الحلقة الحادية عشر

الضيافةُ مُستمرةٌ!

رأيت الذي لا کلَّهُ أنتَ قادرٌ    عليه، ولا عن بعضِهِ أنتَ خابرُ

د. محمد الأزرقي

mjiyad@hotmail.com 

 

ذکرت في الحلقة العاشرة ان غازي سيف عاد عند ظهر اليوم التالي يحمل کيسا ناولني اياه وقال "هذا لوِلد الولايه." فتحت الکيس فوجدت فيه مواداً طبيةً وضماداتٍ. شکرته وقلت له انني احتاج الی وعاء لغلي الماء ورخصة للذهاب الی المطبخ والغرفة الاخری، فقال "علی راسي!"

 

تمزَّق قلبي الماً وصُعقتُ عندما ذهبت للغرفة الاخری وشاهدت عن قرب آثار التعذيب الهمجي الوحشي علی وجوه سليم داود وفؤاد مگطوف وکاظم جواد العجمي. کان يوجد في الغرفة شخص آخر بدا انه مازال في صدمة. لم تکن آثارٌ للتعذيب باديةً عليه، ولکن يبدو انه صُفِع عدة مرات. سمعته يردِّدُ شيئاً يشبه (الهوسه) "اشلون نسلـِّم کاظم لابن الحايچ والحداد، اشلون نسلِّم کاظم!" علمتُ فيما بعد انه الابن الاکبر للشيخ ريسان، وهو الذي قاد   الثورة العشائرية التي سُميت باسمه في الثلاثينات. کما وجدت ايضا شخصين هما فائز الزبيدي ودلي مريوس. کان تعذيبهما اشد، خاصةً دلي مريوس الذي کان يئنُّ وهو ملقیً علی الارض. الانسان حقا اکثر الحيوانات قسوة، وليس اثمن رأس مال! الحيوانات تقتل في العادة لتأکل وتضمن البقاء. ويقسو الانسان من اجل السيطرة والتحکم.

 

کان الدم المتخثر علی وجه دلي مريوس وفي شعره وعلی رقبته قد بدأ يتعفن وتنطلق منه رائحة کريهة. کانت عيناه مغلقتان فقد تورمتا تماما، وآثار الضرب بالانابيب المطاطية بادية علی صدره ويديه. الرجل ضخم الجثة طويلها، ولابد ان يکون وزنه قد سبب له الماً مضاعفاً عندما علقوه في السقف. اما فائز الزبيدي، فهو نحيل قصير القامة، وجروحه ظاهرة بشکل واضح بسبب بشرته البيضاء. بدت آثار القيد عميقة في معصميه، واعتقدتُ حينها ان ذراعه کانت قد شُلَّتْ أو کُسرت بسبب التعذيب. لم يکن قادرا علی الحرکة، واثار الضرب علی وجهه بالانابيب المطاطية بادية للعيان. اما فؤاد مگطوف فآثارُ التعذيب عليه افضعُ مما شاهدته وهو في طريقه الی الحمام في اليوم السابق. کان الدم متخثرا في طيات شعره الفاحم الکث. لقد ضربوا بالانابيب المطاطية علی راسه، وکان انفه متورما وکذلك عيناه نتيجة لکمات سُددت لوجهه وهو يلبس نظارتيه فکسروهما، کما روی لي. ربما کان القصد ان يسببوا الاذی لعينيه. وهناك جرح عميق علی حاجب احدی عينيه، لا اتذکر ايهما. لاحظت ايضاً آثار الضرب علی ظهره، واثار القيد علی معصميه عندما علقوه الی خطاف السقف. علمت منه انه عُذب ثلاث مرات. وکذلك فائز الزبيدي. أما سليم داود فقد عُلق وانهالوا عليه بالضرب واللکمات حتی اغمي عليه مرتين.

 

فهمت ان الغرض من وجود طبيب ضمن فريق التحقيق هو تأمين الحقن لأنعاش من يُغمی عليه، حتی يتواصل ذلك التحقيق. لم يتذکر دلي مريوس کم مرة عُذب، واغلب ظني انه ربما لم يکن يريد ان يتحدث عن الموضوع بتاتاً، فلم أسأله ثانيةً. اما کاظم جواد العجمي فقد کان عاطفياً للغاية ازاء الوضع بکامله. دموعه الغزيرة وهو يصف التعذيب او يتحدث عن الاعترافات والخسارة هي طريقته في التعبير عن اسفه وعدم قدرته علی حفظ الامانة، کما کان يحلو له ان يسميها. يبدو ان المه النفسي قد فاق الآلام الجسمية الشديدة التي سببها له التعذيب الوحشي. سألته عن الدم حول رقبته فقال انه لا يتذکر ماذا حدث. ربما اُغمي عليه، وهذا قد يکون السبب في عدم قدرته لأن يتذکر ما جری له کلَّ الوقت.

 

لم اسمع باسم دلي مريوس ولم اقابله من قبل، وکذلك لم اقابل فائز الزبيدي. اعرف انه شاعر ورسام. درس اللغة العربية وقابل خلال فترة الکلية سميرة يوسف الصيدلي. بعد التخرج عادت سميرة الی الناصرية وعُينت مدرِّسة في ثانوية البنات عام 1962. لحق فائز الزبيدي بها وطلب التعيين في الناصرية ايضاً، فعين في المدرسة الثانوية في نفس العام. التقيت فيما بعد بأخيه عبد العظيم عندما کنت في کلية التربية بين الاعوام 1964-1968. وعبد العظيم کأخيه فائز رائق الطباع ومرهف الحس. والعائلة اصلاً شيعية تسکن منطقة الکاظمية، وهما الولدان الوحيدان لها. ومن الجدير بالذکر ان فائز وسميرة تزوجا  فيما بعد وانتقلا الی بغداد.

 

لم تربطني بحسين الدجيلي اية علاقة باستثناء انه کان يسکن في منطقة الاسکان، فهو المهندس الذي اشرف علی بناء المشروع. اعتقد، وربما لستُ مصيباً، ان اخاه الاکبر هو عبد العباس الدجيلي الذي کان الطلاب يسمونه (عباس دويچ) لانه يمشط شعره بطريقة خاصة. درَّسني عبد العباس الدجيلي علوم الاحياء عندما کنت طالباً في الصف الثاني المتوسط عام 1955، وانتقل بعدها الی مکان آخر لا اعلم أين. اما اخوه الاصغر فهو هادي الدجيلي، وهو شاب هادیء فعلاً وقليل الاختلاط. کان معلماً منسَّباً لتدريس اللغة الانگليزية في المدرسة المتوسطة، ويسکن في بيت اخيه حسين. أعتقد انه انضم الی قائمة المعلمين القوميين بعد انقلاب شباط.

 

ذکرت في إحدی الحلقات السابقة انني تعرفت علی سليم داود عام 1956 عن طريق الصدفة، عندما کنت في جولة علی ظهور الخيل مع خالي المرحوم ريسان عليوي المطشر وابن عمي المرحوم کريم نعيمة الحسون قبل موسم الحصاد لذلك العام. کان سليم يعمل ميکانيکيا لماکنة ضخ المياه العائدة للسيد هادي الدهش لسقي اراضيه الزراعية التي تحادد اراضي عشيرتنا شمالاً باتجاه منطقة (الشِّريف). توطدت علاقتنا اکثر بعد الثورة عندما عرفت العائلة التي ينتمي اليها سليم، وقضينا معاً فترات الاعتقال القصيرة المتکررة خلال عهد الزعيم الشهيد. اعجبني فيه انه راوٍ بارع ومحدِّثٌ لَسِن، يتحدث کما وکأنه قرويٌّ من لب الريف. اقام سليم وصديقه نوري ناصر مشروعاً لتربية الدواجن في مطلع السبعينات. وبعد فشل المشروع، فشلت معه الصداقة القوية بينهما، فانتقل سليم الی بغداد واستمرت علاقتي ولقائي المنتظم به حتی وقت هروبي من العراق، وسط السبعينات.

 

اما کاظم جواد العجمي فقد کان يسبقني في الدراسة. ولکن عندما فُصل من الدراسة لمشارکته النشطة في اعتصام الطلبة عام 1956، سيق الی الخدمة العسکرية في معسکر جلولاء مع الطلبة الآخرين. وعندما اکمل الخدمة التحق بدار المعلمين الابتدائية في نفس السنة التي دخلتها فيها، فتخرجنا في نفس العام. في الحقيقة حصل کاظم علی المرتبة الثانية بعدي في سلم المتخرجين في دورتنا لعام 1960. حافظنا علی صداقتنا ودخلنا الاعتقال المؤقت ايام حکومة الزعيم الشهيد عدة مرات. ولکاظم اخ اصغر منه اسمه صمصام. کان صمصام عصامياً حقاً. فقد کان يعمل مع والده في محله الصغير لخياطة (الدشاديش). وبعد اکمال المرحلة الثانوية، درس الهندسة وعمل في الناصرية بعد التخرج لفترة قصيرة. صارصمصام مقاولا ثم انتقل الی بغداد بعد زواجه من اخت الصديق غانم خليل المصور. والأخ الاصغر لکاظم اسمه مصطفی، الذي درس الرسم في دار الفنون الجميلة في بغداد وتخرج في اواسط السبعينات. غادر الصديق کاظم العجمي العراق بعدی بسنتين، واستقر في روما مع زوجته وابنه مهيار. جرت بيني وبينه مراسلات ونحن في دار الغربة، وکان مخططاً ان ازوره في روما في الصيف الذي حضر فيه صديقنا عبد الحسين چولان لنفس الغرض. لکن الزيارة لم تتم لأن سفارة صدام حسين في واشنطن قد صادرت جواز سفري عندما ارسلته اليهم لغرض التجديد عام 1980. قالوا أولاً انهم سيزودوني بجواز سفر للعودة للعراق فقط لأداء الخدمة العسکرية لأن (مواليدي) قد استدعوا لنفس الغرض بعد قيام الحرب مع أيران. ثمَّ عادوا ثانية ليقولوا انني حضرت الی الولايات المتحدة لدراسة الدکتوراه بدون موافقة (الجهات العليا)، وإن أمريکا من دول العدوان! وانه يتحتم عليَّ العودة الی العراق لحل هذا الإشکال. فرفضت کلا الاقتراحين، فکان ذلك آخر عهدي بجواز سفري، إذ اصبحت بعدها مواطناً بلا وطن لسبعة عشر عاماً!  

 

أمَّا بالنسبية لفؤاد مگطوف فهو يکبرني بسنتين او ثلاث سنوات، واعتقد انه بعمر کاظم العجمي. أذکره جيدا من خلال دوره في قيادة اعتصام الطلبة المشار اليه في اعلاه. ولما فُصل من الدراسة، سيق هو الآخر للخدمة العسکرية في جلولاء. وعند اکمال الخدمة، عاد ثانية للدراسة فاکمل الاعدادية ثم التحق بالدورة التربوية المسائية. وبعد التخرج عُين معلماً في السديناوية. ومن الجدير بالذکر ان جميع الطلبة الذين قادوا الاعتصام، فصلوا وسيقوا لأداء الخدمة العسکرية. وقد اختاروا جميعاً التعليم، باستثناء ضياء احمد اغا الذي اصبح صيدلانياً. عرفت المرحوم فؤاد مگطوف زميلا في نقابة المعلمين وکذلك ايام الاعتقالات المتکررة المؤقتة في عهد الزعيم الشهيد. اعتقد انه کان يقضي محکوميته الطويلة في سجن الحلة عندما هربتُ من العراق.

 

 إن الوقت الذي امضيته مع هؤلاء الاصدقاء في سجن الخيالة بعد شباط الاسود قد وطَّد معرفتي بهم اکثر فاكثر، وقوَّی من علاقتي بهم. لکنني علی ثقة تامة ان الايام القليلة الاخری التي قضيتها وانا اعنی بجروحهم في مرکز التعذيب، قد جعلت لکل منهم مکانة خاصة في وجداني وذاکرتي. لقد کانت قطع القطن وقناني صبغة اليود والکحول وعلب مرهم الپنسلين والضمادات، التي استعملتها لمداواة جروحهم قد اعطت لوجودي في المعتقل معنیً من نوع خاص. کان واضحاً ان عباس حمادي هو لولب فريق التعذيب الذي ساهم في تعذيبهم جميعاً، خاصة فؤاد مگطوف وکاظم العجمي وسليم داود. کما ان غازي سيف قد ساهم هو الاخر في ضرب بعضهم. کنت اسمع صراخه احيانا خلال نوبات التحقيق وهو يکيل السباب لمن اُحضروا خلال وجودي هناك. لم افهم التناقض في سلوکه في جلب العلاج من جهة، وتعذيب المعتقلين من جهة اخری. يبقی الانسان لغزاً محيراً احيانا. 

 

ولابد من الأشارة هنا الی ان عدداً من افراد الحرس القومي کانوا يترددون علی مرکز التحقيق لمهمات اخری. فغالب محمد النصر الله واخوه طالب محمد النصر الله  کانا يحضران الطعام واشياء اخری الی مرکز التحقيق، ولکن بشکل غير منتظم. شاهدتهما ينقلان الاضابيراو يجلبانها احياناً. کان الطعام في العادة کباب او (أبيض وبيض). ولکن مَن له المزاج أوالشهية لکي يأکل او حتی يفکر بالأکل! اما الحرس وفئة المتعاونين فکانت تأتي وجباتهم بانتظام من دار السياحة او نادي الموظفين، وتتوفر السجائر للمدخنين منهم. کما شاهدت حضور عبد الواحد الحصونه والأخ الاصغر لعلي حسين الرويح، الموظف في الأدارة المحليه، للأسف لا يحضرني اسمه. وقد اصبح هذا الحرس القومي مدرساً فيما بعد، وتزوَّج المعلمة مي الدهش، وهي الأبنة الصغری للسيد هادي الدهش. کان البعض من افراد الحرس القومي الآخرين، يحضرون عادة وقت العصر للحديث عن السياسة والادب!  ومن هؤلاء کان کريم السيد خلف، ومطشر الحصونه ويحيی سعد العيساوي، الصديق المقرب لصلاح عمر علي التکريتي، الذي کان يبدو انه ذهب الی بغداد لأنه لم يکن موجودا في مرکز التحقيق. کما حضر ايضا عدنان حداد، وهو الاخ الاصغر لنعيم وعلي حداد. لم يشارك ايٌّ من هؤلاء في التحقيق او التعذيب، باستثناء کريم السيد خلف الذي کان موجودا مرة او مرتين خلال ساعات المساء في الجناح الخاص بالتحقيق والتعذيب.

 

وفي احد الأيام احضروا عددا من النساء وقت العصر، بصحبة مختار محلة السراي السيد ابراهيم زيدان (ابو حافظ). لا ادري ان کانت هؤلاء النسوة محتجزات في بيت المختار، او انهن کنَّ في موقف خاص لا اعرف به. اما الاحتمال الثالث فهو انهم قد يکونوا جمعوهن واتوا بالمختار معهن. شاهدت فتحية احمد اغا وهي مدرسة لغة انگليزية وزوجة حسين الدجيلي. کما شاهدت سميره يوسف الصيدلي وهي مدرسة لغة عربية واخت سمير يوسف الصيدلي. کما احضروا فاطمة محمد العودة وهي معلمة واخت لکاظم وراشد العودة. تزوجت فاطمة العودة فيما بعد معلماً اسمه صلاح رشيد، وهو الاخ الاصغر لعبد القادر وعبد الرزاق ونعمة رشيد. وکانت بينهن أيضاً رحيمه رفيق نادر (ام ناصر) وهي ربة بيت وزوجة الصديق نوري ناصر. وکذلك احضروا اقبال مجيد وهي طالبة وصديقة لأختي حمديه. وهي اخت لحميد مجيد، واحضروا أمها معها. کما احضروا طالبة اخری إسمها سلمی واحضروا معها أمها ايضاً. وسلمی هي اخت لسعد الدجيلي. اعرف سلمی من خلال صديقة لاختي حمديه اسمها قسمه جعفر الحسني، التي تزوجها اخو سلمی فيما بعد. لست متأکدا ان کانت رابحة، وهي ابنة عزران البدري، قد کانت معهن ايضاً. وقد بقيت النسوة لوقت ليس طويلا وغادرن عند حلول المساء. کان التأثير باديا علی وجوههن، اذ لا بد انهن تعرضن للإهانة عن طريق الکلام البذيء. لا اعتقد ان ايا منهن قد ضُربت او عُذبت.

 

کان جلياً ان مغادرة النسوة لمرکز التعذيب قد جعل حسين الدجيلي يشعر بارتياح عميق. لقد امضی الوقت طيلة وجودهن وهو يذرع الغرفة جيئة وذهاباً. کان حسين الدجيلي من الاشخاص الذين اعجبت بهم حقيقة. ولعل اعجابي به مردُّه حزنه العميق، وشعوره الجارف بالذنب کلما احضروا واحداً من رفاقهِ. لقد کان يتلوی ألماً کلما احضروا أو مرَّ أمامه شخص يعرفه. کان حدسي ان اسم ذلك الشخص قد يكون ورد في اعترافات حسين نفسه. لم تکن آثار التعذيب الجسدي بادية عليه، لکن التعذيب النفسي الذي لاحظته، کان هو الغالب عليه نهاراً، وحرمه من النوم طيلة وجودي معه ومع الآخرين. 

 

وبحسب اعتقادي اصبح التحقيق بمرور الوقت وتدريجياً، امرا روتينياً اکثر من کونه اساسياً، فالتنظيم قد کُشف بکامله. يأتون بالمعتقلين ليصدِّقوا علی دقة المعلومات، ومن ثم يوقعون علی اعترافاتهم ويُنقلون في اليوم التالي او الذي يليه. وخلال وجودي في مرکز التحقيق جلبوا الکثير من الأخوة من معتقل الخيالة. اتذکر منهم حميد غني وکتاب سعدون وکاظم شناوة واخاه الاصغر وجواد کاظم الخياط وفلاح حسن الگهوجي وصالح هادي شنان وحسن ابراهيم وحامد سمير البدري وعمَّه عزران البدري  ونعمان السيد محمد وعباس هليل وکمال السيد ومنعم القيسي واخاه رزاق القيسي وخالد غني واخاه الاصغر، للأسف لا اتذکر اسمه. کما احضروا فاضل صبري وکريم کوته وباقر محمد الحداد ونوري ناصر وفايز محمد عرب وعدنان عبد الصاحب وفلاح حميد الجنابي وعباس خطار وحميد گنو وابن عمه شاکر نصرة وکاظم العودة وراشد العودة وعمهما مهدي العودة وفريد قاسم نادر وعباس خطار ومهدي (ابا صلاح) وکامل فعيل وعلي شناوة، وغيرهم آخرين لا تحضرني أسماؤهم. امضی البعض من هؤلاء ليلة او ليلتين في مرکز التحقيق، ثم نقلوا بعد ذلك الی معتقل او معتقلات اخری.

 

لعل صالح هادي شنان کان من اکثر الاخوة فرحاً ان يعلم انني لم اتعرض للتعذيب کالآخرين. تعرفت علی صالح هادي اکثر خلال ايام الاعتقال في سجن الخيالة. کان ينظم الشعر الشعبي، وقد قرأ لنا البعض من شعره في بعض الامسيات. کان بادي الحماس والأبتسام خلال حلقات النقاش السياسي. اعرف انه عمل حلاقاً في محله القريب من مقهی (عليوي الاقچم) ودائرة المطافيء. واذکر جيداً ان صالح قد وضع علی أحد جدران محله، فوق المرآة الکبيرة بيتا مشهوراً من الشعر لأبي العلاء المعري کُتب بالخط الديواني وداخل اطار خشبي جميل، يقول:

                هذا جناهُ أبي عليَّ      وما جّنيتُ علی أحد

لا اعرف بالضبط کيف شطَّت خططه وماذا کان يريد لنفسه ان يکون، وکيف اختلفت عن خطط والده وطبيعة المستقبل الذي اراده لأبنه. ولکني اعرف ان صالح أغلق محل الحلاقة وعمل قاطع تذاکر في حافلات نقل الرکاب، ثم اصبح مفتشاً فيها. وکان ذلك عمله عندما اُعتقل بعد شباط الاسود. ولصالح اخ اصغر منه، للأسف لا اتذکر اسمه، عُرف عنه هوايته وقدرته علی رکوب الدراجات، وسباق المطاولة. اصبح هذا الاخ قاطع تذاکر أيضاً في مصلحة نقل الرکاب، ولا اعرف ما حلَّ به فيما بعد.

 

الجماعة الذين بقوا في بيت آمر الحامية لا شك يمثلون البعض من قيادة الحزب في المدينة. الا انه کان واضحاً ان بعض الشيوعيين المعروفين لم يکونوا موجودين في مرکز التحقيق. فمثلاً صاحب حميد (ابو سلام) لم يکن هناك. ولم اشاهد  شهاب احمد التميمي. کما لم يکن موجوداً الشخص الذي کان مسؤولا عن منظمة الشبيبة، وهو اصلا من الحلة ويملك مخزناً في سوق المدينة. لم اشاهد سمير يوسف الصيدلي ولا صباح الدليمي ولا حميد مجيد، وهو العسکري الوحيد الذي کان يُشاع انه من القياديين في المدينة. کما ان السيد حسون عبد الرزاق ومحمد علي سبع وعبد الله ناصر وشاکر عبيد ورزاق النجار الذين جاءوا بهم من معتقل الخيالة لم يکونوا موجودين في مرکز التحقيق لدی وصولي هناك. اعتقد انهم نقلوا الی مکان آخر، ربما سجن ناحية السديناوية، لأني لم اشاهد أيَّاً منهم بعد نقلي الی معتقل نقابة المعلمين الذي اصبح المکان الذي يُنقل اليه المعتقلون بعد انتهاء التحقيق.

 

ان تجربتي مع الرجال الذين مرُّوا أو کانوا في مرکز التحقيق في بيت آمر حامية الناصرية کانت مؤلمة للغاية، ولکنها في نفس الوقت تجربة غنية وترکت لدي عددا من الانطباعات عنهم، اجد من المناسب ان اعرضها هنا. يمکن تصنيف الاشخاص الذين عايشتهم في ذلك الوقت العصيب الی اربع مجموعات. وهذا التصنيف قائم علی انطباعات شخصية لسلوکيات کنت عليها شاهدا. وهذا لايعني الدقة اطلاقا، ولکن مجرد رأي لا غير.

 

جماعة منهم اعترفوا بعد تعذيب رهيب، ثمَّ صمتوا. کلماتهم قليلة والالم في عيونهم دفين. فهم لا يصدقون ان ما جری، قد جری فعلاً، وان الحلم الثوري قد اُغتيل بهذه السرعة الخاطفة. هؤلاء الذين  خبروا السجون والمعتقلات في العهد الملکي، قد استطاع الفاشست الجدد ان يکسروا شوکتهم، ويمرغوا تاريخهم النضالي بعار الاعتراف. شعورهم بالانکسار والخسارة والذنب ربما يفوق قدرة الکلمات علی وصفه او التعبير عنه. ولذلك آثروا الصمت وفضَّلوا الانعزال.

 

قسم آخر اعترف تحت التعذيب فحزن واصابه اليأس من هول الصدمة. وقد عبَّر هؤلاء عن ذلك بالبکاء والحزن ولوم النفس بانهم ما کان يجب ان يصلوا الی الدرجة الحزبية التي شغلوها. يبدو لي انهم اصبحوا علی قناعة بانهم لم يکونوا اصلا يصلحون لمسؤلية کبری من هذا النوع. شعورهم بالذنب کان الهاجس الذي يشغل تفکيرهم، ولکن ربما وجدوا العزاء والالم، في نفس الوقت، انهم اکتشفوا الضعف في ذواتهم وقدرتهم علی التحمل. والبکاء والحزن الطاغي هما العزاء للأمل الذي اغتيل بوحشية وللتضحية التي ضاعت، وللقناعة الجديدة التي فرضها الاعتراف تحت سياط الفاشست.

 

اما الجماعة الثالثة فهي التي اعترفت بعد تعذيب لم يکن شديدا. ويبدو ان الاعضاء فيها قرروا اعتزال السياسة. حجتهم ان السياسة في بلد کالعراق لن تجرَّ علی من يشق ميدانها الا المشاکل والالم، عليهم وعلی ذويهم. كان واضحا من خلال احاديثهم وکأن الانتماء کان عبئاً عليهم، او ربما شعروا بانهم قدموا ما قدروا عليه من التضحية. وفي ذلك قناعة لهم واکتفاء. في الحقيقة انني سمعت کلاما من هذا القبيل قبل فترة الاعتقال هذه عام 1963. سمعت ذلك من صديقين کانا من الرعيل الذي عمل مع الشهيد فهد. وکان الاثنان قد اعترفا بعد حوادث 1948، ثم اعتزلا العمل السياسي وانصرفا للأهتمام بقضاياهما العائلية والحياتية. ولکني علی ثقة تامة أن عواطفهم ومشاعرهم بقيت مع الحزب الشيوعي والقضايا الوطنية بشکل عام، الا انهم انسحبوا من الساحة بطريقة "نظيفة".

 

اما الفئة الرابعة من المعتقلين فهم الذين لم يُعذَّبوا وتطوعوا للاعترافات بشکل مُسهب. اصبح اعضاء هذه الجماعة (خمسة اشخاص علی الاقل)، لولباً لنشاط تعاون متکامل مع الجلادين. کانوا يحضرون جلسات التحقيق وسمعت انهم يساهمون فيها، بالتصديق علی اعترافات المعتقلين او بمعارضة ما جاء فيها. ويصل تعاونهم المشين احياناً الی محاولة تذکير المعتقل بظروف حادث معين. کانوا معزولين عن المعتقين الاخرين، اذ ان غرفتهم هي الغرفة المحاذية لغرفتي التحقيق والتعذيب. وکانوا يتمتعون بامتيازات للحصول علی السجائر ووجبات الطعام التي اشترکوا فيها مع المحقيين وزمرة التعذيب والضيوف الموجودين في تلك الساعة. وقد لعب هؤلاء ادورا مشينة بعد اطلاق سراحهم، ولا شكَّ ان دورهم خلال فترة التحقيق کان البداية فقط لسقوطهم السياسي والخلقي. انتقل البعض منهم الی بغداد وانضم الی جوقة إعلام السلطان وحوارييه، فيما بقي الآخرون في الناصرية يتمسحون باذيال البعث، ويهنئون انفسهم بانهم اکثر "شطارة" من غيرهم! قالوا ذلك لأنهم لعبوا الورقة السياسية بذکاء، أو هکذا تصوروا، فظلوا علی قرب من السلطة واجهزتها الأمنية! لکن سلوکا من هذا الصنف، في رأيي، سقوط رخيص مهما اختاروا له من الاسماء والمبررات. 

 

 لکن الذي آلمني حقاً هو ان معظم الاخوة الذين تعرضوا للتعذيب اکثر من مرة، لم يکن القصد من تعذيبهم هو الحصول علی معلومات واعترافات اخری، بل کان سببها شذوذ نفسي لمن کانوا يمارسون التعذيب بقصد الاستمتاع بالعنف والتلذذ به. إن تفسيري هو ان الذين کانوا يمارسون ذلك التعذيب المجرم هو انهم يشعرون في قرارة نفوسهم بانهم اصغر، بانهم اقل ثقافة، بانهم متخلفون. هو صغرهم وغيرتهم، لانهم لايملکون التاريخ النضالي والثقافة العالية والانفتاح الذهني علی الافکار المتجددة والحديثة. وکل جرائمهم کانت بدافع الحقد والتأزم الاخلاقي وروحية سادية تهوی تعذيب الآخرين وتستمتع به. لقد اثبتوا انهم مرضی بحب العنف. ولعل نظرية ابن خلدون في تسلط عقلية القرية علی عقلية الحضر تنسحب علی وصف الانقلاب الذي توِّج بالنجاح بمبارکة ودعم امريکيين.

 

انها حقيقة تاريخية ان البشرية قد امتلكت دوماً قدراً من العنف الزائد الذي يفيض عن الحاجة. ويخبرنا المتخصصون بدراسة سلوکية الافراد والمجتمع، أن وراء هذا العنف شعور داهم بالدونية، ويقوم علی انحرافات نفسية واجتماعية تتجاوز الفرد لتصل إلى مجموعات بشرية بكاملها. وهذا ينطبق علی اعضاء حزب البعث کمنظمةٍ سياسية. کما أعتقد انه وتحت دعاوى وايديولوجية سياسية کالتي يقوم وينادي بها حزب البعث، وهذه بحد ذاتها ثقافة اسميها ثقافة الإرهاب، تحاول هذه الايدولوجية أن تفيد من الدين والنصوص الدينية في عملية لي عنق للنصوص لتخدم مصالحها، وتوجه الجماهير المحدودة الوعي في الاتجاه الذي تريده لها. لقد تميز حزب البعث بهذه الخصوصية الشيطانية البغيضة منذ تسلم السلطة حتی سقوطه المخزي عام 2003، بعد ان ادی دوره المرسوم في تحقيق المصالح الرأسمالية والاستعمار الامريکي في النصف الثاني من القرن العشرين. يعرف الجميع الدور الذي قامت به الولايات المتحدة لوضع البعث في السلطة عام 1963، وتشجيعها ووقوفها معه في حرب ايران في الثمانينات. وعندما تمرد صدام عليهم وضعوا له فخ الکويت فوقع فيه بکل غباء. فوقع الضيم علی الشعب العراقي للمرة الثالثة اثناء وبعد طرد القوات العراقية من الکويت، والانتفاضة الشعبية الباسلة عام 1991. وخلال الحصار وبعد الاستسلام المشين ودخول قوات الاحتلال لبغداد عام 2003 کانت المرة الرابعة. ولا زالت المذبحة مستمرة.

 

لقد نسي الدکتاتور العميل انه ليس للولايات المتحدة اصدقاء، بل لها مصالح. ويترتب علی هذا انها تغير او تتخلی عن عملائها، اذا اقتضت الضرورة. وقائمة الدکتاتوريين طويلة، وتضم کلاًّ من زعماء الفيتنام الجنوبية قبل سقوط سايگون بيد الثوار، وفردناند مارکوس في الفليپين والشاه محمد رضا في ايران وسپينوزا في السلفادور وچومبي في الکونگو وبوکاسا في افريقيا الوسطی وسسي سسکو موبوتو في زائير وپنوشت في چلي وسوهارتو في اندونوسيا وپاتستا في کيوبا ونوريگا في پنما وجون تيلر في ليبريا، وغيرهم. وهکذا هي الحال عندما ينصبون القادة الاقزام ثم يغيرونهم کما الاحذية! کما لابد من الاشارة الی ظاهرة اخری للسياسة الامريکية، وهي دعم الارهاب، أو الجماعات التي اصبحت الآن ارهابية. لقد سبقت الولايات المتحدة كل بلد في العالم في دعم الجماعات الاسلامية على مدى عقود من الحرب الباردة لمواجهة الاتحاد السوفياتي، وارتدت هذه الجماعات الآن على حليفتها السابقة. ولعل عرضاً موجزاً وسريعاً لتوجهات السياسة الأمريکية قد يساعد ان يوضح للقاریء خلفية الجرائم الأمريکية في اغتيال الثورات الوطنية.

 

لقد اسهب المفکر التقدمي نعوم چومسکي في الکتابة عن تاريخ امبراطورية الشر الامريکية هذه. کما طلع علينا حديثاً المفکر التقدمي الآخر، هوارد زين، بکتاب جديد عنوانه "التاريخ الشعبى للولايات المتحدة : أكاذيب وسفك دماء." انصح الاخوة والاخوات القراء ان يطلعوا علی آراء هذين الکاتبين، الی جانب ما کتبه الراحلان ادوارد سعيد واقبال احمد، اللذين اتيحت لي فرص کثيرة للقاء بهما والاستماع الی محاضراتهما وتحليلاتهما السياسية لنوايا الادارات الامريکية وافعالها المتتابعة، وذلك من خلال الندوات والمؤتمرات التي تـُقام بانتظام في "کلية همپشر" في المنطقة حيث اسکن واعمل.

 

لقد بدأت النخبة المتنفذة في الولايات المتحدة الأميركية الهيمنة على العالم في عام 1939، حيث كانت المشاركة في الحرب العالمية الثانية وليدة حسابات قائمة. وشُكِّل مشروع دراسات الحرب والسلام من مجلس العلاقات الخارجية خلال سنوات إدارة روزفلت. وقامت الخطة الرئيسية للنظام العالمي الجديد في مرحلة ما بعد الحرب على أن تصبح الولايات المتحدة القوة المهيمنة على العالم. وخرجت الولايات المتحدة الأميركية من الحرب العالمية الثانية زعيمة للعالم، وفي عام 1950 كانت النخبة المتنفذة (فئة من رجال المال والصناعيين والسياسيين، الذين يسيطرون على الصناعات العسكرية والنفطية، من الصهاينة خاصة، وبعض العائلات الثرية وعلى رأسها عائلة روكفلر) قد عززت من سيطرتها على القرار الرسمي. وعند تتبع الرأسمالية الأميركية منذ بداياتها نجد أنها تبحث عن عدو حقيقي أو وهمي لتقوم النخبة المتنفذة بقيادة الجماهير الغائبة عن الحقيقة إلى حروب تغذي صناعاتها العسكرية، وتتيح الفرصة لأصحاب المال بالإقراض، باسم الدفاع عن الديمقراطية. وما أن تم دحر النظام السوفياتي، حتى تم البحث عن عدو جديد وهو الإسلام في هذه الأيام.

 

أما العلاقة الخاصة بين إسرائيل وأميركا فهي موضوع جهل يکاد يکون تاماً بالنسبة للمجتمع الأمريکي. فغالبية الشعب الأمريکي تجهل مثلاً ان حکومته تدفع مليون دولار لکل عائلة اسرائيلية تترك مستوطنات غزة الغير شرعية أصلاً وتخالف القانون العالمي. هذه الحکومة نفسها تدفع 25 ألف دولار فقط لعائلة کلٌّ من العسکريين الذين يُقتلون في العمليات الحربية في العراق أو افغانستان! أما القتلی من رجال الحرس الوطني، فإن عائلاتهم تتلقی تعويضاً مقداره 11 ألف دولار فقط! إلا أن طرح هذه العلاقة الخاصة للنقاش، حتى بأسلوب أكاديمي واقعي محايد، يجعل الباحث عرضة لهجوم قاس من القوى الأميركية والإسرائيلية بتهمة "معادة السامية". ويوجد الكثير من المؤسسات الفكرية البارزة المؤيدة للسياسية الإسرائيلية مثل: لجنة الشؤون العامة الأميركية والإسرائيلية، والمعهد اليهودي لدراسات الأمن القومي، والقلة من الأميركيين فقط هم الذين يدركون درجة تأثير المصالح الإسرائيلية على السياسية الخارجية. ومعروف إن المؤسسة العسكرية هي التي تسيطر على القرار الإسرائيلي والاقتصاد، فإسرائيل اليوم هي خامس أكبر دولة مصدرة للأسلحة في العالم، وأنها تنفرد بالتركيز على تصنيع الأنظمة الإلكترونية والمعدات العسكرية ذات التقنية العالية، بالإضافة إلى الإمدادات العسكرية الأميركية.

 

وبعد انتصار إسرائيل في حرب 1967 ركزت كامل طاقتها على بناء تفوقها العسكري وإظهار نفسها كحليف ضروري يمكن الاعتماد عليه بالنسبة لأميركا في المنطقة في مواجهة ما سمته الخطر السوفياتي، فأصبحت أميركا الداعم السياسي والمالي الأكبر لإسرائيل، ومصدر حماية لها على الساحة الدولية. وقد مهد اغتيال الرئيس كيندي ومجيء الرئيس ليندون جونسون الطريق أمام تحالف إستراتيجي رئيسي بين أميركيا وإسرائيل، وتمحور التحالف الإستراتيجي بينهما حول التعاون العسكري والاستخباراتي. والعمل على تطوير التحالف السياسي والعسكري مع إسرائيل هو جزء من السياسة الإستراتيجية الأميركية، فأميركا وإسرائيل أشبه بتوأمين سياميين ملتصقين من جهة الرأس. ويقول الصهيوني المعروف هنري كيسنجر الذي عمل مستشاراً للأمن القومي ثم وزيراً للخارجية في عهد الرئيس نکسون في مذکراته، إنه لا يستطيع نسيان 13 من أفراد عائلته ماتوا في معسكرات الاعتقال النازية، ولذلك فإنه لن يقبل بأن تحدث تضحيات أخرى بسبب سياسة غير منظمة تفتقر إلى المراقبة. وكان يرى أن أمن إسرائيل لا يمكن أن يصان على المدى الطويل، إلا إذا ارتبط بمصالح الولايات المتحدة الإستراتيجية.

 

من الواجب إذن، حسب رأي المفکرين اليساريين ان تقاوم الشعوب رفض الولايات المتحدة التنازل عما أصبح يبدو لساستها وكأنه مكسب أساسي يتماشى مع التفوق الأميركي الشامل ويشكل جائزة نالتها مكافأة لمواجهتها الناجحة للقوة السوفياتية، وأن تتمسك بحقها في القيادة الانفرادية وتقبل بما يستدعيه الحفاظ عليها من جهود واستثمارات عسكرية وإعلامية. فهي تستطيع بذلك إعادة تركيب العالم حسب وجهة مصالحها ومن دون أن تكون مسؤولة، ولو مسؤولية معنوية بسيطة، عما تجر إليه سياساتها ذاتها من كوارث إنسانية. وهذا هو موقف السلطة المطلقة والشاملة التي تشبه أو تريد أن تماثل السلطة الإلهية. وهو ما تطمح إليه كل سلطة تنجح في التحرر من وطأة القانون والأخلاق والمفاهيم والقيم الإنسانية سواء أكانت سلطة داخلية أو عالمية. وبهذه الطريقة لا تكون مضطرة إلى التفاوض على مصالحها مع أي من القوى الأخرى مهما كان موقعها ووزنها، ولا مكرهة على التخلي عن أي مكسب تحققه بفضل تفوقها. بل بالعكس من ذلك، فإن بإمكانها في هذه الحالة فرض تصوراتها ورؤيتها للمشاكل الدولية والوطنية كما لو كانت تصورات عالمية ومتفقة مع مصالح دول العالم أجمع، وتحويل جدول أعمال واشنطن أو أولوياتها إلى أولويات دول العالم مجتمعة وكل من شعوبه على حدة.

 

وتعتقد الحکومة الأمريکية المسيَّرة انها تستطيع أن تفرض برنامج عملها، أي في النهاية أن تحدد وجهة الجهد العالمي وحقل الاستثمارات المادية والمعنوية التاريخية. فإذا كانت الأولوية بالنسبة للولايات المتحدة اليوم هي الحرب ضد الإرهاب فينبغي أن تكون هذه الحرب ذات أولوية قصوى أيضا عند جميع الدول والبلدان. وإذا كانت محاربة تهريب المخدرات أو فتح الأسواق وبناء سوق عالمية واحدة، أو تخفيض أسعار الطاقة أو نزع أسلحة الدمار الشامل أو حماية المشروع الإسرائيلي الاستيطاني، فعلى جميع شعوب العالم وعلى الأمم المتحدة الممثلة لهذه الشعوب أن تجعل منها أيضا أولوياتها وتربط بها جدول أعمالها. وبهذا تضمن الصهيونية/الرأسمالية في الولايات المتحدة أيضا ميزات وامتيازات مادية ومعنوية لا يمكن أن تحلم بها في سياق آخر غير سياق السيطرة العالمية.

 

ليس هناك أدنى شك في أن الولايات المتحدة هي التي تقود العالم اليوم وهي تؤمن خطأً بأنها الدولة المؤهلة أخلاقيا وماديا لقيادته، وأن من حقها أن تكون لها الكلمة الفصل في تحديد صيغة وطبيعة الأمن الدولي، وفي نمط الإنتاج الاقتصادي وأشكال التبادل التجاري ونوعية النظم السياسية التي تحكم في هذا البلد أو ذاك وأسلوب حياة الناس وتفكيرهم وحضارتهم في كل مكان. بل ومن المضحك حقاً إنها تعتبر أن لديها وحدها التفسير الصحيح للكثير من الأديان التي تشعر أن أصحابها لا يفهمونها أو يفهمونها بصورة غير صحيحة، وفي مقدمة ذلك الإسلام.

وفي الإجمال تتصرف الولايات المتحدة، وتحت تأثير القوی المحافظة الجديدة التي تسيطر عليها الأيديولوجية الصهيونية، كما لو كانت القوة الوحيدة المؤهلة والمكلفة ذاتيا بالمسؤولية عن تنظيم شؤون العالم ومعالجتها وحلها أو عدم حلها، أي في النهاية كما لو كان لها احتكار حقوق هذا التنظيم. ومما يعزز من هذا الإيمان الشعور المتزايد بالتفوق والقوة الشاملة التي تجعلها تنزع إلى فرض إرادتها على الجميع وبسط نفوذها في كل مكان وطرح وجهة نظرها في جميع القضايا المطروحة أو التي يمكن طرحها على العالم أو على كل مجتمع ودولة فيه.

بيد أن هذه القيادة القائمة على إملاء شروط القوي وإذعان الضعيف قد وصلت في أقل من عقدين أو ثلاثة إلى طريق مسدود. ولا يمكن لها أن تستمر من دون أن تعمل على تعميم الفوضى وتشريع القتل والاقتتال. وأكثر فأكثر ستضطر الولايات المتحدة، من أجل ترتيب الأوضاع الدولية حسب مصالحها وتصوراتها وأولوياتها، إلى شن الحروب وزعزعة الاستقرار وتدمير الدول العاصية أو الشريرة أو الأقل شرا. وسوف تكتشف دائما على طريق فرضها سيطرتها الغليظة والشاملة دولا ومجتمعات وشعوبا وجماعات شريرة وعاصية أكثر. وفي رأيي انها لن تستطيع أن تحقق أهدافها من دون أن تقوض التوازنات الداخلية والإقليمية القائمة، وبالتالي من دون أن تثير ردود أفعال سلبية في جميع أنحاء العالم أيضا. فكما أن العديد من الدول تعيش في أزمة الخوف على سيادتها ويمكن أن تشعر بالتحدي أمام هذا النزوع الجامح نحو السيطرة العالمية، فإن واشنطن تشعر أيضا بأن أي دولة ترفض السير على الطريق التي رسمتها لها، بل تتلكأ في الأخذ بها وتسعى بصورة واعية أو غير واعية إلى عرقلة خططها ووضع العصي في عجلة قيادتها العالمية.

ولن تكون نتيجة ذلك إلا الانقلاب الشامل على الولايات المتحدة التي ستظهر بشكل أوضح كإمبراطورية الشر التي لا تتورع عن ارتكاب أي جريمة والتي يفتقر سلوكها لأي معايير أخلاقية أو إنسانية، وهي سائرة لا محالة في هذا الطريق. فمنطق السيطرة يستدعي لا محالة تجاوز كل المعايير الأخلاقية والإنسانية. ولعل أفضل مثال لما يمكن أن تجر إليه من فوضى واقتتال قيادة العالم بمنطق تعزيز السيطرة الأميركية مباشرة أو عبر الحلفاء الموثوقين ما يحصل في العراق وفلسطين. فبدل التوصل إلى سلام لم يكن أبدا بعيد المنال، أدخل منطق تعزيز السيطرة بزعامة الصهيونية في مواجهة عالم عربي تعتقد الإدارة الأميركية بحيوية موقعه وعدم خضوعه الكامل بعدُ لها، وستجر المنطقة الی حالة مأساوية، ويمكن أن تكون كارثية من الإحباط والتعفن والانهيار.

ولعله من المفيد هنا ان اذکر إن سنة 1993 شهدت ميلاد ثلاثة مقاربات استراتيجية لعالم ما بعد الحرب الباردة.

أولها  "صِدام الحضارات" لهينتگتون الذي يعتبر من أبرز المنتجين للمقاربات لصالح المؤسسة السياسية-العسكرية رغم انتمائه للمدرسة "الواقعية". وهو "لا يؤمن بأولية الدول-الأمم كهويات إستراتيجية حقيقية" في العلاقات الدولية. فأطروحته حول صِدام الحضارات تقول بالصراع بين الحضارات وليس الدول وبالتحديد بين الحضارة الغربية والحضارتين الإسلامية والصين، مع الإصرار على ضرورة منع أي توافق بينهما حتى لا تعملا سوياً ضد الحضارة الغربية. وتقصي أطروحة هينتگتون وتصنيفه للحضارات الأرثوذكس من الحضارية الغربية بدعوى أنهم ليسوا من الكاثوليك ونظرته للإسلام تبسيطية للغاية. إن همَّ هينتگتون في حقيقة الأمر هو كيف يمكن "تقسيم العالم للسيطرة عليه؟"، وهو لا يختلف کثيراً عما في الفکر الماسوني.

ثانيها: "الثالوث التوفلري" أي "الصدام بين الأمواج الثلاث للحضارات" ( الزراعية والصناعية والمعلوماتية) . حيث يعتبر ألفين وهايدي توفلر أن هذه الأمواج هي بنية عالم اليوم. إن المؤلفين أصدرا كتابا عام 1993 (بعد عدة كتب منذ السبعينيات) حول الحرب وبفضل الشهرة التي نالها هذا الكتاب أصبح ألفين وهايدي توفلر مؤرخين أساسين في حقل "تاريخ التصورات الإستراتيجية الأمريكية". وقد أصبحت أطروحاتهما جزءاً لا يتجزأ من الفكر الرسمي للبنتاگون والمؤسسات الأمريكية. ويحسب ألفين وهايدي توفلر "الحرب المعلوماتية"، بل "حرب المعرفة"، هي كـ "حرب الموجة الثالثة". وهي تأتي من ظهور الإليكترونيك الذي يحدث ثورة تكنولوجية ثالثة في تاريخ الإنسانية. إن مقاربتهما هذه تعتبر أن الأمواج الثلاث هي التي تطبع عالم اليوم حيث تتعايش فيما بينها بين موجة سفلى (الزراعية) وموجة متوسطة (الصناعية) وموجة عليا (المعلوماتية).

ثالثها وآخرها هي مقاربة أنطوني ليك، زميلي الذي ترك منصبه کاستاذ للعلوم السياسية في کلية ماونت هوليوك ليصبح مستشار الأمن القومي للرئيس كلينتون. طرح أنطوني ليك مقاربة "التوسع" أو "التوسيع" لتحل محل "الاحتواء" التي عُمل بها خلال الحرب الباردة. ومقاربة التوسيع هذه تخص مجالين؛ اقتصاد السوق (ضد الاقتصاد الموجه) والديمقراطية التمثيلية (ضد الأنظمة التسلطية والاستبدادية). إن مقاربة ليك، الذي لاحظ تزايد عدد الديمقراطيات، مقاربة "توسيع العالم الحر" هي عملية هجومية ولكن اقتصادية على عكس مقاربة الاحتواء التي كانت دفاعية عسكرية. ورغم عالميتها، فأن مقاربة توني ليك تعمل وفق إطارات جغرافية مختلفة. وعموماً يقسم ليك العالم إلى قسم البربرية وقسم الحضارة. فالديمقراطية والسوق يوجدان في الشمال بينما يغيبان في الجنوب، ما عدا بعض الاستثناءات. لكن هناك فرقا في هذا التقسيم بين الدولة غير الديمقراطية والدولة الاستبدادية مثل العراق الذي تتحكم فيه أمريكا عبر الحصار الاقتصادي والتهديد العسكري ومن ثم الاحتلال، وبين اللادولة الحربية مثل الصومال. المنطقة الوسطى الأساسية تتشكل من البلدان غير الديمقراطية والتي تحاول انتهاج ليبرالية اقتصادية، ونجد ضمنها الصين والعالم الإسلامي عامة، وهما القطبان "الثقافيان" لهينتگتون. وينادي توني ليك في حال الدول الاستبدادية بضرورة عمل أحادي أمريكي كلما اقتضى الأمر ذلك، وأنه من مصلحة الولايات المتحدة ألاّ ترتبط بالقيود التي تضعها الأمم المتحدة.

وفيما يتعلق بالعراق، فللأسف ان الصورة لا تبشر بالخير. ففي مقالة نشرتها صحيفة (البيان) الأماراتية للاستاذ صبحي غندور مدير (مرکز الحوار) في واشنطن، شخص الاستاذ غندور الواقع المؤلم في العراق الجريح. قال إن النّظام الدكتاتوري السابق كان مسؤولاً عن سقوط مئات الآلاف من العراقيين في حروب قام بها مع جواره العربي والإسلامي. وهذه الحروب سهّلت التدخل العسكري الأجنبي. أضف إلى ذلك، عشرات الألوف من شعب العراق في شماله وجنوبه ووسطه الّذين سقطوا ضحايا عمليات القتل الجماعي للنظام. لکنَّ سياسة المحتل الأميركي هي المسؤولة الآن عن هذا الهدر اليومي لدم العراقيين.

  

محصلة السياسة الأميركية حتّى الآن في العراق أنَّها اسقطت الدكتاتوريّة وفشلت في تحقيق الديمقراطيّة السليمة. أنهت حروب الدولة البعثيّة العراقية مع دول الجوار، لكنّها شرّعت الوطن العراقي لحروب الأهل والداخل. وكما خاب أمل العراقيين بوعود وأحلام أطلقتها إدارة بوش عقب الغزو مباشرة، يعيش الأميركيون خيبات أمل متلاحقة بسياسة إدارتهم تجاه العراق. إذْ لم تؤدِّ عملية نقل السلطة للعراقيين في شهر حزيران من العام الماضي إلى أي تغيير عملي في حجم الخسائر الأميركية. وكذلك الأمر كان بعد انتخابات مطلع العام الجاري. وهكذا سيكون الحال بعد المحطات السياسية المقبلة في الاستفتاء على الدستور، ثمَّ في الانتخابات المقرّرة في مطلع العام المقبل. الديمقراطية الأميركية لم تحقّق الاستقرار للأميركيين وللعالم، والفوضى العراقية لن تحقّق الديمقراطية للعراقيين والمنطقة!