تأريخ الناصرية
(الحلقة الثانية عشر)

القرار والفرار والغربة
د. محمد الأزرقي
5.10.2005

  وقال أُصيحابي متی أنت قافلُ

 

mjiyad@hotmail.com

أغلب الظن انه لم تُجدِ نفعاً کلمات المواساة التي رددُّتها علی مسامع الاخوة، بما فيهم طعمه مرداس الذي أشرت إليه خطأ في الحلقتين السابقتين باسم (دلي مريوس)، بأنه لا داعيَ للأمعان في تأنيب الضمير، لأن لکل انسان طاقة محدودة علی تحمل الألم. وهم يعلمون جيداً أن جلاديهم قد تفننوا بابتکار اساليب للتعذيب فاقت ما کان في جعبة اسلافهم من مقبوري العهد الملکي من امثال عبد الجبار أيوب وبهجة العطيه وسعيد قزاز، الذين أذاق جلاوزتهم مناضلي الحزب اصناف التعذيب منذ نهاية الاربعينات حتی قيام الثورة. وفي نهاية شهر نيسان من العام الأسود اصبح جلياً ان الصورة الکاملة لتنظيم الحزب الشيوعي برمته في المدينة واللواء بشکل عام، قد کُشفت تماماً. لقد کان الشهداء الذين قُتلوا اثناء التعذيب علی أيدي الجلادين، والمُتخفُّون الذين لم يکونوا في قبضتهم أصلاً، هم فقط ممَّن لم يُدلوا باعترافاتهم.  لقد ادرکت حينها انه من حسن حظي انني لم أکن في التنظيم، وإلا لکنتُ قد اعترفتُ کالآخرين، فطاقتي علی تحمل الألم، وبالتالي التعذيب، تکاد لا ترقی الی أکثر من الصفر!

لا ادري بالضبط لماذا ترکوني في مرکز التحقيق في بيت آمر الحامية مدة تزيد عن اسبوعين، کانا بطول الدهر. نُقِلتُ بعدها الی مقر نقابة المعلمين، فکانت هناك أکثر من صدمة. الاولی هي تحويل النقابة الی مُعتقل، في الوقت الذي کانت فيه منتدیً ثقافيا واجتماعياً للمعلمين وعوائلهم. هذا طبعاً إضافة الی تحويل مدرستين علی الاقل الی مرکزين لاحتجاز المعتقلين الذين يشکل المعلمون والمدرسون والطلبة الأغلبية الساحقة منهم. وفي الوقت الذي کان فيه معتقلو الخيالة من ابناء المدينة، باستثناء القليل، فإنه کان من بين معتقلي نقابة المعلمين الکثير من الشباب والرجال الذين جاءوا بهم من أقضية اللواء ونواحيه وقراه بعد ان فرغوا من التحقيق معهم. وثانية، کان اغلبهم طلابا ومعلمين ومدرسين، مع بعض الفلاحين والعمال. ولقد أثارت تلك الظاهرة في ذهني التساؤل وقتها عمن يقوم بمهام التعليم في المدارس مادام اکثر نزلاء معتقلات البعث الفاشي من الکوادر التعليمية.

لقد ترتب علی ذلك ومنذ الأيام الأولی للأنقلاب الأسود طغيان ظاهرة التشويه والتفسخ الذي حلَّ بنظام التعليم بِدأً بتغيير المناهج، وارسال العديد من الکفاءات التعليمية ليصبحوا نزلاء للسجون والمعتقلات بدلا من ممارسة ابداعهم وحماسهم في الصفوف الدراسية. ثم عمل الانقلابيون ومن تبعهم علی حصر ادارات المدارس والمفتشين والبعثات التعليمية لنيل الشهادات العليا باعضاء الحزب والمنافقين، واخيراً اطلاق ايدي الجهلة لأدارة الجهاز ورسم سياساته الکارثية التي تحدث عنها باسهاب واحد من الکتب القيمة التي تناولت الوضع المأساوي الذي خلقه نظام البعث المجرم للعراق والعراقيين. الکتاب ألفه ويليام ر. پولك وراجعه عمار سماق في مقالة نشرت علي موقع (العرب أون لاين) بتاريخ 28/8/2005. يقول پولك إن العراق قد ابتلي بنظام دموي منذ أوائل الستينات، ونظام التعليم کان ضحيته الأولی. وبدلاً من أن يخفف هذا النظام التوتر الطائفي أو العرقي في العراق زاده اشتعالاً. وبعد ان انفرد في الساحة بعد تصفية خصومه السياسيين، انتهج سياسة حمقاء متطرفة عندما بعثر الثروة الوطنية وأدخل البلاد في مغامرات وحروب لا تنتهي إلا لكي تبدأ من جديد. فبعد الحرب مع إيران دخل مباشرة في حرب ضد الكويت. وهكذا أنهك البلاد بطيشه وتهوره، وسفك من دماء العراقيين الشيء الكثير، ولذلك ألّب عليه الشعب العراقي بمجمله وليس فقط الشيعة والأكراد، بل وحتى جيرانه الذين أصبحوا يكرهونه ويخشونه ولا يتعاملون معه. ويمكن القول إنه مهد الطريق للغزو الأميركي بشكل غير مباشر عندما أصبح العراق في حالة خطر على يده. وبالتالي لم تعد الجماعة الدولية قادرة على أن تقف مكتوفة الأيدي تجاه ما يحصل في البلد.
ولكن المؤلف يرى من خلال واقعيته ان الإدارات الأميركية المتتالية أخطأت إذ سكتت على انتهاكات النظام السابق. وهي لم تسكت فقط على طغيانه وإنما دعمته أيضاً في حربه العدوانية ضد إيران. وكل ذلك لكي تنتقم من الثورة الإسلامية التي أهانت أميركا، وحتى بعد أن استخدم الجيش العراقي الأسلحة الكيماوية ضد تجمعات الجيش الأيراني ومن ثم ضد الأکراد في حلپجة وسواها، ظلت إدارة ريغان وبوش الأب تلزم الصمت، واستمرت في تعاملها معه وکأن شيئاً لم يکن، تماماً کما فعلت قبلهما ادارتا الرئيسين نکسُن وجونسُن! وبالتالي فمسؤولية أميركا كبيرة في هذا المجال ولا يمكن لها أن تتبجح بالأخلاق أو بالدفاع عن حقوق الإنسان. فعندما كانت حكومة البعث تؤمن لها مصالحها، كانت تراعيها وتغطي على انتهاكاتها. وعندما تمرد صدام حسين علی الأسياد في واشنطن، أصبح الحكم في العراق عالة عليها أو حتى يتناقض مع سياستها، راحت تستهدفه وإسقطته في شهر نيسان عام 2003. ووزير الدفاع الأمريکي البغيض دونالد رامسفيلد يتحمل مسؤولية كبيرة في هذا المجال، لأنه كان مبعوث الرئيس ريگان إلى العراق آنذاك، وهو الذي أمن لصدام حسين شراء الأسلحة المتطورة بما فيها الأسلحة الكيميائية!

اتفق مع المؤلف ان نظام التعليم کان من اکبر ضحايا البعث بعد اغتيال الحريات السياسية والتنظيمية وما نجم عنها. فمنذ الأيام الأولی لتولي الحزب المجرم للسلطة في البلد زجّ بالالاف من المعلمين والمدرسين والطلبة في معتقلاته وسجونه، بعد ان دفعهم الی محاکمات صورية تفتقد لأي مبدأ من مبادیء العدل. وقد اصيب النظام التعليمي في العراق، وفي الناصرية بالذات، بخلل کبير اثر الانقلاب الأسود، وذلك لأن مهنة التعليم کانت قد استهوت الکثير من ابناء وبنات المدينة للأقبال عليها. لقد ضم الجيل الأول من خريجي دار المعلمين الريفية کلاً من السيد باقر السيد محمد الظاهر وعبد الزهرة ناصر وقاسم نادر افندي  ويوسف الجبوري  ومجيد وحيد وعودة زغير وعبد الحسين حوالة وکاظم حنتوش وکامل حليحل وکامل هامش وعناية حاچم الحسيناوي وعبد الوهاب البدري وعبد الجبار البدري والسيد نوح الموسوي وعبد الجبارالقصاب ونعيم الصباغ وفيصل عبد الکريم حبش وبدري قمر ومهدي حطاب ووالد الشهيد عبد الرزاق مسلم وورد شجر السبتي ونصري (لا اتذکر اسمه کاملاً) وکريم خضير (أصلا من السماوة). وکان بينهم عدد من المعلمين اليهود الذين غادروا العراق بعد قيام الدولة العبرية. ومن المعلمات لبيبة عبد الغني الحمداني وزهرة وأميرة عبد الياسين ورباب وفاطمة وبتول خضير مرزا ومريم الحران وواثقة وخالدة الدهش ومادلين مائير وغيرهن.

وفي مطلع الخمسينات ازدادت الحاجة للمعلمين والمعلمات فافتتحت دار المعلمين الأبتدائية في بعقوبة، لتأهيل الدارسين فيها لمدة ثلاث سنوات بعد المرحلة المتوسطة. وتخرج فيها حسن طارش وعبد الجبار محسن السلمان والمرحوم الصديق کاظم ذياب الخفاجي والمرحوم الصديق حسن غانم والاخ عبد الرزاق سکر وناجي عبد الله الشکرچي وعبد الله عرب، وآخرين غيرهم.

وفي نفس الفترة تقريباً ، فتم افتتاح الدورة التربوية. ومدة الدراسة فيها سنة بعد اکمال الدراسة الاعدادية. ومن الذين تخرجوا فيها مجيد اليعقوبي والمرحوم ثامر سعدون الفتاح وحسن الفخري ونعمان السيد محمد وباقر الحداد ودهلة قمر وفاروق نجم الدين وهاشم خضير البنا وکوکب دخيل الاسدي ومحمود دخيل الأسدي وتحسين الکاتب وجمال الکاتب والمرحوم الصديق ابراهيم محسن النجار وخيري عباس والمرحوم الصديق فؤاد مگطوف والمرحوم الصديق حميد اليعقوبي وأحمد غني المحروث وعبد الستار البدري وحامد سمير البدري وهادي مشعل وکريم مشعل، والصديق کتاب سعدون وعدنان حنون العضاض وجليل هادي العضاض وعبد الآله هادي العضاض (الذي تربطني به هواية حُب الحمام، فقد کنا من المطيرچيه الهواة!)، وهادي الدجيلي وقدرية (من اقارب عائلة الدهش)، وغيرهم.

وفي عام 1956 أُفتتحت في الناصرية دار المعلمين الابتدائية ودار المعلمات الابتدائية، فانخرط فيهما العديد من ابناء وبنات الناصرية من جيلي والاجيال الاخری التي تلته، اضافة الی عدد کبير من الطلبة والطالبات من أقضية ونواحي اللواء. ومن الملاحظ ان مهنة التعليم قد اجتذبت اليها اکثر من شخص من نفس العائلة. فعائلة السيد هادي الدهش مثلاً قد قدمت بناتها الخمس جميعاً لمهنة التعليم، اذ اصبحت واثقة وخالدة والصغری مي، معلمات في حين اکملت نعمة وميسون دراستهما الجامعية واصبحتا مدرستين، هذا في الوقت الذي اختار فيه خالد وهو الأبن الأکبر للعائلة مهنة المحاماة، فيما اختار الأبن الثاني صفاء الخدمة العسکرية فاصبح ضابطا. ولا ادري ان کان الأبن الأصغر علي قد احترف التعليم ام غيره من المهن. وکذا الحال بالنسبة لعائلة عبد الکريم الکاتب حيث اصبح کاظم وعبد الرحمن مدرسَينِ، في حين اصبح تحسين وجمال واختهما (للأسف لا اتذکراسمها، ولکن اعرف انها تزوجت عباس الفخري) معلمين في مدارس الناصرية، فيما درس خالد الهندسة في بريطانيا بعد حصوله علی بعثة. اما الأبن الأصغر للعائلة وهو عبد المنعم فاصبح صيدلانياً. وانخرطت في مهنة التعليم کلُّ بنات خضير مرزا القماش وهن فاطمة ورباب وبتول، فيما اصبح اخوهن الاکبر مهدي ضابطا وحصل الابن الثاني للعائلة وهو علي علی بعثة الی بريطانيا لدراسة الاقتصاد، وحصل علی شهادة الدکتوراه من جامعة مانچستر. واختارت زهرة عبد الياسين واختها أميرة عبد الياسين مهنة التعليم. وکذلك بنات تايه السنجري رسمية وشوقية وخولة. وانخرطت في مهنة التعليم ايضاً جميع بنات علوان الريس وهن کوکب وشعاع وسحاب، اما الأبناء فقد اختار ضياء المحاماة واختار انور الصيدلة واختار سهيل الاقتصاد واختار منير الهندسة. اما الأبن الأصغر للعائلة والذي لا اتذکر اسمه فلا ادري اية مهنة اختار. واختارت ابنة عمهم نجاة أحمد الريس التعليم واختار اخوها الأکبر بهجة وظيفة في مديرية بلدية الناصرية، ودرس حامد الريس الاقتصاد، لکن اخاهم المرحوم خالد الذي کان اکثرهم من ناحية النشاط السياسي وعمل في مساعدة والده في ادارة حانوت التبغ، فقد توفي وهو في سن الشباب. وتجدر الاشارة الی انني زاملت کلاً من سهيل علوان الريس وحامد احمد الريس في مرحلتي الدراسة الابتدائية والمتوسطة، ولي عنهما ذکريات زمالة جيدة للغاية. أما الآخرون والأخريات من الاخوة والاخوات من نفس العائلة الذين اختاروا التعليم فاتذکر منهم:

مريم وسعد وصلاح الحران وابنة اختهم (أخت قادر الحران، للأسف لا اتذکر اسمها)، وعناية وستار ومحسن حاچم الحسيناوي، وکمال وفريد ومؤيد قاسم نادر، وشاکر وخالدة وماجدة محمود الأمين، ومنعم وکاظم عاجل، وحسن وکاظم طارش، وماجد وصلاح وفلاح عبد الحميد الجنابي، وکاظم وهاشم ذياب الخفاجي، ونجاة وفرات خليل الرجب، ومجيد وحميد اليعقوبي، وحسن وعباس الفخري، ومعاذ ونورية ونوري عبد الرحيم، وعبد الله وفائز محمد عرب وأخاهما الأصغر (للأسف لا أتذکر اسمه)، ومهدي وابنه سالم مهدي حطاب، وورد شجر وبنته جوليت ورد السبتي، وعباس ومحمد علي خطار،  وعاجل وعبد الله کريم، وعبد الرحمن وعبد الزمان مجيد الربيعي، وحامد وعلي سمير البدري، وناجي ونجاة وعبد الرزاق ياسر، وناجي وحسن عبد الله الشکرچي، وکامل وجابر راضي، وعبد الوهاب وعبد الجبار وعبد الستار البدري وعادل وکاظم عطية، وياسين ورياض شنته جبر البطي، وکوکر ومحمود وکوکب دخيل الأسدي، وسمير وسميرة يوسف الصيدلي، ونعيمة وکميلة النداف التي تزوجها الصديق عبد الواحد جبر السلمان وسکنا مدينة الشطرة، وفاطمة وکاظم محمد العودة، وباقرمحمد الحداد واخته (للأسف لا اتذکر اسمها، ولکن اعرف انها تزوجت من ماجد الجنابي)، وجليل وعبد الأله واقبال هادي العضاض، وابن عمهما عدنان حنون العضاض، وعبد الله ناصر وابن اخته عدنان جبار، وهادي وکريم مشعل، ورجاء کاظم الحاج طالب وبنت عمها خضر الحاج طالب (للأسف لا اتذکر اسمها، ولکن اعرف انها تزوجت من سامي سعود السعدون)، وعادل وليلی بشار والسيد باقر محمد الظاهر وبنته (العلويه)، والسيد صالح السيد مهدي وولديه فؤاد ونهاد، والسيد نوح والسيد عمران الموسوي وابناء اخيهما کاظم وحياة السيد رويح وابنة اخری لا اتذکر اسمها ( لا اعرف ان کان اصغر ابناء العائلة وهما صاحب ومحمد قد اختارا التعليم ام غيره من المهن)، وجواد وناجي ونجية السنجري، وکتاب وکتيبة وربيعة سعدون الخياط، وعلي توفيق الخياط واخته، وضياء حسن بلال واخواته الثلاث، ومحمد وکاظم خضر العباسي واختهما، وعبد الوهاب ومنذر الأمام، وصبحي وماجد خضير الجسار، وشريف ولطيف نعاس الجسار، ونعمة وصلاح رشيد، وحسن وفاطمة علي الترکي، وأنا واختي حمدية وبنت اختي نور. ومن المؤکد ان هناك آخرين فاتني ان ادرج اسمائهم.

کانت مهنة المحاماة من المهن التي استهوت القليل من ابناء الناصرية في مطلع ومنتصف الاربعينات. وفي مطلع الخمسينات افتتح عدد من المحامين مکاتب لهم في المدينة، فيما اختار البعض منهم العمل في محاکم الدولة ودوائرها. ومن هؤلاء المحامين محمد العضاض والسيد علي السيد حسين وکاظم حبي الظاهر وجميل عبد الباقي ومحسن الحاکم وعبد الستار الحران وعبد الرزاق الحران وشاکر الغرباوي وضياء علوان الريس وغالب الحاج فليح وکاتب العدل ( وهو عم عبد الحسن عبد الرحيم القماش احد زملائي في المدرسة).

لم اعرف من هؤلاء شخصياً الا محمد العضاض الذي قابلته عدداً من المرات وانا طالبا في الصف الثاني الأبتدائي، عندما کنت انا وابن اخته کامل کاظم العضاض، وهو اول صديق لي في المرحلة الابتدائية، نتوقف عند مکتبه ونحن في طريقنا الی المدرسة. کان رحمه الله وسيماً حنونا ودودا بادي الاهتمام بنا، اذ کان يسألنا عن الدراسة وماذا تعلمنا في ذلك اليوم، بعکس والد کامل الذي لا يتکلم الا لماما، وبصوت خافت دائماً! اعتقد ان المحامي محمد العضاض کان مصاباً بالتدرن الرئوي إذ کان دائم السفر الی لبنان للأستشفاء، ومات وهو لم يتجاوز الثلاثين. واتذکر ان الخالة ام کامل حزنت ولبست السواد وکذلك الاخت الوحيدة لکامل، فاطمة، قد لبست السواد ايضاً، ولم تکن تتجاوز ربما سن الخامسة. بقيت صداقتي مستديمة بالاخ کامل حتی اکماله المرحلة الثانوية وحصوله علی بعثة للدکتواره لدراسة الاقتصاد في بريطانيا. لم تربطني باخيه جواد الا معرفة بسيطة، لکن اخويه الصغيرين، علي وليث کانا من ضمن الطلاب الذين درستهم في مدرسة الجمهورية الابتدائية. اقرأ اسم علي العضاض هذه الايام وهو يتردد ضمن اسماء القادة في احد الاحزاب الأسلامية، ولکن لا اعرف ماذا حل بليث او ماذا يعملُ.

أما كاظم حبي الظاهر فهو الأبن الأکبر لأسطه حبي، صاحب أول معمل للمشروبات الغازية (السيفون والصودة) في المدينة، والذي انتهی عهده بوصول الپپسي کولا والکوکا کولا والسفن أپ..الخ. لا اعرف المحامي کاظم شخصياً، لکن اخاه الاصغر منه سناً، وهو الاستاذ عباس حبي الظاهر درسني اللغة العربية في الصفين الثاني والثالث من دار المعلمين الابتدائية. لربما کان الاستاذ عباس من الاشخاص الذين تأثرت بهم کثيراً. کان واسع الاطلاع في ميدان تخصصه ولطيفاً للغاية، مع کثرة الاهتمام بمظهره. سافر الاستاذ عباس الی فينا في صيف عام 1962 ولم يرجع بعدها لعراق. ولکاظم وعباس حبي اخت اختارت التدريس، ولکن للأسف لا اتذکر اسمها ولا أعرف اختصاصها.

ومن المحامين الذين اختاروا العمل في دوائر الدولة، کلٌّ من عبد الستار الحران وشاکر الغرباوي اللذين شغلا منصب مدير بلدية الناصرية. وعبد الستار الحران هو عم الاصدقاء سعد وجميل وخالد الحران. اما من الذين اختاروا العمل في محاکم الدولة فکان جميل عبد الباقي الذي کان حاکما وتزوج فتاة اسمها رجاء، کانت زميلة لاختي حمدية. ورجاء هي ابنة اخت الصديق حسن علي الترکي. وکان اخوها علي من الطلاب الذين درستهم في مدرسة الجمهورية الابتدائية. وکذلك محسن الحاکم (لا اعرف اسمه الکامل بالضبط) الذي تملك في نفس الوقت معملاً للطابوق في الناصرية. اما عم الزميل عبد الحسن عبد الرحيم فکان يشغل منصب (الکاتب العدل) في المحکمة. وأکنُّ لهذا الرجل الکثير من الاحترام، اذ يتطلب عمله منه ان يقوم شخصياً باستنساخ کل الوثائق التي يُصادق عليها في المحکمة، وهو تقليد موروث من الحکم العثماني، علی ما اعتقد. وکان يقوم بالعمل لوحده، دون مساعدة. واعتقد انه الوحيد من موظفي الدولة الذي کان يحضر للدائرة في العصر واحياناً في المساء لأنجاز معاملات التصديق الخاصة بالطلبة في مواسم التقديم للدراسة او العمل في عزِّ اشهر الصيف.

أما الجيل الثاني من ابناء المدينة الذين اختاروا مهنة المحاماة فيمثله خالد السيد هادي الدهش واحمد کامل الحاج وادي وعادل عبد الغني الحمداني وجمعه جعاز. اکتفی عادل الحمداني بالحصول علی الشهادة فقط، وظل منصرفاً لإدارة استثمارات العائلة في المقاولات والأراضي الزراعية. أما خالد الدهش فقد اختار مهنة قائمقام في بعقوبة، فيما افتتح احمد الحاج وادي مکتباً للمحاماة في المدينة. لا اعرف احمد شخصياً، رغم علاقة القربی التي تربط عائلة الوالدة (آل غزال) بعائلة (الحاج وادي) وعائلة (عبد الياسين). ولکني اعرفه من خلال عضويته في فريق کرة القدم لنادي الفتيان الرياضي. واجد نفسي ملزماً ان اذکر ان خالد السيد هادي الدهش قد اسدی لي خدمة لا تُنسی عندما ساعدني في التعيين في مدرسة مسائية حين انتقلت الی محافظة ديالی. وقد تم ذلك بتدخل من الصديق السيد نعمان السيد محمد، الذي تربطه بخالد الدهش علاقة صداقة. وقد اتاحت لي تلك الوساطة ان التحق بجامعة بغداد لنيل شهادة الماجستير خلال فترة عملي معلماً في مدرسة الخالص المسائية لمدة سنتين.

اما جمعه جعاز فقد کان جاري وصديق طفولتي. انتقلت عائلتي من محلة الجامع الکبير الی المحلة الجديدة قريباً من جامع الشيخ حسن عام 1951، وکان جارنا رجل کادح يعمل حائکا. کان له خمسة ابناء وبنت واحدة. کان الأبناء الاکبر سناً مني وهم جبار وصبار ومهدي يعملون في صنع (الدوندرمة) وقت الصيف ويتناوبون في دفع العربة وبيع منتجهم طيلة النهار. وقد مُنيت العائلة بفقد ولدها البکر جبار، وهو لم يبلغ العشرين بعد. کنا انا وجمعه في الصف السادس الابتدائي، لکننا درسنا في مدرستين مختلفتين، هما مدرسة الملك فيصل الأول ومدرسة المنتفگ. وفي ذلك الصيف انقذ جمعه اخي احمد من غرق مُحقق عندما ذهبنا للسباحة في النهر واصطحبنا معنا أخوينا الصغيرين، احمد ودخيل علي لحراسة ملابسنا. لکن احمد لم يلتزم بالواجب وقفز في ماء النهر، علی غفلة منا! کان عمره ست سنوات فقط.

افتتح صبار فيما بعد محلا لبيع مواد التأسيسات الکهربائية وانضم اليه اخوه مهدي، فيما واصل کل من جمعه ودخيل علي دراستهما. أما الأبنة الوحيدة للعائلة واسمها حسنيه فلم تلتحق بالمدرسة. کانت الوالده المرحومه تسميها "حسنيه الخاتونه" لأدبها الجم وخلقها الحميد منذ صغرها. وفي مطلع الستينات اظهر صبار ميلاً للتيار الأسلامي الشيعي وربما انضم لنشاطات قد تکون حزبية لجماعة مجيد الصيدلي والسيد رزاق الهاشمي. وکانت فتاوی المرجعيات الدينية والمُعممين توضع باستمرار علی واجهة محله قبيل شباط الأسود. أکمل جمعة جعاز دراسة القانون فافتتح له مکتباً للمحاماة، واکمل اخوه دخيل علي دراسته الجامعية فاصبح مدرساً للرياضة. هکذا کانا عندما غادرت العراق. ولکن للأسف علمت هذا العام من احد الأصدقاء ان صديق الطفولة قد اعدمه البعثيون اثر فشل الانتفاضة عام 1991. رحم الله صديقي الشهيد جمعه جعاز. وتجدر الأشارة الی انه في مطلع الستينات افتتح المحامي طالب الأسدي مکتبا له في مدينة الناصرية، واشغل بيتاً مقابل مبني نادي الحرية الرياضي، ربما تعود ملکيته أصلاً للأستاذ عبد الزهره ناصر، مدير مدرسة المنتفگ، الذي کان قد تقاعد وانتقل الی بغداد.

أما فيما يتعلق بالمهن العلمية مثل الطب والصيدلة والهندسة فقد کان إقبال ابناء المدينة عليها محدوداً لعدة اسباب، ويکاد الخريجون فيها يُعدون علی اصابع اليد. اعتقد ان هُمام عبد الرزاق، وهو ابن اخت علي وعبيد شناوه، کان اول طبيب من ابناء الناصرية. ولکن للأسف لم يستمر همام في عمله طويلاً، إذ أُصيب بلوثة عقليه ولا ادري ماذا کان مصيره بعد ذلك. کما اصبح فؤاد يوسف الجبوري، وهو الأبن الوحيد لمدير المدرسة المرکزية، طبيبا وافتتح له عيادة لم تستمر لوقت طويل، اذ انتقل الی مکان آخر. وتخرج في کلية الطب شاب آخر من ابناء المدينة هو علي حسين المبارك. وعلي هو الأبن الثاني لأب کادح کان يعمل مضمدا في مستشفی الناصرية ويسکن مع عائلته في بيت يقع علی شارع العشرين. والدکتور علي المبارك هو اخ لکاظم المبارك، بطل فيلم (من المسؤول) الذي مرَّ ذکره. ولهما أخ ثالث اسمه صباح درس في احد المعاهد الصحية، ويشارکني هواية حب الکلاب وتربيتها! اما الأخ الرابع فاصبح معلما في احدی مدارس الناصرية. سمعت ان الدکتور علي المبارك ما زال يمارس مهنته في الخليج. کما تخرج في کلية الطب رياض مصطفی وهو الأبن البکر للدکتور مصطفی محمود رئيس صحة اللواء لفترة طويلة، فيما درست اخته حَذام الصيدلة. لکن الأثنين لم يعملا في المدينة.

ومن جيلي درس عبد العظيم کاظم جلود وکريم عبد الوهاب النجار الطب في بغداد، ولکنهما لم يعودا الی الناصرية. کما حصل زميل آخر هو طالب صالح النداف علی بعثة لدراسة الطب في بلغاريا ولم اشاهده بعد ذلك. کان طالب ودوداً رقيقاً زاملته في المرحلة المتوسطة وکان اقرب الثلاثة اليَّ. واذکر انه لربما کان هو الوحيد في المدرسة الذي يرتدي القميص والبدلة السوداء خلال شهر محرم. ولقد أشاع الصديق المرحوم عاجل کريم عنه، أنه يعمل (روزخون/رادود) ويقود (القرايات) في منطقة (آل خويبر) وقت المساء. لا أدري مدی دقة الأشاعة ولکنني کنت أميل الی تصديقها آنذاك، لأن صوت طالب صالح النداف کان يُبحُّ عادة في تلك الفترة، ربما من شدة النواح! .کما زاملت عبد العظيم کاظم في المرحلة المتوسطة وکان والده يعمل رئيس عرفاء شرطة. وهو الأبن الثاني بعد شريف الذي عمل اولاً سائقاً في مستشفی الناصرية ثم موظفاً في مديرية تربية الناصرية. اما الاخ الأصغر واسمه ابراهيم فاصبح مهندسا. اما اختهم التي اعتقد انها صارت معلمة، فقد تزوجت من شخص کان محسوباً علی اتحاد الطلبة ويُحمل علی الأکتاف وقت التظاهرات ليلقي شعره الثوري الشعبي! وبعد الانقلاب الأسود غيَّر صاحبنا هواه فجعله البعثيون مفتشاً تربوياً، لکن زواجه فشل، ولم تجدِ معه (الحروز) التي کان يتندر بها الشباب الذين يعرفون القصة! کما کنا ونحن صغار نضحك في السر من لقب (الأعظمي) الذي کان عبد العظيم يلقب نفسه به، لأن الأسرة في الحقيقة من عشيرة (البو عظم)، وليس من منطقة (الأعظمية) في بغداد! وبعد مغادرتي العراق علمت ان أحد طلبتي المتميزين وهو احمد جواد الخالدي قد تخرج في کلية الطب وافتتح له عيادة في الناصرية. وکذلك ابن اختي الدکتور علي عاجل کريم، وشاب آخر ممن اعتز بهم هو الدکتور سعد جادر الذي يمارس عمله حالياً في منطقة الخليج.

أما من درس الصيدلة، فاعتقد ان انور علوان الريس کان في طليعة ابناء الناصرية الذين اختاروا هذا الميدان. لکن انور سافر الی الولايات المتحدة في بعثة علمية ولم يرجع للعراق. وبعد انور الريس التحق ضياء أحمد أغا، وهو من الطلبة الذين قادوا اعتصام الطلبة عام 1956 وفُصل وسيق للخدمة العسکرية في جلولاء، في کلية الصيدلة. کما التحق بها أيضاً ربيع هادي فرعون الذي کان يعمل والده محاسباً في مديرية صحة اللواء. يکبرني کلٌّ من ضياء وربيع بسنوات قليلة، لأني في الحقيقة بنفس عمر زهير احمد أغا الذي زاملته في المرحلة المتوسطة. حصل زهير علی بعثة للدراسة في پولندا ولا ادري ماذا حصل له، أو أين انتهی به المطاف. وفتحية احمد أغا هي الأخت الکبری لضياء وزهير. اکملت دراستها الجامعية وصارت مدرسة للغة الأنگليزية، ثم تزوجت من المهندس حسين الدجيلي قبل انقلاب شباط الأسود بقليل. أما اختهم الصغری التي لا اتذکر اسمها فلا ادري أية مهنة اختارت. أما ربيع هادي فرعون فله أختان اختارتا مهنة التعليم، واسم أحدهما سعاد التي کانت زميلة لأختي حمدية في الدراسة. ومن ابناء الناصرية الآخرين الذين التحقوا بکلية الصيدلة أيضاً أحمد الملا صبر وشاب آخر من منطقة السيف إسمه غالب، للأسف لا اتذکر اسمه کاملاً. واحمد هو الأبن الثاني لعائلة الملا صبر. أکبر الابناء هو يحيی الذي کان يعمل موظفاً في مديرية التربية. وللعائلة ابنتان هما خالدة واخری لا اتذکر اسمها کانتا صديقتين لاختي نورية وزميلتان لها في الدراسة. وبعد مغادرتي العراق التحق احد ابناء عائلة الکاتب وهو عبد المنعم في کلية الصيدلة و اکمل الدراسة فيها.

أما فيما يتعلق بمن تخصص في الهندسة من ابناء المدينة، فأعتقد ان فؤاد الرکابي کان في طليعة من توجه الی هذا التخصص. لکني اعتقد ان فؤاد الرکابي لم يمارس اختصاصه اطلاقاً، بل اختار السياسة بدلاً من ذلك. فبعد اکمال الدراسة في الجامعة الأمريکية في بيروت عاد الی العراق ليؤسس الخلية الأولی لحزب البعث، وکان معه فيها سعدون حمادي وشفيق الکمالي وسعاد خليل اسماعيل، الذين کانوا طلبة في الجامعة المذکورة وعادوا جميعاً من هناك بعد تخرجهم. وعند قيام الثورة عُين فؤاد الرکابي وزيراً للتخطيط، لکنه استقال من منصبه بعد فترة قصيرة بخروج البعث من الجبهة الوطنية، ثم هرب من العراق اثر محاولة اغتيال الزعيم الشهيد. عاد الرکابي الی بغداد، لکنه انقلب علی الحزب الذي کان سکرتيراً له، واصبح ناصرياً. القی البعثيون به في السجن ثم دبروا قتله فيه. وقد اعلن وقتها رسمياً ان احد السجناء قد تمکن من الحصول علی سکين من مطبخ سجن بعقوبة، وذبح فؤاد الرکابي من الوريد الی الوريد وهو في نومه، لأن الأخير کان قد تحرش/اعتدی جنسياً علی ذلك السجين. وتجدر الأشارة الی ان حزبياً آخرَ من القياديين قد لقي نفس المصير وبنفس التهمة علی يد شخص آخر. والقتيل هنا هو العقيد المظلي عبد الکريم مصطفی نصرة الذي لعب دوراً أساسياً في انقلاب شباط. في الحقيقة ان البيان الأول للحرکة الأنقلابية يوم الثامن من شباط قد کان باسمه. وهو أيضاً الضابط الذي استسلم الزعيم والبعض من رفاقه الشهداء علی يده فنقلهم بدبابته الی مقر الأذاعة والتلفزيون، حيث اعدموا في قاعة الموسيقی عصر التاسع من شباط الأسود. کان العقيد المظلي نصرة ضمن من صوتوا وشهدوا عملية الأعدام الغادرة. وفي مطلع السبعينات اعلن رسمياً ان العقيد المظلي نصرة قد لقي هو الآخر حتفه ذبحاً علی يد شاب کانت تربطه به علاقة جنسية.

ومن اوائل ابناء المدينة الذين حصلوا علی الشهادة في الهندسة هو حسين الدجيلي الذي اشرف علی مشروع بناء دور محلة الاسکان، واصبح من ساکنيها مع زوجته فتحية احمد أغا قبل اعتقاله إثر شباط الأسود، کما اشرت الی ذلك من قبل. ومن جيلي التحق زميلي ذياب طاهر النغيمش بمعهد للهندسة وعمل في مديرية بلدية الناصرية بعد تخرجه. ثم التحق بعده في کلية الهندسة ببغداد کلٌّ من صباح(؟) صاحب عجام وابراهيم کاظم جلود وصمصام جواد الخياط ومنذر السيد باقر السيد محمد ومنير علوان الريس وشاب آخر من محلة السيف اسمه عبد العالي صگبان(؟). وقد عادوا جميعاً الی الناصرية وعملوا فيها، باستثناء ابراهيم کاظم جلود. وقد عمل صمصام جواد الخياط مهندساً في الأدارة المحلية، ثم صار مقاولاً، وانتقل الی بغداد. وکان وقتها قد تزوج من اخت الاخ غانم حسن المصور. وتجدر الأشارة الی ان احد ابناء عائلة الکاتب واسمه خالد، قد حصل علی بعثة علمية لدراسة الهندسة في بريطانيا، ولکنه لم يرجع الی العراق بعد التخرج. کما علمت ان اثنين من ابناء عائلة الجادر في محلة الاسکان، وهما صادق وفريد، قد اکملا دراستهما في الهندسة أيضاً.

في اعتقادي ان الفتوی التي صدرت في مطلع الحکم الملکي في العراق، والتي دعت الشيعة الی مقاطعة مؤسساته العسکرية ومدارسه، خاصة مدارس البنات والانصراف بدلا من ذلك الی التجارة، قد وضعت أغلبية الشعب علی طريق التخلف للثمانين عام التالية، وجعلتها في النهاية تخسر موقعها في ادارة شؤون البلاد والتجارة معاً. ولم يلتفت الشيعة الی ذلك حتی اسقط الأمريکيون نظام صدام. عندها ادرکوا فداحة القرار المتخلف والفتوی الرجعية واکتشفوا بأنهم أحق بالحکم من غيرهم، کونهم يمثلون غالبية الشعب. وواقع حال الناصرية لا يختلف کثيراً عن مدن الشيعة الاخری، حيث ان عدد ابناء کلٍّ من هذه المدن في مراکز قيادة القوات المسلحة لا يتجاوز اصابع اليد، في حين ان غالبية الافراد من هذه القوات (الجنود والشرطة) هم من المناطق الشيعية، بحکم قانون الخدمة العسکرية الألزامية. وعندما قامت الثورة کان عدد رفاق الزعيم الشهيد عبد الکريم قاسم من الشيعة في منظمة الضباط الأحرار يکاد لا يُذکر. وقد حاول الزعيم الشهيد اصلاح هذا الخلل بفتح ابواب الکلية العسکرية وکلية الشرطة لکل أبناء العراق، الا ان القيادات الشيعية تنکرت للزعيم الشهيد، وانضمت الی صفوف اعداءه، وفي مقدمتهم حزب البعث. وحجتهم في ذلك هو انه "صار شيوعياً، وخالف القرآن والسنة عندما اصدر قانون الأصلاح الزراعي وقانون الأحوال المدنية"، الذي ضمن للمرأة العراقية البعض من حقوقها. ولا ادري متی کان الاسلام الی جانب الأقطاعيين، وضد نيل المرأة حقوقها التي ضمنها اصلاً!

تشکل الرعيل الأول من الذين قرروا اختيار المهنة العسکرية من کلٍّ من محمد گاطع البطي وحميد السيد حسين الحصونة وناجي الحاج طالب ومحسن حسين الحبيب. ومن الواضح ان قبولهم في الکلية العسکرية کان يهدف الی ضمان ولاء العشائر والعائلات المتنفذة لنظام الحکم. وقد استقال محمد گاطع البطي من منصبه، وهو برتبة رئيس، بعد وفاة والده، ليتولی شؤون العشيرة. وکان حميد الحصونه ضابطاً للتجنيد عندما قامت الثورة. وکنت قد زاملت ابنه إياد في مرحلة الدراسة المتوسطة. وقد اناط به الزعيم الشهيد قيادة الفرقة الأولی التي اصبح مقرها في البصرة بدلاً من الديوانية. أما ناجي الحاج طالب فکان من الضباط الاحرار وقام بالسيطرة علی منطقة البصرة عند قيام الثورة. تبوأ ناجي الحاج طالب مناصب عالية بعد انقلاب شباط الأسود، ومنها  رئاسة الوزارة. وکذا الحال بالنسبة لمحسن حسين الحبيب، الذي تولی وزارة الدفاع في زمن عبد الرحمن عارف، واعتقد انه تولی رئاسة الوزارة ايضاً.

ومن الرعيل الثاني من الضباط کان عطشان ضيول ومطيع عبد الحسين اللذان اختارا الانضمام الی الحزب الشيوعي، ففصلا وامضيا وقتاً طويلاً من حياتهما بين السجون والنضال السري، وماتا في الغربة قبل سنوات. ومن ذلك الرعيل کان خضر عباس البياتي وصالح الحمداني وصگبان طاغي البطي. وقد حافظ الضابطان الأخيران علی حيادهما السياسي ولا اعرف ما حل بهما. أما خضر عباس البياتي فقد احيل علی التقاعد بعد انقلاب شباط الاسود. وبعد تلك المجموعة انضم مظفر عودة السعيدي ورشيد لفته العبودي الی الکلية العسکرية، وتبعهما صفاء السيد هادي الدهش وعبد الرضا عوض السعيدي وسامي سعود السعدون وجمال عبد اللطيف وعدنان کامل الحاج وادي وخليل ابراهيم اطيمش (ضابط اعاشة).

اعرف مظفر عودة السعيدي (أبو سعد) شخصياً عن طريق ابن عمه واخي زوجته نوريه، الصديق محمد عوض. کان مظفر مثالا للضابط الغيور الذي حافظ علی ولائه لمهنته العسکرية فقط خلال السنوت العصيبة التي تلت ثورة تموز. ومن المؤسف ان ابا سعد فـُقد في الحرب مع إيران، وکان وقتها برتبة عقيد. أما رشيد لفتة العبودي فقد فُصل من الخدمة بعد انقلاب شباط الأسود وقضی فترة في السجن ثم اطلق سراحه وعُين موظفا في احد مصارف الناصرية، بمساعدة من سعدون غيدان، صديقه خلال الکلية العسکرية. تعرفت علی ابي ماجد عن طريق الصديق المرحوم کاظم ذياب الخفاجي خلال فترة وجودي في الکلية. ومن خلاله تعرفت ايضاً علی اخيه جاسم العبودي الذي کان وقتها طالباً في معهد فاحصي البصر في بغداد، وکذلك علی الأخ الثاني عبد لفته، والأخ الأصغر عدنان. کانت علاقات الصداقة تربطني اکثر بجاسم لفته بحکم عامل السن، لکني تعرفت علی قصة رشيد کاملة وعن قرب. فبعد اکماله الکلية العسکرية ولدی رجوعه الی الناصرية برتبة ملازم ثانٍ، أحبَّ رشيد احدی بنات المدينة. لکن "القسمه ما صارت!" مثلما کان يقول. وعندما انتقل الی البصرة، تزوج احدی بناتها. لکن الزواج لم يدم رغم انهما رُزقا بطفلة. ولدی انتقاله الی بغداد تعرف علی مدرسة من منطقة الاعظمية فتزوجها، ورُزق منها بولدين وبنت. وکان وقتها قد احضر طفلته من زواجه الاول لتنظم الی العائلة. وعندما قام انقلاب شباط الأسود کان رشيد برتبة رئيس. وقد تمَّ اعتقاله ضمن الضباط الذين القي بهم في سجن معسکر الرشيد ثم فصلوا وقدموا لمحاکمات صورية. عاد رشيد مع عائلته الی الناصرية وعُينت زوجته مدرسة في ثانوية البنات. وخلال السنوات العشر التي کنتُ فيها علی معرفة بابي ماجد کان الحزن يغمره لفقد رتبته وخدمته العسکرية الواعدة التي يتشوق اليها. لقد کان الجيش بالنسبة له هو الميدان الذي لم يرغب ان يکون في  ميدان سواه. وقد زاده حزناً وفاة ابنته الکبری في حادثة احتراق غامضة، وهي في سن الثانية عشر. وفي اعتقادي ان حنينه وتعلقه بالمهنة العسکرية قد لازماه حتی انتقاله الی رحمة الله قبل عامين تقريباً. أما الصديق جاسم فقد سجل لدراسة الحقوق بالمراسلة في جامعة المستنصرية. وکنت احصل علی نصوص المحاضرات وابعثها له، عندما کنت اُدرِّس في کلية التربية في مطلع السبعينات. ويبدو انه انتمی الی حزب البعث في ذلك الوقت. فعندما اکمل دراسته استقال من عمله في مستوصف الطلاب وعُين مديراً لناحية الاصلاح، علی ما اعتقد، في الوقت الذي غادرت فيه العراق صيف عام 1975.

وهناك ضابط آخر نشأ في الناصرية لکنه أصلاً کردي فيلي من منطقة خانقين. لا اعرف متی وأين ولد، لکني اعرف انه أکمل دراسته الثانوية في الناصرية، وکان ملاکما ذا لياقة بدنية عاليه ووسيم المظهر. وهو صديق مقرب من عبد الله الرکابي. زاملت أخاه ثامر في مرحلة الدراسة المتوسطة، وکانت له اخت بعمر سميره يوسف الصيدلي، وربما صديقة لها. کان رب العائلة يعمل قاطع تذاکر في سينما البطحاء التي تملکها عائلة الحمداني. وعند افتتاح کلية القوة الجوية، کان منذر توفيق الونداوي في طليعة المنتمين اليها، وتخرج منها بتفوق. وبعد قيام الثورة أُرسل  الی الأتحاد السوفياتي فاثبت جدارة فائقة في قيادة طائرات المگ المقاتلة. ومن مفارقات القدر ان يضطلع منذر توفيق الونداوي بدور رئيسي في انقلاب شباط الأسود، اذ کانت طائرته اول وإحدی الطائرتين المغيرتين اللتين دکتا وزارة الدفاع ومکتب الزعيم الشهيد عبد الکريم قاسم بالصواريخ خلال الساعات الأولی للأنقلاب، ثم طيلة النهار. وعندما استطاعت المقاومات الأرضية من إصابة الطائرة واسقاطها، قفز الطيار الونداوي بمظلته فهبط الی الأرض بسلام. وعندما استسلم الزعيم والبعض من رفاقه الشهداء علی يد العقيد المظلي عبد الکريم مصطفی نصرة، الذي نقلهم بدبابته الی مقر الأذاعة والتلفزيون حيث اعدموا في قاعة الموسيقی عصر التاسع من شباط الأسود، کان منذر الونداوي ضمن الحاضرين. رُقيَ منذر توفيق الونداوي الی رتبة اعلی، واصبح القائد العام لقوات الحرس القومي، التي ارتکبت افضع الجرائم الفاشية في شوارع بغداد والکاظمية وأزقتهما أولاً، ثم في قصر النهاية ومعسکر الرشيد والسجن المرکزي ومرکز شرطة الأعظمية  وکتيبة الدبابات وملعب الشعب، وغيرها من السجون والمعتقلات في بغداد وغيرها من مدن العراق المنکوبة، ومنها الناصرية. سمعت، وانا في معتقل الخيالة رواية مفادها ان منذر توفيق الونداوي کان منحرفاً جنسياً. ولا ادري مدی دقة هذه الرواية أو عدمها!

لا اعرف ماذا حلَّ بالضباط لآخرين من ذلك الرعيل، باستثناء ان سامي سعود السعدون صار مرافقاً لناجي الحاج طالب خلال اشغال الأخير لمنصب رئيس الوزراء. ومن المعروف ان سامي کان وقتها متزوجا من ابنة خضر الحاج طالب.

ومن جيلي انضم الی الکلية العسکرية کلٍّ من خالد عبد الرزاق الحران وعرفان عبد اللطيف وعبد الأله غرگان الحصونة ومهدي خضير مرزا القماش وماجد ابراهيم أطيمش ، فصاروا ضباطا ولا اعرف ماذا حلَّ بهم. وکان خالد وعرفان وعبد الأله زملائي في مرحلتي الدراسة الأبتدائية والمتوسطة. وتجدر الأشارة الی ان عبد الأله الحصونة حافظ علی اخلاقه وطباعه القروية بعد ان اصبح ضابطا، اذ کان يتوقف ويحيي بحماس عندما التقيته بعض المرات في المدينة عندما حضر لزياره اهله خلال الاعياد.  وعلی العکس من ذلك طالب من جيلي زاملني في الدراسة في دار المعلمين الابتدائية، وانضم الی الکلية العسکرية بعد ان خدم في التعليم لثلاث سنوات. کان شخصاً لطيفاً وموهوباً في العزف علی آلة (الأکورديون). المقصود هنا هو قاسم صياح الذي انضم الی البعث بعد شباط الأسود فاستقال من التعليم، ودخل الکلية العسکرية. واتذکر انه عند حضوره الی الناصرية في عطلة احد الأعياد کان نفخ صدره ويمشي متعالياً في حي الأسکان، فکان ذلك آخر عهدي بتبادل التحية معه. ومن الجدير بالذکر انه لم يلتحق بکلية الشرطة من ابناء الناصرية احد أعرفه سوی باسل بشار، وشاب آخر من شارع العشرين (للأسف لا اتذکر اسمه، ربما نزيه، صار ضابط مرور وکان صديقاً للمرحوم عاجل کريم)، والأثنان اصغر سناً مني.   

أشرت في الصفحات السابقة الی صدمتي الأولی لتحويل مدرستين ومقر نقابة المعلمين الی مراکز لاعتقال الاعداد الفائقة من المعلمين والمدرسين والطلبة، الأمر الذي أحدث شللاً في عملية التعليم، لأن العديد من ابناء المدينة وبناتها کانوا قد اختاروا التعليم مهنة لهم. ثم جرَّني الحديث لأن أشير الی المهن الاخری التي انخرط فيها الشباب والشابات في المدينة. وتجدر الأشارة الی غياب الفتاة الناصرية عن اختصاصات المحاماة والطب والهندسة، وعدم انخراط أيٍّ أحد في کلية طب الأسنان. وفي علمي انه حتی وقت مغادرتي للعراق لم يتخرج من ابناء الناصرية في کلية الطب البيطري أحدٌ، باستثناء محمد عبد الحسين، الذي لم يمارس المهنة وانتهی لاجئاً في فرنسا. أما الصدمة الثانية فهي روح اليأس والغضب والأمعان في تأنيب الضمير والذات التي کانت سائدة بين من وجدته في معتقل نقابة المعلمين، إمَّا بسبب الإعتراف او بسبب الإنتماء اصلاً. کان الواقع يختلف تماماً عما کان عليه في معتقل الخيالة. کما ان العلاقة والطريقة التي تعامل فيها المعتقلون مع بعضهم البعض لم تکونا علی مستوی التفاهم والاحترام والتضحية التي کانت تطغی علی العلاقات في معتقل الخيالة. لقد اصبح جلياً امامي ان السقوط السياسي يکشف ويعرِّي الحقيقة علی حالها. والشيء الآخر هو ان الوقت کان يمرُّ ببطیء ممل، و"تکاد تمدُّ ارجلَها الدقائق تستحيلُ الی عصور"، کما قال الصديق الشاعر سعدي يوسف. ولکن حتی في هذا الواقع المأساوي کنت تسمع همسا، ان الجواد الذي کبا سينهض لا محالة! ولکن من له المزاج والصبر لأن يسمع کلاما حتی وأن کان فيه بصيص من الأمل، وسط ذلك الجو المشحون بالفشل الذريع، والشعور غير المحدود بالخيبة المطلقة والأحباط.

فرحتُ کثيرا عندما صدر الامر من الحاکم العسکري العام باطلاق سراحي في مطلع الشهر الخامس، مع عدد من المعتقلين، ربما کان عددنا ثلاثين. اقترح الوالد ان اترك المدينة لبعض الوقت، وکان من الممکن ان اذهب لقضاء بعض الوقت في القرية، خاصة وان الموسم کان موسم الحصاد. ولکن لحسن الحظ رکبت السيارة في اليوم التالي متوجهاً الی بغداد بدلاً من ذلك. کنت هناك عندما قامت حرکة حسن سريِّع للاستيلاء علی معسکر الرشيد في مطلع شهر تموز. والشهيد حسن سريِّع عريف في الجيش ينحدر من مناطق سوق الشيوخ. قاد خلية من الجنود الشيوعيين في المعسکر، واستطاع هو ورفاقه من السيطرة عليه واعتقال الوجبة الأولی من الحرس القومي التي وصلت المعسکر بقيادة آمرهم منذر توفيق الونداوي ووزير خارجية الأنقلاب حازم جواد. وقد تمکن حسن سريِّع ورفاقه من السيطرة علی السجن رقم واحد في المعسکر، والذي کان يضم عددا کبيراً من العسکريين الذين اعتقلهم الأنقلابيون ووضعوهم هناك منذ شباط الأسود. وبسبب الثقة العالية بالنفس، فقد اکتفی حسن سريِّع ورفاقه باعتقال افراد الحرس القومي وقيادتهم ووضعوهم في احدی القاعات لکي يحالوا الی المحاکم المختصة فيما بعد لمحاکمتهم. ومن سخرية القدر ان العسکريين المعتقلين من الشيوعيين واصدقائهم ترددوا في مغادرة السجن والأنضمام الی حسن سريِّع ورفاقه، لخوفهم ان تکون القضية خدعة القصد منها تصفيتهم بالکامل ان هم غادروا السجن. وبعد ساعات تمکن الطيران ووحدات من معسکر الوشاش بقيادة عبد السلام عارف نفسه من احکام السيطرة ثانية علی المعسکر، فاُعدم حسن سريَّع ورفاقهُ. کما اعدم في نفس الوقت اثنان من اعضاء اللجنة المرکزية للحزب الشيوعي، احدهما عبد الجبار وهبي، وللأسف لا اتذکر اسم الشهيد الآخر.

کنت محظوظا لأن افراداً من الحرس القومي قد جاءوا الی بيت عائلتي في الأسکان يسألون عني يوم وقعت حرکة الشهيد حسن سريِّع. وحالفني الحظ ثانية عندما عدت الی الناصرية خلال الاسبوع الذي حضر فيه المجلس العرفي اليها لمحاکمة بعض المتهمين من الطلبة، کان بينهم اخي احمد وعدد کبير من زملائه في المرحلة الأعدادية. کنتُ في ذلك المساء مع صديقي المرحوم کاظم ذياب الخفاجي وغادرنا نادي الموظفين في ساعات الصباح الأولی متوجهَين الی الأسکان. وعلی الجسر اوقفنا بعض الأفراد من الحرس القومي وأخذونا الی المقر. کان هناك عدد من الاشخاص لا اعرف اکثرهم. ولحسن الحظ بينهم کريم خضير. وعندما اخذ کريم المرحوم کاظم جانباً، عاد کاظم بعد دقائق وهو يضحك، لأن التهمة هي انني کنتُ اکيل السباب للمجلس العرفي! طبعاً نفي الصديق المرحوم کاظم أي شيء من هذا القبيل وترکونا نذهب بعد ساعتين تقريباً.

في مطلع العام الدراسي التالي اُعدت الی الخدمة، ولکن تمَّ نقلي أو بالأحری إبعادي الی مدرسة الطار. اعتقد ان القائمة قد ضمت حوالي مئتي اسم، واُبعد قسم من الاصدقاء الی شمال العراق. کان مدير مدرسة الطار آنذاك معلم بعثي من سوق الشيوخ اسمه محسن عبد الجليل الجاسم، وکان شخصاً مؤدباً لطيفاً قليل الکلام. لکن عملي في الطار لم يدم طويلاً ، اذ انقلب عبد السلام عارف علی الحرس القومي، فانتهی دوره وهرب منذر توفيق الونداوي الی سوريا ثم الی مصر، ولا يزال علی قيد الحياة، ربما في پاريس. وبحسب علمي فان الناصرية قد قدمت شهيداً واحداً فقط ما بين انقلاب شباط الأسود وانقلاب عبد السلام عارف، هو الشهيد السيد وليد. لم يکن معنا في سجن الخيالة ولا النقابة، ولم التقِ به في بيت آمر الحامية. قيل انه قُتل تحت التعذيب عندما اُعيد اعتقال بعض الشباب، وأوقفوا في مدرسة خالد بن الوليد، إثر حرکة حسن سريِّع في شهر تموز من عام 1963.

حضر الوالد الی ناحية الطار عصر احد الأيام، واحضر معه امرا إداريا بنقلي الی مدرسة الحکمة التي کان يديرها المرحوم ثامر سعدون الفتاح (ابو عادل). کان ابو عادل صبورا معي اذ امضيت معظم الوقت في اجازة مرضية. في نهاية العام الدراسي ترکت مدرسة الحکمة والتحقت بکلية التربية. وبعد اربع سنوات تخرجت فيها بامتياز عام 1968. کان يمکن ان احصل علی وظيفة معيد. لکنني فضلت العودة الی الناصرية وخدمة التعليم في مدينتي. عُينت مدرِّسا في متوسطة الناصرية. وبعد اسبوع صدر امر بنقلي الی اعدادية الناصرية. کان اخي الاصغر عدنان من اکثر الناس فرحاً، لأسبابٍ وجيهةٍ!. ولم اکد أبدآُ عملي هناك حتی صدر أمر ثالث بنقلي الی دار المعلمين الابتدائية. وعندما ذهبت لمقابلة مدير التربية عبد الأله الوائلي مستفسراً، ظهر لي ان العملية بکاملها کان يُراد بها الاستفزاز. لقد استقبلني الرجل، وحقاً فاجأني، ببذيء الکلام، وهو يصرخ ويلعن ويهدد ويتـوعد.

وعندما قلتُ الذي قلتُ، دخل الجلاوزة بقيادة فؤاد محمد السهل واخرجوني من مکتب الوائلي بطريقة لا تليق بمعاملة معلم في حضرة رئيس المؤسسة التربوية!  وعصر ذلك اليوم صدر الأمر بتخفيض راتبي وتخفيض درجتي الی معلم، (بمعنی الغاء شهادتي)، ونقلي الی مدرسة الچرباسي في اعماق هور الحمار. تعرفتُ هناك علی الصديق زيد عبد الکريم الخيون ومعلم آخر من الچبايش، إسمه عبد الساده،  للأسف لا يحضرني اسمه کاملاً. وکان عليَّ ان اسکن في مخفر الشرطة الذي کان يديره عريف من السويج وفيه شرطيان مُبعدان من السليمانية. وجدت قضيتي حلاً سهلاً عن طريق اضافة اسمي الی قائمة المعلمين المنقولين الی ديالِی لقاء مبلغ معين، فکان ذلك آخر عهدي بالتدريس في مدينتي الحبيبة الناصرية، وذلك في عام 1969. عُينت في مدرسة مسائية في قضاء الخالص. وقد اتاح لي ذلك الفرصة للألتحاق في قسم الماجستير خلال ساعات النهار، في حين کان الکثير من اصدقائي وزملائي قد توجهوا الی مختلف السجون والمعتقلات لقضاء فترات سجنهم في الناصرية والحلة وبعقوبة والکوت وبغداد ونگرة السلمان والبصرة. وقد امضی الکثير منهم السنواتِ الطوال في تلك السجون والمعتقلات.

ومن قبيل الصدفة أنه وأنا اتابع ما نشره الاخ عقيل عبد الکريم حبش عن تجربته في اهوار الجنوب، نشرت جريدة (الحياة) بتاريخ 17/6/2005 مقالة للکاتب حسين بن حمزة راجع فيها کتاب "يوميات دراجة نارية" لارنستو چي گيفارا، الذي ترجمه الكاتب الفلسطيني صلاح صلاح. هذا وکان احد مخرجي هوليود قد اختار المذکرات وجعل منها فلماً رائعاً. تغطي اليوميات وقائع رحلة قام بها چي گيفارا مع صديقه البرتو گرانادا (الطبيب المتخصص في الجذام) وقطعا خلالها 4500 كيلومتر على دراجة نارية. ما كتبه چي گيفارا الشاب والطالب في كلية الطب بعيد من صورته كرمز انساني نضالي وتقدمي، فقد تحول في ما بعد الى واحدة من أيقونات القرن العشرين.

إن چي گيفارا، حتى وهو شاب، لا يغيب عن باله أن يلاحظ ويسجل ويحلل. فاليوميات تُشير، في أجزاء منها، لوعي مبكر بالمآسي التي تعيشها شعوب أميركا اللاتينية في ظل الديكتاتوريات. ثم تتحول الرحلة الى تجربة ذاتية وموضوعية، بحيث تتدخل مشاهدات الناس ومقاربة أوضاعهم وتحسس الظلم الذي يعيشونه، مع بساطتهم ويأسهم ومآسيهم. مقاطع وأسطر تكشف حساسية چي الشاب في التقاط عصب ما يشاهده ويعاينه في الرحلة. يلتقط آلام الناس وفظاظة الحكومات والجنرالات، يتحسس روح البشر البسطاء. وهذه ليست وجهة نظر فحسب بل تتضمن تحليلاً اجتماعياً وطبقياً عميقاً، إضافة الى ان هذه الكلمات تكشف عن موهبة في الكتابة والتدوين. إن رحلته هذه يمكن اعتبارها مقدمة لرحلة تالية وأكثر أهمية ستقوده الى الانخراط في الكفاح المسلح وحرب العصابات في سبيل الحرية في کوبا ثم في بقية أمريکا اللاتينية، حتی لحظة استشهاده علی أيدي عملاء المخابرات الأمريکية في أدغال بوليفيا عام 1967 بعد ستة عشر عاماً على قيامه بالرحلة الأولى.

چي گيفارا، على الأرجح، واحد من الشخصيات النادرة في التاريخ الحديث التي امتلكت صورة جذابة ولكنها تُرى من الأمام والخلف، من مكانته واسمه كثوري يساري قُتل قبل أن يكمل حلمه فصار أسطورة تشبه أساطير العشاق الذين لم تجمع بينهم أقدارهم، وأيضاً من صورته الجذابة

بحسب الأجيال الشابة التي تجد فيه نموذجاً، نوعاً من (ستايل)، يفكرون به ويتماهون فيه. والحال ان چي گيفارا يعني أشياء ومعاني كثيرة وهذا، على الأرجح، سبب خلود قصته غير المكتملة وثورته غير المنجزة، ويحق للقارئ أن يسأل ماذا لو أن چي عاش حتى يومنا هذا أو، على الأقل، لم يمت بتلك الطريقة وفي عز شبابه وحماسته. هل كانت نظرتنا اليه ستختلف؟ هل كان تقديره سيتغير؟ هل كان خلوده سيتعرض لامتحان آخر يخفت وهج اسطورته؟

إن الذي اعاد الی ذهني موضوع آرنستو چي گيفارا هو ما کان يجري من حديث بعد نقلي الی مبنی نقابة المعلمين. فوسط ذلك الجو المشحون بالذل والانکسار والهزيمة والغضب وحتی الخجل، کنت تسمع همساً واحيانا بصوت مسموع عن الکفاح المسلح. وتردد اسم چي گيفارا کثيرا، والأهوار والجبال والعصيان في القری والمدن، وهو في رأيي مزيج من الرومانسية وطلب الثأر. وبرغم ان النظام الفاشي قد قضی أو کاد علی نشاطات الکفاح المسلح في الأهوار، استمر الثوريون الشباب في التوجه الی المناطق الجبلية، لکن کل التضحيات لم تضعف النظام ولم تتمخض عن أي کسب علی الخريطة السياسية، حتی بعد سقوط النظام. فحلفاء الأمس من الپشمرگة "النشامی" قد طلبوا من الأخوة مغادرة المنطقة لأن النظام قد سقط، والشمال منطقة کردية لحزبين، ولربما لحزب واحد إن أمکن، ولکن إطلاقاً لا ثالث لها.

 

کنا نحلم بتغيير الوضع واحتمال العودة للوطن الحبيب، لکن هذا الحلم بدأ يتلاشی تدريجياً. ليس خفياً أن العرب والمسلمين في الولايات المتحدة قد تعرضوا الی مضايقات واعتقالات واجراءت غير قانونية، إثر جرائم الأرهابيين يوم (11 سبتمبر عام 2001)، ومن ثم غزو العراق واحتلاله عام 2003. وعندما حضر وکلاء الأمن القومي (ف.ب.آي) الی مکتبي في الکلية لاستجوابي، لا لشيء إلا لأني عراقي وعربي ومسلم، أخبرتهم انني وعائلتي ضحايا نظام صدام، وان موقفي في معارضته علنيٌّ ومُثـَّبتٌ في اللقاءات والمقابلات الصحفية والتلفزيونية منذ وصولي الی هذه البلاد عام 1978. أخبرتهم إنني اصبحت أستاذاً واخترت الغربة في هذه البلاد "بمحض الصدفة". فلو اني لم أُسجن وأُبعد وأُفصل علی يد البعثيين عام 1963 لبقيت معلما!. ولو انهم أحسنوا معاملتي ولم يبعدوني الی الأهوار عام 1968  لبقيت مدرساً. ولو انهم سمحوا لي ان اتمتع بزمالة منحتني إياها الأمم المتحدة عام 1975 لدراسة الدکتوراه، لرجعت الی العراق بعد التخرج. والآن وبعد کل هذه السنين، أشعرُ انني وأخويَّ أحمد وعدنان مواهبُ أُهدرت في الغربة للا شيء، مواهب ضاعت کما ضاع غيرها من مواهب الآلاف، بل الملايين من ابناء وبنات العراق. ومع ذلك، تبقی الناصرية والعراق في القلب والوجدان مادام من العمر بقية.

ختاماً، أود من الأخوة والأخوات من ابناء وبنات مدينتي الحبيبة ان يکملوا ما بدأته. فالقصد اصلاً کان ان نفتتح الحوار. شکراً لمن زودني منهم ببعض المعلومات، وخاصة أخي عدنان، أو اتصل بي ليوقض الذاکرة التي اتعبتها الغربة والسنون لاستعادة بعض التفاصيل. وعذراً لمن فاتني ذکر اسمه في بعض الاحداث التي کنت فيها مشارکاً ومشاهداً في نفس الوقت.