ابو اقبال التي هويتها في احلامي وصارت معلمة فيما بعد. وکان لهما اخ اصغر اسمه سليم درَّسته عندما کنت معلما في مدرسة الجمهورية عام 1960 ). کان اسم صاحب تلك المقهی هو سعدون واتذکر جيدا ان رواد المقهی کانوا اقل من رواد مقهی شنين أو حبيب. وهي كانت مقابل تورنة حسن افندي (ابو ضياء) الذي کان عمله الاصلي اصلاح (الپنچرات) وکراء الدراجات الهوائية. کان ابو ضياء (اصبح ضياء معلما) مُتميزا بلبس السدارة العثمانية، وکان بادي الغضب دائما ويردد عبارة (ابن الزفره) بمناسبة وبغير مناسبة! کان له ابنان اضافة الی ضياء وهما رياض ولا اتذکر اسم الابن الثالث. وکانت له ثلاث بنات کن من اول الفتيات السافرات في المدينة. وکان معروفا عنهن لياقتهن البدنية العالية في رياضة (الجمناستك). اصبحت اکبرهن معلمة، وتزوجت ضابطا من خارج المدينة (اعتقد ان اسمه غضبان).
وفي الجانب الاخر من الشارع کانت تقع ( مقهی تمُّول) وفوقها (فندق تمـُّول) وهي بجانب مخزن (وديع ابو العرگ)، وهو محل لبيع المشروبات الروحية، وکذلك محل محمد السوري ( ابو الدوندرمه) وهو مکان صغير لبيع المرطبات صيفا و(الزلابية والبقلاوه) في شهر رمضان. اعتقد انه کان فلسطينيا وادعی انه من سوريا لاسباب لا يعرفها الا الله! کانت مقهی تمـُّول هادئه ليس فيها جهاز تسجيل ولا حتی راديو! وکانت ايضا تقدم النارگيله لروادها، وتستخدم السجاجيد علی (التخوت) في داخل المقهی فقط، وليس علی تلك التي تصطف علی جانب الطريق. کان ابن صاحب المقهی والفندق، واسمه مکي تمُّول، زميلا لي في الدراسة خلال السنوات الثلاث الاخيرة من المرحلة الابتدائية. عرفت مکي عندما کنت طالبا في الصف الرابع الابتدائي وقت ادمجت المدرسة الغربية بمدرسة السيف واصبح اسمها مدرسة الملك فيصل الاول کما اسلفت. كان مكي يساعد والده في ادارة الفندق، ولا اتذکر انه عمل في خدمة الزبائن في المقهی. کان مکي من الطلاب الاکبر سنا في الصف، والذين يحتلون عادة المقاعد الخلفية ولا يقومون باداء الواجبات المدرسية المنزلية! کان هو وآخرون دائمي الحضور لمکتب معاون المدرسة المرحوم مجيد وحيد الذي کام معروفا بشدته. کان الاستاذ علي الشبيبي، معلم اللغة العربية، هو الذي يرسلهم بمعية مراقب الصف، الا ان الاستاذ کريم خضير، معلم الرياضة، کان يحضر للنجدة وقت ساعة العقاب! کان مکي شخصاً طيباً ولطيفاً للغاية، وکان من ضمن فريق المدرسة لکرة قدم. الا انه لم يکن لاعبا مرموقا، وکان يدخن بشکل سري! لا اعتقد ان مکي واصل دراسته، بل اکتفی بالحصول علی وظيفة (جابي) في احدی حافلات مؤسسة نقل الرکاب بعد ان اکمل الخدمة العسکرية الالزامية.
وليس بعيدا عن مقهی حبيب کانت هناك مقهی للخبازين لا اتذکر اسم صاحبها، کما کانت هناك مقهی لعمال البناء وصاحبها مرزا وکانت تقع مقابل مخزن عزيز الموصلي بجانب مکتبة جبر المسماة مکتبة الاهالي ومعمل (شکرات) عبد الله. وفي الجهة الثانية من الشارع کانت تقابلها مقهي کاظم شکير التي کانت بين مخزن عزيز الموصلي من جهة ومعمل خورشيد للکعك ومحل هليِّل (ابو الکاهي) ومحل عباس الملقب (عباس دانه) من الجهة الاخری. ولعباس دانه هذا قصة سمعتها من الوالد المرحوم، حيث اصيب بشظايا قنبرة القتها طائرات النظام الملکي علی منطقة سوق المدينة في احداث عام 1941، بعد اغتيال احد ضباط الجيش البريطاني في الناصرية. وتسببت تلك الاصابة في تشويه يده اليمنی وعجزها. کما تم اعدام الشخص الذي قيل انه قام بمحاولة الاغتيال، لکني لا اتذکر اسمه. انتقلت مقهی کاظم شکيربعد ذلك الی موقع اخرکان فارغا لوقت طويل عندما اغلقت صيدلية اللواء التي تقع ضمن بناية الجامع الکبيرمقابل السراي في بداية الخمسينات. كان موظفو السراي والادارة المحلية يشکلون غالبية الزبائن الذين يترددون علی مقهی کاظم شکير. ولکاظم شکيرهذا ابن بالتبني اسمه زيد، وکان زيد شابا في منتهی الادب والاخلاق والعناية بهندامه. اعتقد انه امتهن التعليم.
وتحت فندق الرحاب کانت توجد مقهی الرحاب في البناية التي يملکها کاظم العضاض والد صديقي منذ ايام الدراسة کامل كاظم العضاض (من ابناءه ايضا جواد وعلي وليث وبنت واحده اسمها فاطمة، علی ما اعتقد). کانت تلك المقهی محلا لتجمع القرويين الذين يجلبون مرضاهم لزيارة عيادات الاطباء الخاصة المتواجدة في ذلك الشارع و کذلك في شارع الجامع الصغير المجاور. کما کان يتجمع فيها المسافرون الذين ينتظرون دورهم لرکوب الپاصات المتوجهة الی بغداد، والذي ينظمه (مکتب نقليات الفرات). وفي القاطع التالي من سوق السراي کانت توجد مقهی کبيرة بجانب محل (احذية باتا) الذي کان يملکه عزيز الطحان. وعزيز الطحان هذا کان صاحب المبنی الذي شغلته مدرسة الملك فيصل الاول، علی ما اعتقد. وفي القاطع التالي کانت توجد مقهی کبيرة مقابل الباب الرئيسي للسيف (سوق بيع الحبوب) يملکها حسن (أبو ظاهر). کان ظاهر طالبا في مدرستي ولاعبا في فريق کرة القدم. الا انه هو الآخر لم يوفق في حياته، فترك المدرسة وتشرد فکان يعيش علی بيع دمه لمستشفی الناصرية! وتتوسط مقهی حسن، التي کان يرتادها الجنود بشکل خاص، ما بين مطعم صاحب الکببچي (مطعم ابو ناجي) ومطعم سبيتي (ابو الپاچه). وغالبا ما ينتقل الزبائن الذين انهوا وجباتهم من الکباب او الپاچه الی تلك المقهی للاستمتاع بشرب الشاي ومراقّبة الجميلات اللواتي کنَّ يترددن علی مخزن (ابو عوني) ومخزن السيد ناصر لشراء الملابس والحاجات النسائية، او المتوجهات منهن الی سوق القماش في القيصرية. وفي زاوية هذا القاطع من السوق کان يوجد دکان صغيرمشهور لبيع (التمروالراشي) اسم صاحبه ميرزاز کنا نتردد عليه في امسيات الشتاء الباردة خاصة، نحن مجموعة الاصدقاء المکونة من ماجد الجنابي وکتاب سعدون والمرحوم جواد کاظم السنجري والمرحوم السيد حميد اليعقوبي وعبد الحسين چولان، وعبد الواحد جبرقبل انتقاله الی الشطرة للعمل في احدی مدارسها.
وفي داخل القيصرية الجديدة کانت هناك مقهی تقدم خدماتها للخياطين والقماشين (القماميش کما يسميها العامة) وفي مدخل القيصرية القديمة الشرقي کانت توجد مقهی کاظم (ابو جواد) التي تخدم اصحاب وزبائن الندافين (النداديف کما يسميها العامة). وجواد هذا کان زميلي في المدرسة الابتدائية والمتوسطة. عمل بعد ذلك موظفاً في الادارة المحلية. كان جواد وابن خاله حامد عزيزيعملان في المقهی بعد انقضاء اليوم الدراسي ووقت العطل. وعندما انتقلنا الی المرحلة المتوسطة بدأ حامد عزيز يعمل في مخزن السيد علي وحصل بعد ذلك علی وظيفة في الادارة المحلية وکان من المعتقلين معي في ثکنة الخيالة بعد شباط الاسود. اما جواد فاصبح هو الاخر موظفا في الادارة المحلية بعد ان ادی الخدمة العسکرية لعدم اکماله الدراسة. ولجواد اخ اسمه ماجد احترف التعليم وکان ذا اتجاه يساري. لا اعرف بالضبط ان کان قد انضم الی الحزب، ولکني لا اتذکر انه سُجن بعد انقلاب شباط.
وعندما تعبر شارع الهوا متجها الی باب الشطرة تطالعك في نهاية الشارع تقريبا الي اليمين مقهی کبيرة هي مقهی (عليوي الاقچم) وهو والد جبار وشاکر وستار. کان ستار زميلي في المدرسة الغربية ولعب کحامي هدف للمدرسة. ترك المدرسة وأدی الخدمة العسکرية ثم حصل علی وظيفة قاطع تذاکرفي پاصات نقل الرکاب في المدينة. اما جبار، فقد افتتح له مخزنا مقابل محل عدنان الحاج احمد الحلاق، فيما بقي شاکر يعمل في المقهی مع والده واستمر في ادارتها بعد ان انتقل عليوي الاقچم الی رحمة الله. کانت هذه المقهی بالقرب من قيصرية القصابين (الگصاصيب) وتقدم خدماتها لبائعي الخضروات في (سوگ الخضَّاره). کانت المقهی تزدحم بروادها وقت الصباح وکان يتوقف فيها القرويون الذين يفدون علی المدينة لشتی الاغراض الا انها کانت تزدحم بروادها من ابناء المدينة والجنود خاصة صباح يوم الجمعة. کانت مقهی عليوي الاقچم مشهورة بجودة (شربت البرتقال) الذي تقدمه للزبائن وقت الصيف. لعله سر المهنة الذي احتفظ به ابو جبار لنفسه طيلة حياته، ولا ادري اذا کان ابنه شاکر قد وقف علی حقيقة ذلك السر!
وفي الطرف الشرقي للمدينة وفي سوق باب الشطرة وقريبا من الصفاة کانت هناك مقهی اخری ذات طابع مختلف من الناحية الفنية، اذا ما قورنت بمقاهی شنين واخيه حبيب وسعدون التي مرَّ ذکرها! کانت تلك المقهی هي المکان الذي يرتاده عشاق الغناء الريفي. فاذا کنت من المعجبين بغناء خضير حسن الملقب (خضير حسن ناصريه والذي کان اصلا بائع لبن متجول) وحضيري ابو عزيز (شرطي سابقا) وناصر حکيم ومسعود العمارتلي، وعبد الامير الطويرجاوي وصديقه الملايه وزهور حسين، وطبعا داخل حسن (ابو کاظم)، فأن (مقهی عبد الله ابو العود) هي المکان الذي يجب ان تذهب اليه لتستمع بروائع اولئك المطربين والمطربات الذين رفدوا الفن العراقي بالصوت الاصيل والکلمة الرقيقة لغراميات العشاق في الجنوب العراقي.
کان يوجد في المدينة عدد اخر من المقاهي الصغيرة لعل اهمها مقهی کريم قاسم مقابل سينما الاندلس الشتوية الی جانب المدخل الشرقي لحمام (ابو ليره). وکانت المقهی تقدم الشاي العادي لزبائن السينما، کما کانت تقدم (شاي الدارسين) للاشخاص الذين اکملوا لتوهم زيارة الحمام خاصة في فصل الشتاء، وبالذات اذا کانوا قد خضعوا لعملية تدليك قام بها "المدلکچي" المعروف (حسين جنـِّي). کما کانت (للمطيرچيه) مقهی صغيرة خاصة بهم يلتقون فيها عادة وقت المساء ولم تکن بعيدة عن مقهی (ابو العود). کانت تقعِ عند المدخل الشمالي للصفاة.
اصبح للمقاهي دور رئيسي في الوضع السياسي لمدينة الناصرية بعد ثورة 14 تموز المجيدة عام 1958، حيث اصبحت (گازينو الشبيبة) محلا لالتقاء الشيوعيين واليساريين والوطنيين بشکل عام، فيما کان ال
2. عن المکتبة العامة ومقاهي الناصرية
(الحلقة الثانية)
قبل ان تنتقل الی موقعها الکبير الجديد مقابل متصرفية الناصرية، وبجواردائرة البريد والبرق من جهة ودائرة البلدية من الجهة الاخری ، کانت المکتبة العامة تشغل دارا صغيرة تتألف من ثلاث غرف متوسطة الحجم وحمام صغير، وتقع بين بيت کامل عفره صاحب معمل الطابوق ونادي الضباط المطل علی شارع النهر (شارع الشط). کانت المکتبة المکان الذي يتردد عليه (المثقفون)، والطلبة ، خاصة وقت الامتحانات. بالمناسبة کانت المکتبة العامة وحديقة غازي وبستان زامل تعج بالطلبة وقت الامتحانات النهائية وامتحانات البکالوريا، وکانت فرصة لا تعوض لتوزيع البيانات السياسية. من أين جاءت تسمية الامتحانات التي تجری عادة في نهاية المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية والتي يُطلق عليها البکالوريا؟ کان الجواب الشائع ان ولدا اسمه (لوريا) بکی لصعوبة الامتحانات. واذکر ان حديثا من هذا النوع قد استقطب نقاشا عن استحالة ان يکون لوريا هذا طالبا في کل المراحل في نفس الوقت! وتساءل احدهم ان کان يمکن تسميتها (بکتلورية) اذا کان الباکي فتاة وليس ولدا!
کان المدير المُنتدب لادارة المکتبة عندما زرتها لاول مرة وانا طالبا في المرحلة المتوسطة هو الاستاذ علي عبد الطالب، الذي درسني التاريخ والجغرافية في صفي الخامس والسادس في مدرسة الملك فيصل الاول الابتدائية. انتقل الاستاذ علي عبد الطالب بعد الثورة الی بغداد، وانتقلت المکتبة الی موقعها الجديد وتولی ادارتها معلم انتقل الی الناصرية من قلعة سکر، علی ما اعتقد، وکان يُسمی (حجي مکتبة! شاهدته مرة يرتدي ملابس الحرس القومي بعد شباط الاسود). لا ادري ما حلَّ به بعد ذلك عند تقاعده. أصبح صبري حامد مديرا للمکتبة. وهو الاخ الاکبرلناظم حامد (موظف في دائرة النفوس) وخالد حامد (معلم زاملني في مرحلة دار المعلمين الابتدائية) وحسين حامد (الملقب ابو علي مدرس رياضة). کان المدير الجديد من شلة المثقفين ويتردد علی محل صديقه رشيد المصور. لا اعتقد انه کان يساريا او اي شيء من هذا القبيل. وکانت لصبري حامد واخوته اخت واحدة وکان والدهم يعمل سائقا في مديرية الاشغال في الناصرية.
من المعروف ان بعض المقاهي في الناصرية لعبت دور المکتبة العامة لکثير من (المثقفين) حيث کانوا يلتقون فيها ليناقشوا بحماس آخر ما قرأوا او کتبوا. وفي وسط الخمسينات کان من اهمها مقهی التجار الواقعة عند تقاطع شارع سوق السراي مع شارع الجامع الصغير. وکانت قبالة مخزن السيد علي المغازچي من جهة وفندق الرحاب ومخزن السيد مجيد ومخزن خورشيد من الجهة الاخری. والی جانبها کان مخزن خيري عباس (اصبح فيما بعد معلما) ومخرن احمد النواس الذي کان المطرب المرحوم داخل حسن دائم التردد عليه. کانت المقهی تقع تحت فندق دجلة الذي کان يشغل الطابق الثاني. وامتازت بفرش السجاجيد علی (التخوت) بدلا من (الحصران) کما هي العادة في المقاهي الاخری. وکانت هذه المقهی تخضع لمراقبة رجال الأمن الذين يترددون عليها لأغراض معروفة. وفي شارع الحدادين (يُسمی عادة الحداحده) تقع مقهی اخری يملکها شخص عُرف انه شيوعي وهي مقهی عزران الملقب (أبو ساهرة). وهو عم حامد سمير وعبد الحسين (الملقب اسود) وممدوح (الذي کان يعتقد انه يشبه عبد الحليم حافظ!) وعلي سمير. کانت المقهی قريبة من المدخل الشرقي لسوق الحبوب المسمی (السِّيف). وبطبيعة الحال کانت هذه المقهی هي الأخری تحت رقابة رجال الامن طيلة الوقت. الا ان ذلك لم يمنع بعض الشباب والمثقفين من التردد عليها. وذلك قد يکون له دافع هو حبهم ان يتحدوا السلطة، والاعلان عن هويتهم السياسية بشيء من العناد واحيانا العفوية.
وبطبيعة الحال کان هناك الکثير من المقاهي التي ارتادها (المثقفون) وخدمت اغراضا اخری الی جانب غرضها الاساسي. لعل من اهمها (مقهی شنين) ومقهی اخيه (مقهي حبيب) الواقعتين مقابل الرکن الشمالي لبناية السراي. وعُرف عن هاتين المقهيين انهما کانتا المکان الذي يرتاده مدخنو النارگيله وعشاق غناء ام کلثوم خاصة للاستماع اليها وهي تشدو الحانها العذبة التي کانت تُذاع علی مدار ساعات عمل المقهيين. اعتقد ان بداية استخدام جهاز التسجيل الصوتي لأول مرة في الناصرية کانت في مقهی شنين. وکان شنين يقوم بتسجيل اغاني ام کلثوم من راديو القاهرة عندما کانت تحيي حفلاتها الشهرية في احدی قاعات الفن، وتنقلها محطة الاذاعة علی الهواء مباشرة. کان البعض من العرب الاثرياء وخاصة السعوديين والخليجيين المحبين لفن ام کلثوم يسافرون الی القاهرة لحضور تلك الحفلات. لا اعرف ان کان احد ما من الناصرية قد سافر الی القاهرة لهذا الغرض، ويمکنني الجزم ان ذلك لم يحدث اطلاقا.
کان شنين عبد الله زميلي في الدراسة طيلة المرحلة الابتدائية في مدرسة الغربية والتي تغيراسمها الی مدرسة الملك فيصل الاول عندما اُدمجت بها مدرسة السِّيف وانتقلت من موقعها الاصلي عند تقاطع شارع الهوا وشارع الجامع الکبير الی بناية اخری قرب معمل طحين وماکنة ثلج طوبيا في منطقة السِّيف. کان شنين ضمن فريق الکرة الطائرة، کما مثـَّل المدرسة في سباق الموانع لعدد من السنوات خلال ما کان يسمی الاستعراض الرياضي لمدارس اللواء في مطلع شهر نيسان من کل عام. اعتقد ايضا انه شغل موقع حامي الهدف لفريق کرة القدم بعض الوقت. تفرَّغ شنين للعمل الحر مع والده واخيه حبيب وترك الدراسة بعد اکمال المرحلة الابتدائية.
وافتتحت مقهی اخری لمنافسة مقهی شنين ومقهی حبيب في اذاعة اغاني ام کلثوم، وتبعد بضع خطوات عنهما، اي بجانب معمل صمون عزيز الموصلي وضمن البناء الذي کان يملکه عبد الحميد السوز(ابو تحسين الذي صار من البعثيين بعد الثورة ولبس بدلة الحرس القومي، وهو أيضاً ابو اقبال التي هويتها في احلامي وصارت معلمة فيما بعد. وکان لهما اخ اصغر اسمه سليم درَّسته عندما کنت معلما في مدرسة الجمهورية عام 1960 ). کان اسم صاحب تلك المقهی هو سعدون واتذکر جيدا ان رواد المقهی کانوا اقل من رواد مقهی شنين أو حبيب. وهي كانت مقابل تورنة حسن افندي (ابو ضياء) الذي کان عمله الاصلي اصلاح (الپنچرات) وکراء الدراجات الهوائية. کان ابو ضياء (اصبح ضياء معلما) مُتميزا بلبس السدارة العثمانية، وکان بادي الغضب دائما ويردد عبارة (ابن الزفره) بمناسبة وبغير مناسبة! کان له ابنان اضافة الی ضياء وهما رياض ولا اتذکر اسم الابن الثالث. وکانت له ثلاث بنات کن من اول الفتيات السافرات في المدينة. وکان معروفا عنهن لياقتهن البدنية العالية في رياضة (الجمناستك). اصبحت اکبرهن معلمة، وتزوجت ضابطا من خارج المدينة (اعتقد ان اسمه غضبان).
وفي الجانب الاخر من الشارع کانت تقع ( مقهی تمُّول) وفوقها (فندق تمـُّول) وهي بجانب مخزن (وديع ابو العرگ)، وهو محل لبيع المشروبات الروحية، وکذلك محل محمد السوري ( ابو الدوندرمه) وهو مکان صغير لبيع المرطبات صيفا و(الزلابية والبقلاوه) في شهر رمضان. اعتقد انه کان فلسطينيا وادعی انه من سوريا لاسباب لا يعرفها الا الله! کانت مقهی تمـُّول هادئه ليس فيها جهاز تسجيل ولا حتی راديو! وکانت ايضا تقدم النارگيله لروادها، وتستخدم السجاجيد علی (التخوت) في داخل المقهی فقط، وليس علی تلك التي تصطف علی جانب الطريق. کان ابن صاحب المقهی والفندق، واسمه مکي تمُّول، زميلا لي في الدراسة خلال السنوات الثلاث الاخيرة من المرحلة الابتدائية. عرفت مکي عندما کنت طالبا في الصف الرابع الابتدائي وقت ادمجت المدرسة الغربية بمدرسة السيف واصبح اسمها مدرسة الملك فيصل الاول کما اسلفت. كان مكي يساعد والده في ادارة الفندق، ولا اتذکر انه عمل في خدمة الزبائن في المقهی. کان مکي من الطلاب الاکبر سنا في الصف، والذين يحتلون عادة المقاعد الخلفية ولا يقومون باداء الواجبات المدرسية المنزلية! کان هو وآخرون دائمي الحضور لمکتب معاون المدرسة المرحوم مجيد وحيد الذي کام معروفا بشدته. کان الاستاذ علي الشبيبي، معلم اللغة العربية، هو الذي يرسلهم بمعية مراقب الصف، الا ان الاستاذ کريم خضير، معلم الرياضة، کان يحضر للنجدة وقت ساعة العقاب! کان مکي شخصاً طيباً ولطيفاً للغاية، وکان من ضمن فريق المدرسة لکرة قدم. الا انه لم يکن لاعبا مرموقا، وکان يدخن بشکل سري! لا اعتقد ان مکي واصل دراسته، بل اکتفی بالحصول علی وظيفة (جابي) في احدی حافلات مؤسسة نقل الرکاب بعد ان اکمل الخدمة العسکرية الالزامية.
وليس بعيدا عن مقهی حبيب کانت هناك مقهی للخبازين لا اتذکر اسم صاحبها، کما کانت هناك مقهی لعمال البناء وصاحبها مرزا وکانت تقع مقابل مخزن عزيز الموصلي بجانب مکتبة جبر المسماة مکتبة الاهالي ومعمل (شکرات) عبد الله. وفي الجهة الثانية من الشارع کانت تقابلها مقهي کاظم شکير التي کانت بين مخزن عزيز الموصلي من جهة ومعمل خورشيد للکعك ومحل هليِّل (ابو الکاهي) ومحل عباس الملقب (عباس دانه) من الجهة الاخری. ولعباس دانه هذا قصة سمعتها من الوالد المرحوم، حيث اصيب بشظايا قنبرة القتها طائرات النظام الملکي علی منطقة سوق المدينة في احداث عام 1941، بعد اغتيال احد ضباط الجيش البريطاني في الناصرية. وتسببت تلك الاصابة في تشويه يده اليمنی وعجزها. کما تم اعدام الشخص الذي قيل انه قام بمحاولة الاغتيال، لکني لا اتذکر اسمه. انتقلت مقهی کاظم شکيربعد ذلك الی موقع اخرکان فارغا لوقت طويل عندما اغلقت صيدلية اللواء التي تقع ضمن بناية الجامع الکبيرمقابل السراي في بداية الخمسينات. كان موظفو السراي والادارة المحلية يشکلون غالبية الزبائن الذين يترددون علی مقهی کاظم شکير. ولکاظم شکيرهذا ابن بالتبني اسمه زيد، وکان زيد شابا في منتهی الادب والاخلاق والعناية بهندامه. اعتقد انه امتهن التعليم.
وتحت فندق الرحاب کانت توجد مقهی الرحاب في البناية التي يملکها کاظم العضاض والد صديقي منذ ايام الدراسة کامل كاظم العضاض (من ابناءه ايضا جواد وعلي وليث وبنت واحده اسمها فاطمة، علی ما اعتقد). کانت تلك المقهی محلا لتجمع القرويين الذين يجلبون مرضاهم لزيارة عيادات الاطباء الخاصة المتواجدة في ذلك الشارع و کذلك في شارع الجامع الصغير المجاور. کما کان يتجمع فيها المسافرون الذين ينتظرون دورهم لرکوب الپاصات المتوجهة الی بغداد، والذي ينظمه (مکتب نقليات الفرات). وفي القاطع التالي من سوق السراي کانت توجد مقهی کبيرة بجانب محل (احذية باتا) الذي کان يملکه عزيز الطحان. وعزيز الطحان هذا کان صاحب المبنی الذي شغلته مدرسة الملك فيصل الاول، علی ما اعتقد. وفي القاطع التالي کانت توجد مقهی کبيرة مقابل الباب الرئيسي للسيف (سوق بيع الحبوب) يملکها حسن (أبو ظاهر). کان ظاهر طالبا في مدرستي ولاعبا في فريق کرة القدم. الا انه هو الآخر لم يوفق في حياته، فترك المدرسة وتشرد فکان يعيش علی بيع دمه لمستشفی الناصرية! وتتوسط مقهی حسن، التي کان يرتادها الجنود بشکل خاص، ما بين مطعم صاحب الکببچي (مطعم ابو ناجي) ومطعم سبيتي (ابو الپاچه). وغالبا ما ينتقل الزبائن الذين انهوا وجباتهم من الکباب او الپاچه الی تلك المقهی للاستمتاع بشرب الشاي ومراقّبة الجميلات اللواتي کنَّ يترددن علی مخزن (ابو عوني) ومخزن السيد ناصر لشراء الملابس والحاجات النسائية، او المتوجهات منهن الی سوق القماش في القيصرية. وفي زاوية هذا القاطع من السوق کان يوجد دکان صغيرمشهور لبيع (التمروالراشي) اسم صاحبه ميرزاز کنا نتردد عليه في امسيات الشتاء الباردة خاصة، نحن مجموعة الاصدقاء المکونة من ماجد الجنابي وکتاب سعدون والمرحوم جواد کاظم السنجري والمرحوم السيد حميد اليعقوبي وعبد الحسين چولان، وعبد الواحد جبرقبل انتقاله الی الشطرة للعمل في احدی مدارسها.
وفي داخل القيصرية الجديدة کانت هناك مقهی تقدم خدماتها للخياطين والقماشين (القماميش کما يسميها العامة) وفي مدخل القيصرية القديمة الشرقي کانت توجد مقهی کاظم (ابو جواد) التي تخدم اصحاب وزبائن الندافين (النداديف کما يسميها العامة). وجواد هذا کان زميلي في المدرسة الابتدائية والمتوسطة. عمل بعد ذلك موظفاً في الادارة المحلية. كان جواد وابن خاله حامد عزيزيعملان في المقهی بعد انقضاء اليوم الدراسي ووقت العطل. وعندما انتقلنا الی المرحلة المتوسطة بدأ حامد عزيز يعمل في مخزن السيد علي وحصل بعد ذلك علی وظيفة في الادارة المحلية وکان من المعتقلين معي في ثکنة الخيالة بعد شباط الاسود. اما جواد فاصبح هو الاخر موظفا في الادارة المحلية بعد ان ادی الخدمة العسکرية لعدم اکماله الدراسة. ولجواد اخ اسمه ماجد احترف التعليم وکان ذا اتجاه يساري. لا اعرف بالضبط ان کان قد انضم الی الحزب، ولکني لا اتذکر انه سُجن بعد انقلاب شباط.
وعندما تعبر شارع الهوا متجها الی باب الشطرة تطالعك في نهاية الشارع تقريبا الي اليمين مقهی کبيرة هي مقهی (عليوي الاقچم) وهو والد جبار وشاکر وستار. کان ستار زميلي في المدرسة الغربية ولعب کحامي هدف للمدرسة. ترك المدرسة وأدی الخدمة العسکرية ثم حصل علی وظيفة قاطع تذاکرفي پاصات نقل الرکاب في المدينة. اما جبار، فقد افتتح له مخزنا مقابل محل عدنان الحاج احمد الحلاق، فيما بقي شاکر يعمل في المقهی مع والده واستمر في ادارتها بعد ان انتقل عليوي الاقچم الی رحمة الله. کانت هذه المقهی بالقرب من قيصرية القصابين (الگصاصيب) وتقدم خدماتها لبائعي الخضروات في (سوگ الخضَّاره). کانت المقهی تزدحم بروادها وقت الصباح وکان يتوقف فيها القرويون الذين يفدون علی المدينة لشتی الاغراض الا انها کانت تزدحم بروادها من ابناء المدينة والجنود خاصة صباح يوم الجمعة. کانت مقهی عليوي الاقچم مشهورة بجودة (شربت البرتقال) الذي تقدمه للزبائن وقت الصيف. لعله سر المهنة الذي احتفظ به ابو جبار لنفسه طيلة حياته، ولا ادري اذا کان ابنه شاکر قد وقف علی حقيقة ذلك السر!
وفي الطرف الشرقي للمدينة وفي سوق باب الشطرة وقريبا من الصفاة کانت هناك مقهی اخری ذات طابع مختلف من الناحية الفنية، اذا ما قورنت بمقاهی شنين واخيه حبيب وسعدون التي مرَّ ذکرها! کانت تلك المقهی هي المکان الذي يرتاده عشاق الغناء الريفي. فاذا کنت من المعجبين بغناء خضير حسن الملقب (خضير حسن ناصريه والذي کان اصلا بائع لبن متجول) وحضيري ابو عزيز (شرطي سابقا) وناصر حکيم ومسعود العمارتلي، وعبد الامير الطويرجاوي وصديقه الملايه وزهور حسين، وطبعا داخل حسن (ابو کاظم)، فأن (مقهی عبد الله ابو العود) هي المکان الذي يجب ان تذهب اليه لتستمع بروائع اولئك المطربين والمطربات الذين رفدوا الفن العراقي بالصوت الاصيل والکلمة الرقيقة لغراميات العشاق في الجنوب العراقي.
کان يوجد في المدينة عدد اخر من المقاهي الصغيرة لعل اهمها مقهی کريم قاسم مقابل سينما الاندلس الشتوية الی جانب المدخل الشرقي لحمام (ابو ليره). وکانت المقهی تقدم الشاي العادي لزبائن السينما، کما کانت تقدم (شاي الدارسين) للاشخاص الذين اکملوا لتوهم زيارة الحمام خاصة في فصل الشتاء، وبالذات اذا کانوا قد خضعوا لعملية تدليك قام بها "المدلکچي" المعروف (حسين جنـِّي). کما کانت (للمطيرچيه) مقهی صغيرة خاصة بهم يلتقون فيها عادة وقت المساء ولم تکن بعيدة عن مقهی (ابو العود). کانت تقعِ عند المدخل الشمالي للصفاة.
بعثيون والقوميون وکل من عادی الثورة او الشيوعية واليسار يتجمعون في المقهی الواقعة علی الجانب الثاني من الشارع والتي سُميت (مقهی العروبة). وفي تلك الظروف بدأ قسم من الشيعة في المدينة ولاول مرة يعلنون عن انفسهم ويدخلون ساحة الصراع مزودين بفتاوی بعض شيوخ النجف وکربلاء عن الشيوعية وخطرها ومعاداتها للدين الاسلامي وتکفير کل من يؤمن بها. اصبحت جدران مقهی العروبة والواجهة الزجاجية لصيدلية عبد المجيد القطان ساحة لعرض تلك الفتاوی التي کانت تصل وتـُعلق باستمرار. ساتحدث عن ذلك عندما اتناول الفترة الي تلت قيام الثورة العظيمة.