الحلقة العاشرة
ضيوف في بيت آمر الحامية! فليسَ لعينٍ لمْ يَـفِضْ ماؤها عذرُ
د.
محمد الأزرقي
16.8.2005
mjiyad@hotmail.com
لم يکن يُسمح لنا ونحن في معتقل الخيالة بالحصول علی الجرائد او الاستماع الی الراديو. ولا بأس في ذلك، فمن يريد ان يقرأ جرائدهم او يحب ان يستمع لأذاعتهم! ولکن طبعاً کانت الاخبار تأتي الينا أولاً بأول. استمر الوضع علی هذا المنوال حتی الاسبوع الاول او الثاني من شهر آذار، لا اتذکر بالضبط. وفي أحد الامسيات اقتربت سيارة لمديرية السكك من نوع (أنترناشنال سکاوت) من بوابة المعتقل. کان يقودها عباس حمادي ومعه غازي سيف. كانا قد احضرا معهما جهازا للتسجيل رُبط بمکبرة صوت وضعاها باتجاه باب المعتقل. اعتلت الوجوه ابتسامات ساخرة ان يکون عباس حمادي، القادم من الچبايش قد لبس بدلة عسکرية وتعلم قيادة السيارات السپورت! وکذا کان الشعور إزاء غازي سيف! کانا يريدان ان يبدأا حملة نفسية هي الأولی من نوعها منذ وصلنا الی المعتقل، وذلك باذاعة تسجيل صوتي وارغامنا علی الاستماع لاعترافات عبد القادر اسماعيل البستاني، العضو القيادي في الحزب الشيوعي. کان البستاني من الرموز الشامخة في الحزب، وقد طورد وسُجن ومن ثمَّ اُسقطت عنه الجنسية العراقية بسبب ذلك. فسکن في بيروت ودمشق، واسهم برفد الحرکة الشيوعية فيهما بزخم من الثورية والصلابة في مقارعة الاستعمار وعملائه. وبعد ثورة تموز المجيدة، عاد البستاني من المنفی کبطل، فأعيدت له جنسيته وانيطت به رئاسة تحرير جريدة الحزب التي بدأت تصدر الآن بشکل علني.
اختفت ابتسامات السخرية ازاء هذين المسخين، وحلت محلها نظرات وجوم وهلع. فإذا کان الرمز عبد القادر اسماعيل البستاني قد تکلم بملء شدقيه ليکشف اسرار الحزب وسياساته وتنظيماته، ويصاحب ذلك بنقد لاذع ومرير لهذه المؤسسة الوطنية، فمن سيصمد اذن في الساحة؟ عبد القادر اسماعيل البستاني نفسه! ماذا اصابه؟ هل انه هُزم نفسيا لدرجة الخبل فراح يستفرغ ما في جعبته من اسرار، ويزيد؟ ولکن لحسن الحظ ان الجهاز قد تعطل، ولم تفلح محاولتهما في تشغيله، في حين امتدت ابتسامات الشماتة عريضة علی الوجوه. وهذا في الحقيقة لا يعني في شيء لأن المعتقلين علی علم باعترافات عبد القادر البستاني، ولکن لا احد يريد ان يستمع اليها، وهذا جزء من اساليب الدفاع النفسي، وما يسمی بستراتيجية الانکار.
لم يکن الحزب مجرد تنظيم سياسي کباقي الحرکات السياسية، بل کان مدرسة لحسن السلوك والتصرف، مدرسة لتشجيع الفن والشعر والأدب، کوة للأطلال علی العالم الخارجي لمعرفة ما يجري فيه. کان الحزب جسرا للتواصل مع الشعوب الاخری ودراستها وفهمها، وکان طبيبا وخبيرا يشخص العلل ويوصي بالعلاج المطلوب. کان مرشدا ينير الطريق لمن يريد ان يتعلم ويبدع ويخدم الناس. بهذه الصفات تميز الحزب الشيوعي عن الاحزاب الاخری، فاصبح بوتقة حبلی بالفنانين والادباء والشعراء والمثقفين، الی جانب المناضلين الصلبي العود المتجردين عن المنافع الذاتية، والبسطاء الذين ادرکوا بحسهم المرهف في أي صفٍّ يجب ان يقفوا وکيف. فهل يمکن ان يصدق مجنون ما ثرثرة البستاني ومقولاته بعد سقوطه؟ ام ياتری اعتبار ما يقوله بداية للانهيار والسقوط العام؟ لم يكن البستاني الذي احتل موقعا متميزا هو أول من يسقط. فقد سبقه من قبل اعضاء قياديون کانت اعترافاتهم لب التهمة التي حُکم بموجبها علی الشهيد فهد ورفاقه بالاعدام. وخلال وجودي في بغداد في مطلع السبعينات، عندما کنت طالباً في مرحلة الماجستير، زاملت شخصا کان يشغل منصب مرشح المکتب السياسي للحزب. والمقصود هنا هو الاستاذ عبد العزيز الشيخ احمد (عزيز الشيخ). أصبحنا صديقين للسنوات التالية. وخلال جلساتنا الاسبوعية في شارع (أبونواس)، تحدث (أبو نضال) باسهاب عن دور الحزب قبل قيام الثورة حتی شباط الاسود. کما تحدث عن ظروف اعتقاله في قصر النهاية والاعترافات التي نُسبت الی عضو اللجنة المرکزية هادي الاعظمي، والتي شملت تنظيمات الحزب ومقراته السرية في منطقة بغداد بکاملها. ولحسن حظ عزيز الشيخ ، فقد انقذته من الاعدام المحتمل صداقة قديمة کانت تربطه بزميله في الدراسة في مدينة راوه، سعدون غيدان.
لا اعرف عن عباس حمادي اکثر من انه کان طالباً في المرحلة الأعدادية، شاهدته لأول مرة في التظاهرات التي جرت يوم الثامن من شباط. وبطبيعة الحال لم أُفاجأ بغازي سيف لأني اعرفه جيدا منذ سنوات، عندما انتقلت عائلته وسکنت في منطقتنا. لا ادري من أين جاءت العائلة، لکني اعرفه کطالب فاشل في دراسته، أکمل بالکاد المرحلة المتوسطة. وبعد أداء الخدمة العسکرية، حصل علی عمل ککاتب تذاکر في مستشفی الحميات (العزل). کان اصغر ابناء العائلة التي لا تسکن بعيدا عن بيتنا قرب جامع الشيخ حسن. يقع بيتهم بجوار بيت (خيون المطيرچي). کان والده مهرباً معروفاً للسجائر، وربما الأسلحة. وسهَّل عليه المهمة ابنه الأوسط الذي کان يعمل شرطياً في شرطة حماية الحدود والگمارگ. کان مقر هذا الفرع من الشرطة في بيت مقابل سينما الأندلس الشتوية. اما الاخ الأکبر واسمه عبد الله فکان يعمل هو الآخر کاتب تذاکر في مستشفی الطلاب. عمل قبلها عاملا في شعبة مکافحة بعوض الملاريا. وکانت لهذه الشعبة فرق تذهب لزيارة مناطق القری والاهوار لترش مادة الدي دي تي. کان مزهر حسن مديرا لها قبل ان يکمل دراسته ويصبح معلما. کما عمل فيها عبد الله ناصر قبل ان يحصل علی شهادة التعليم، هو الآخر.
عُرف عن غازي سيف بانه مراهق احمق. وأتذکر جيدا کيف کان "يطلي" شعر رأسه بالدهون ويتجوَّل في الاسواق و"الصفاة" بحثاً عن غرام ضائع! لقد أطلق عليه الصديق ماجد حميد الجنابي لقب (العاشقِ) {بکسر القاف}. فاصبح ذلك کنيته منذ تلك الساعة. واتذکر جيدا انه کلما مرَّ امامنا ونحن جلوس في المقهي کيف کان ماجد الجنابي ينبري له بالقول "أو الغِسِل للعاشقِ!" فيضحك، ويتمتم بعض الکلمات، فقد کان يعاني من التأتأة، ثم َّيمضي في طريقه. وبالمناسبة، اصبح أخوه عبد الله سيف حزبيا مرموقا بعد الانقلاب، لکنه قُتل في حادث سيارة لم يکن يجيد قيادتها فعملوا منه شهيدا وسمُّوا الساحة عند بداية الجسر، قرب اسالة الماء (ساحة الشهيد عبد الله سيف السعدون)! وفي احد المرات کنت مسافرا الی بغداد، فجلس الی جانبي شاب يعمل موظفاً في الادارة المحلية. ذكر لي هذا الشاب کيف قتل الشيوعيون عبد الله سيف وسحلوه وعلقوا جثته
في مدخل الجسر، ولذلك سُميت الساحة باسمه! رواية التاريخ علی لسان البعث، تجربة فريدة حقاً لاغتيال الحقيقة أوتشويهها، في أحسن الأحوال.
لابد من التذکير هنا ببعثي آخر من ابناء المهربين. وهذا لا يعني بطبيعة الحال مسؤولية الابن عن نوع المهنة التي يختارها والده. وهذا الآخر، ترقی في صفوف حزب البعث درجات عليا الی ان اصبح محافظا للنجف ثمَّ وزيراً للتعليم العالي، ولا اعرف ماذا حصل له فيما بعد. تقاعد ابوه من الخدمة العسکرية کرئيس عرفاء، ثم صار مهربا للسجائر. والمقصود هنا هو جاسم محمد خلف، الذي سُميَّ فيما بعد بجاسم الرکابي. کان جاسم، بعکس غازي سيف، هادئاً ورياضياً محبوباً. شغل موقع حامي هدف في فريق المدرسة المتوسطة، ولعب کرة السلة في نادي الحرية قبل شباط. ولعل الاخوة ماجد الجنابي وزغير خيون (أبو حدبة) وخليل محيي (أبو حنيچ) وحسين علي الحلي وکتاب سعدون وکريم ناصر، ولاعبي نادي الفتيان مثل نعمان السيد محمد وشريف نعاس وعباس گنيگن وفاروق الأطرقچي وعادل بشار وغيرهم من اعضاء الفريق، يتذکرون دماثة خلق جاسم الرکابي ورقة طباعه. في الحقيقة، کان جاسم محمد الخلف من ضمن فريق الکشافة الذي قاده المرحوم الشهيد ابراهيم عبد الوهاب مدرس التربية الرياضية. وکما اشرت في الحلقة الاولی، کنت انا عضوا في ذلك الفريق الذي تواجد في مخيم شقلاوة الکشفي عندما حدثت ثورة تموز عام 1958.
كان وصول سيارة (أنترناشنال سکاوت) في مساء ذلك اليوم بداية مرحلة جديدة، ليس فقط في اجبارنا علی الاستماع الی اعترافات عبد القادر اسماعي البستاني، بل إيذانا بظهورافراد الحرس في محيط معسکر الخيالة تدريجياً. کان البعض منهم يتعمد الظهور ببدلته الزيتونية حاملاً رشاشة بورسعيد، ويبدأ التمشي بخطی عسکرية استعراضية مهزوزة امام المعتقل، خاصة في اوقات زيارتي العوائل الاسبوعيتين. وقد قام احد المعتقلين بتصرف جرَّ عليه انتقادا من الاستاذ محمد علي سبع. کان اسمه صلاح (ابو هادي)، للأسف لا اتذکر اسمه الکامل. أعرف انه کان يعمل سائقاً في الاصلاح الزراعي. وحدث ان کان المدعو رحيم الشيخ علي، علی ما اعتقد، وهو خياط من الدرجة الخامسة يمشي باستعلاء ظاهر، عندما شيَّعهُ أبو هادي (بعفطة) قوية، ضحك الجميع لصداها! لکن محمد علي سبع استنکر التصرف واعتبره مدعاة لخلق موقف لا ضرورة له. وکان أبو هادي مناطا به حراسة الباب ومراقبة القادمين ما بين الساعة السادسة والسادسة والنصف مساءً. لکن الجميع کان مستاءً للغاية عندما حضر المدعو (چفات)، وهو بدلالة اسمه (إبن أم چفات). وأُم چفات هذه امرأة سيئة السمعة معروفة في (سوق الخضارة)، حيث بدأ ابنها حمالا ثم اصبح عاملا في احد الدکاکين. إنضم هذا الشخص للحرس القومي فلبس البدلة وحمل رشاشة بورسعيد، وأوکلوا اليه تفتيش الاشياء التي تجلبها العوائل لذويها في المعتقل. أُقسم انهم فعلوا ذلك امعانا في الأهانة وجرحاً للمشاعر.
وصلنا خبران، أوَّلهما کان متوقعاً. مفاد الخبر هو ان الحرس القومي قد بدأ يجري تحقيقاً بشکل فعلي، وان بعض المعتقلين قد نُقلوا الی اماکن تحقيق سرية. وهذا يعني ان سلطات الأمن والشرطة غير مساهمة في التحقيق ولا معنية به. ولا يُعرف من أُحضر للتحقيق وأين ذهبوا بعد ذلك. اما الخبر الثاني فهو ان اذاعة باسم (صوت الشعب العراقي) بدأت تبث برامجها لفترة نصف ساعة يوميَّاً. وفي نفس اليوم تمکن المعتقلون من الحصول علی جهاز راديو، وجُلب الی قاعة المعتقل داخل (تنکة) تُستخدم لجلب الماء الساخن الذي يبيعه الرجل الذي يعد لنا الشاي. فأضافة الی بيع الشاي کان يبيعنا الماء الساخن لأجل الاستحمام مقابل 50 فلسا (للتنکة) وخمسين فلسا اخری (للصابونة). بدأنا واعتباراً من ذلك اليوم نتابع الأخبار لمدة نصف ساعة عن المقاومة المستمرة في أزقة بغداد وشوارع الکوت ومناطق المشخاب والنجف وارصفة ميناء البصرة واهوار العمارة والناصرية ... الخ. کان جليا ان الهدف من اخبار کهذا النوع هو شد عزيمة المعتقين حتی لا يقعوا في دوامة اليأس. کان هذا هو الوقت الذي يقف فيه ابو صلاح عند باب المعتقل، فيما کنا نجلس للاستماع. عُرف فيما بعد ان الاذاعة کانت اصلا لحزب توده الايراني، وتبث اخبارها من بلغاريا. کما وصلتنا إشاعات هامة هي الأخری عن تقارير يفيد مرسلوها ان الزعيم قد شوهد وهو بکامل صحته متخفيا مرة في النعمانية واخری في بهرز وثالثة قرب معسکر سعد، حيث انطلق بقواته عام 1958 وزحف علی بغداد! لکن الإشاعات التي کان لها نصيبها الکامل من الصحة والدقة، هي ان التحقيق مصحوب بتعذيب قاس، وان البعض قد أدلی باعترافات خطيرة.
في مساء احد الايام حوالي الساعة الثامنة، حيث کان الظلام قد خيم علی الکون، حضرت سيارة (أنترناشنال سکاوت) وخلف مقودها عباس حمادي وبجانبه غازي سيف. وقفت السيارة ليس بعيدا عن مدخل المعتقل، فغادرها غازي وتقدم نحو باب القاعة. بقي عباس حمادي قرب السيارة وفتح باب المؤخرة، فيما أعلن غازي بصوت عال (السيد حسون عبد الرزاق). قام السيد حسون وذهب الی الباب فطلب منه غازي ان يَحضر معهما ويُحضر معه کل شيء يعود له. خلع السيد حسون بجامته ولبس بدلته، ثم وضع کافة حاجياته في حقيبة صغيرة ولفَّ بطانيته تحت إبطه وتقدم نحو الباب. التفت نحونا وسأل والابتسامة علی وجهه رغم القلق الواضح، (أکو واحد عنده ربطه نلبسها للمناسبه!)، فضجت القاعة بالتصفيق وعبارات التوديع. عندما اقترب السيد حسون من السيارة أخذ عباس حاجياته منه، فيما سحب غازي يديه خلف ظهره ووضع قيدا حول معصميه. ثم ناوله عباس قطعة قماش لفها وعصب بها عيني السيد حسون. حدث کل ذلك امام اعيننا ونحن نتابع المشهد وقد تجمعنا حول الشبابيك والباب.
سهر العديد منا تلك الليلة الی ساعة متأخرة، لکن الحديث کان خافتا وحزينا وقلقاً. کانت صورة السيد حسون وهو يتدلی من خطاف في السقف، تحيط به الذئاب بعصيهم المطاطية وهم يتناوبون في ضربه وتعذيبه واهانته، کفيلة بان تُبعد عن الاذهان الرغبة في النوم. والکل يتساءل من سيکون التالي؟ وفي رأيي ان الکلمات التي تفوه بها مزهر حسن، وهو نقيب سابق للمعلمين، لم تجدِ نفعاً. لقد ذکرنا ابو علي بانه لا بد من رباطة الجأش والصمود في وقت المحنة، وانه ليس من المعقول ان نُصاب بموجة حزن غامر کلما اُخِذ واحدٌ منا، ولأن المشهد بالتأکيد سيتکرر مرات ومراتٍ. وقد تکرر المشهد فعلا في اليوم التالي عندما اخذا فؤاد مگطوف أولاً، ثم عادا واصطحبا معهما مزهرحسن نفسه. استمر الوضع علی هذا المنوال في الاسابيع القادمة، معتقل واحد في کل زيارة. وتتکرر الزيارة مرة او مرتين وأحيانا ثلاث مرات في اليوم. وما کان احد يدري ماذا حلَّ بهم اوأين انتهی بهم المطاف. وطبعاً، لم يکن يتوفر لدی عوائلهم اية اخبار عنهم، وهذا بالتأکيد ما خلق لديها حالاتٍ من الفزع. اتذکر انهم اخذوا شاکر عبيد وکاظم جواد العجمي وعمران الملا عمران ونوري ابو شوارب وعبد الله ناصر وسليم داود وحسن الفخري ورزاق النجار وکاظم شناوة وعلي شناوة وعزران البدري وبهجة الدليمي وصبار الملا عمران وابا کريم، وهو الاخ الاکبر للشهيد ابراهيم عبد الوهاب، وابنه کريم ومنعم القيسي وفوزي الحاج احمد، ورزاق خطار ومحمد الحداد ومحمد عوض، وآخرين غيرهم لا تحضرني اسماؤهم.
کان استدعاء سليم مدعاة للقلق بشکل خاص، فهو الابن الاکبر لأسطه داود، الاخ الاکبر لفهد. والجميع يعرف مدی عمق الکراهية التي يضمرها البعثيون والرجعيون لهذه العائلة. وقد تابعنا جميعا سليم وهو يغادر قاعة المعتقل، باستثناء الاخ خضر القيسي فهو الوحيد الذي ظل ممددا علی فراشه. فسليم بالنسبة له اخ حبيب، ربما اقرب اليه من اخوته رزاق وستار ومنعم. وفوق ذلك فهو إبن الأسطه داود! وفي تقديري ان ابا احمد لم يکن يتحمل مشهد رؤية سليم وهم يقتادونه الی المجهول لکي يُعذَّب ويُهان وربما يُقتل. کان الحزن ايضاً باديا علی صديقه الحميم الاخ نوري ناصر وکذلك ابن اخيه فاضل صبري ناصر، وفي الحقيقة علينا جميعاً. وکان سليم داود ونوري ناصر قد ابتدعا طريقة جديدة في صيد الغزلان باستخدام الدراجات النارية! وحسب علمي فانه لا احد من الصيادين في العالم قد اخذ بهذه الطريقة بعد! يتابع الاثنان الطريدة لاميال عديدة حتی تجهد من الجري وتتخاوی ساقطة علی الارض. وقد وجدنا في احدی الامسيات عندما کان سليم ونوري يتحدثان عن مغامراتهما في الصيد، کيف ان کاظم جواد العجمي الذي کان يملك دراجة نارية من نوع (سکوتر) قد طلب ان يرافقهما وألحَّ في ذلك فوافقا علی مضض! فمن المعروف ان دراجة کاظم القديمة تُحدِث ضوضاء عالية تُسمع علی مسافة اميال، وهي بطيئة ايضاً! وقد ارعب ذلك حيوانات البرية کلها، فضجَّت هاربة الی المحافظات المجاورة الاخری! وقد علَّق ابو ناصر وقتها انه من حسن حظ الحيوانات جميعاً والبشرية ايضاً ان کاظم جواد العجمي ما کان بين الرکاب الذين رافقوا النبي نوح في سفينته وقت الطوفان، وإلا لکانت کل الحيوانات قد قفزت هاربة من السفينة ولقضت نحبها وانقرضت غرقاً! ومن الجدير بالذکر ان الاخ محمد عبد الصاحب آل عمامه قد لفت انتباهي حديثا الی ان الصديق المرحوم نوري ناصر قد اعتقل مع ابنه رفيق عام 1991، واستُشهدا تحت التعذيب البعثي الفاشي، ودُفنا سراً في احدی المقابر الجماعية خارج مدينة الناصرية. کان لنوري ناصر من العمر آنذاك 76 عاما. کما استُشهد ولداه ماجد ومازن خلال الانتفاضة. حدث هذا بعد ما يقارب الثلاثين عاما منذ کنت معه في معتقل الخيالة. رحم الله المناضل العنيد أبا ناصر واولاده الشهداء!
کما ان مصدر قلقنا هو اننا نعلم ان سليم يعاني من مشکلة صحية في فقرات ظهره تسبب له آلاماً بشکل دائم. حدث له ذلك قبل سنوات في حادثة لدراجته النارية. لقد سمعنا ان من اساليب التعذيب التي ابتدعها البعثيون وابتکروها سعيا علی خطی کل المعادين لحرکات التحرر والتقدم والعدالة، هو تعليق المعتقلين الی الخطاف الذي يعد اصلا للمراوح السقفية. ثم ينهال الفاشيون عليهم بالضرب مستخدمين العصي ومواسير المياه المطاطية. وطبعاً ان يتخيل الواحد منا سليماً في وضع کهذا، مدعاة للقلق والحزن والغضب في آن واحد. کما ان هذه الطريقة النازية في استدعاء المعتقلين بشکل انفرادي تهدف الی اشعار کل منهم قصداً بالعزلة، وانه تحت رحمتهم وحيدا، وبدون دفاع او شهود. وهذا يعني انهم سيعملون فيه ما يشاؤون. وعندما يکون الشخص في موقف کهذا فان کل سبل الدفاع عن الذات ستبدأ بالتراخي والوهن، إلا استثناءً. ونتيجة لحساب معدل زيارات عباس حمادي وغازي سيف اليومية، وما دام الهدف من هذه الزيارات هو الحصول علی الاعترافات من اعضاء الحزب علی مختلف درجاتهم ومستوياتهم، فان هذا امر لن يشملني کوني غير منتمٍ. وعليه فقد حسبت ان بقائي في معتقل الخيالة، سيطول وانه ربما سوف يتم استدعائي بعد شهر علی الأقل، بعد ان يفرغوا من استدعاء کل الحزبيين. لکنني کنت علی خطأ!
في احد الايام حضرت في العصر زوجة والدي المرحومة ام إيمان خلال ساعات الزيارة وجلبت لي اخبارا سارة وبيجامة وشراشف وخاولي وعلبة حلوی قديمة، وقد ملأتها (کليچه). کما احضرت لاخيها کريم کوته علبة اخری. فقد کان هو الآخر معتقلا معي. وکريم کوته مناضل قديم وشخص ذو خلق متميز، وسيرة حميدة في التضحية لعائلة مکونة من والد کفيف ووالدة مسنة واربع اخوات واخوين. ترك کريم الدراسة وعمل منذ سنين کاتب حسابات في معمل طابوق (کامل عفره). کانت باحة ثکنة الخيالة ملأی بالمعتقلين وذويهم وعدد هائل من الاطفال! کان يراقب الجميع حوالي ستة من افراد الحرس القومي بينهم واحد اعرفه جيدا، اسمه محمد عطيه. وهو اخ للاستاذ عادل عطيه، مدرس اللغة العربية في متوسطة الجممهورية. وکذلك هو اخ لکاظم عطيه الذي عمل معلما في احدی مدارس المدينة او حولها، لا اتذکر بالضبط. وکان محمد عطيه صديقا لاخي احمد وزميله في المدرسة منذ المرحلة المتوسطة عندما کنا نسکن قرب جامع الشيخ حسن. واستمرت الصداقة بينهما بعد انتقالنا الی محلة الاسکان. کان محمد دائم التردد علی بيتنا بحکم صداقته مع احمد، وحتی انه امضی في بيتنا بعض الليالي، خاصة ايام الامتحانات حيث يذاکران معاً لوقت متأخر. وکانت العائلة جميعها تُحب محمد وتعتبره "واحد من الاولاد". تشجع محمد، ويبدو انه تجاوز الحرج الذي اعتقدت انه کان يحس به، فتقدم نحوي ليُسلـِّم عليَّ لحظة ناولتني ام ايمان الاشياء التي جلبتها بما فيها العلبة. فتحت العلبة واخذت عددا من قطع (الکليجه) ووضعتها في جيبي، وقدمت البقية للآخرين، بما فيهم محمد عطيه. سألته عن الدراسة فأجاب انها "مضعضعه"، ولم اسأل عن السبب لاني اعرفه جيداً، لکنه اضاف بأن هذا لا يهم لأن افراد الحرس القومي مشغولون بالتدريب علی استعمال السلاح! سألته ثانية ان کان قد شاهد اخي احمد، فاخبرني انه لا يحضر الی المدرسة بانتظام. ثمَّ ودعني وانضم الی جماعته. سألتني ام إيمان عن محمد عوض السعيدي فاخبرتها انهم اخذوه في الليلة السابقة، وطلبت منها ان تنقل الخبر الی اخته. کان الصديق محمد عوض علی خلاف قديم مع والده، ووالدته تسکن في کرکوك مع اخته الصغری واخيه عبد الرضا الذي کان ضابطا هناك. کانت اخته نوريه (ام سعد) زوجة لابن عمه مظفر عودة (ابو سعد) الذي کان هو الآخر ضابطا برتبة رئيس. اعتقد ان محمد قد طلب منها عدم الحضور لزيارته مخافة ان تجلب زيارة من هذا النوع المشاکل علی زوجها وعائلتها.
کان المساء بارداً بعد يوم صحو جميل، عندما جاءت السيارة في الموعد الاعتيادي من جهة الباب الرئيسي ثم انحرفت الی جهة اليسار قليلا ثم عادت راجعة باتجاه باب المعتقل، ووقفت علی بعد عدة خطوات. وکلما حدثت هذه المناورة في المساء عادة، ارتفعت ضجة بعض المعتقلين وهم يرددون عبارة "طيِّزت، طيِّزت" التي اصبحت ايذانا لأخذ بعض المعتقلين الی التحقيق. وکان المطلوب للتحقيق في ذلك المساء هو "محمد موسی". اصبت بدهشة بالغة ولم اصدق ما سمعته، لکن غازي سيف اعاد کلماته المعهودة باحضار حاجياتي معي. خلعت بجامتي ولبست ملابسي، وقام الاخ کتاب سعدون بطي بطانيتي، وانا ما زلت في دوامة الحيرة. اول شيء تبادر الی ذهني هو ابن الکذا محمد عوض. لا بد ان يکون محمد عوض! فهو اقرب الذين اُخذوا للتحقيق اليَّ. في الحقيقة، لا احد منهم کان قد زارني في البيت من قبل سوی محمد عوض. ماذا حدث؟ لقد عذبوا المسکين فذکر اسمي ليوقفوا ضربه. شدَّ الاخ کتاب سعدون علی يدي واعطاني برتقالة وقال "إخذ هاي وياك متاع!" عجبا!، لهؤلاء الأحّبة لا يعرفون ماذا يفعلون او يقولون وقت المحنة، فهم مرتبکون حقاً! قبلته وودعت الجميع وذهبت بصحبة غازي. لا استطيع ان اصف مشاعري لحظة وضع القيد علی معصمي، فهذه هي المرة الثانية في حياتي. ولکن عندما عصب عيني شعرت ان ذهني قد تلبد تماماً. دفعني غازي الی مؤخرة السيارة وساعدني في الجلوس علی المقعد واغلق الباب الخلفي.
اقنعت نفسي بانه لا بد ان أعي ما سيحدث، وان اخمِّن اولا أين سيأخذاني، برسم خارطة في ذهني عن اتجاه السيارة لأنني اعرف شوارع الناصرية ومناطقها عن ظهر قلب. بعد ان اجتازت السيارة البوابة الرئيسية انعطفت نحو اليمين، فخمنت اننا متجهون صوب باب الشطرة. لکن السيارة انعطفت يمينا ثم يمينا مرة اخری، بعدها في اتجاه مستقيم، ثم يساراً، ففقدت المتابعة! لا بدَّ أن ابن الزانية تعمد عمل ذلك لأرباکي! امضينا حوالي عشر دقائق، قبل ان اشعر ان السيارة بدأت تتسلق الطريق ثم اعقب ذلك نسمات باردة، فعرفت اننا نعبر الجسر، وهذا عکس ما خمَّنت اولاً. اذن اننا متجهون صوب سوق الشيوخ اذا استمرت السيارة بخط مستقيم. واذا استدارت الیِ اليمين فذلك يعني اننا ذاهبون صوب المحطة. هل حولوا المحطة ايضاً الی مرکز اعتقال وتحقيق؟ لا ادري. ربما. واذا اتجهت الی اليسار فذلك يعني اننا ذاهبون الی مدرسة خالد بن الوليد او الحامية. انعطفت السيارة يساراً وسارت دقائق ثم استدارت باتجاه عکسي واخيرا انعطفت الی اليسار ثمَّ توقفت.
ساعدني غازي سيف بالنزول فيما يبدو ان عباس قد سبقنا الی المکان، الذي لا اعرف اين. قال لي غازي بصوت منخفض وهو يقودني، کأنه ينصحني، بانه من الافضل لي ان اعترف حتی اتحاشی التعذيب! اعترف علی ماذا؟ ادخلني الی فيما يبدو انه "مکان" لأني سمعت اصواتاً، ثم دفعني الی اليمين جهة الاصوات وتوقفنا اخيرا. کنت اشعر انه وقف خلفي. کان واضحا ان عددا من الاشخاص کانوا موجودين هناك، إذ کانوا يتحدثون فيما بينهم. وبعد دقائق سألني صوت غير مألوف اذا کان اسمي هو محمد موسی وعملي معلم في مدرسة الجمهورية واسکن في البيت رقم 88 في الاسکان. فأجبت بالايجاب عن کلٍّ من هذه الاسئلة. سألني الصوت الغريب ان کنت شيوعيا، فأجبت بالنفي. سألني مرة اخری ان کنت اعرف شخصاً او اشخاصاً شيوعيين. أجبت باني اعرف الکثير من الاشخاص الذين يُقال عنهم انهم شيوعيون، ولکني لا اجزم انهم شيوعيون حقاً، لأنني لا اعرف. وعندما اضفت قائلا بان البعض يقول ان" کل شيعي شيوعي"، عاجلني الصوت الغريب بالمقاطعة بسيل من الکلام البذيء والسباب، سمعته وهو يقترب مني اکثر فاکثر. وعندما قال عبارة "هسَّه، لا تتفلسف عْـلِينا" شعرت ان يدا ثقيلة قد وقعت علی اذني اليمني بصفعة قوية أطارت صوابي، ففقدت توازني ووقعت علی الارض. امسکني غازي من کتفي وساعدني في النهوض وأنا ارتجف هلعاً.
عندما يکون الانسان في موضع خطر يمکنه ان يری مصدره، فان احاسيس الشخص وجهازه العصبي تکون علی استعداد للتکيف لذلك الخطر واستيعابه. ولکن عندما يکون معصوب العينين، فان وسائل الدفاع هذه تصبح عاجزة تماما وتنتفي قدرته علی التحکم برد فعله. سألني الصوت الغريب ان کنت تسلمت رسالة حزبية من خارج المعتقل اليوم، فلم اسمعه جيدا. أعاد السؤال فقلت انني تسلمت رسالة ولکنها ليست حزبية، فأنا غير حزبي. طلب الصوت الغريب الرسالة، فقلت انها في جيب سترتي جهة اليمين. شعرت بيد غازي سيف تمتد الی جيب سترتي وتسحب الرسالة منه. وبعد دقائق بدأوا يتضاحکون. علق احدهم "هاي رسالة غرام، مو رساله حزبيه!" وسأل آخر "منو نظيره؟" فقلت انها خطيبتي وهي تسکن في بغداد. وهذه رسالة شخصية وصلت منها، واستلمتها عصر اليوم عن طريق زوجة أبي. سأل صوت بلهجة موصلية "بقا، ليش جبتونو؟" ردَّ عباس حمادي، علی ما اعتقد، "إژت عْـِليه لَلحرس اخباريه اليوم العصر." صمتوا قليلاً. ربما نظروا الی بعضهم البعض. ربما شعروا بشيء من الاحراج والخجل. هکذا تصورت وقد اکون علی خطأ. ربما شعروا بشيء من الخيبة. ثمَّ أمر صوت آخر "حِلّ عيونه!"
لمَّا رُفعت العصبة عن عينيَّ وجدت ان الاشخاص الموجودين هم نعيم حداد وأخوه علي حداد وفهمي روفا ومدير صحة الناصرية، وهو طبيب مبعد من الموصل طويل القامة لا اتذکر اسمه. کما کان هناك شخص غريب وسيم المظهر، بالاضافة الی عباس حمادي الذي کان لا يزال يقرأ الرسالة، وغازي سيف الذي کان واقفا خلفي کل هذا الوقت. کانوا جميعا بملابس الحرس القومي ما عدا الطبيب. وکان الغريب الذي عرفت فيما بعد ان اسمه خالد الفضلي، کانوا يسمونه (ابو الوليد) هو الوحيد الذي يشدُّ مسدسا حول وسطه. کانوا يجلسون في رکن قليل الأضاءة في الغرفة، لأن الضوء کان مسلطاً علی من يقف امامهم. کان يوجد علی الطاولة رشاشة وعدد من الأضابير وتلٌّّ من الورق، اضافة الی قناني المشروبات الغازية واکواب الشاي. کانت الغرفة مفتوحة علی غرفة مجاورة، وکان الجو خانقا والدخان کثيف. قال نعيم حداد لغازي "ودِّيه للقاعه!" وعندما استدرت وغازي ما زال ممسکا بذراعي لاني ما زلت ارتجف، لاحظت وجود عدد من الاشخاص في الغرفة المجاورة وهم بملابس الحرس القومي لا اعرف ايَّاَ منهم. ادرکت فيما بعد ان هؤلاء هم زمرة التعذيب.
اخذني غازي الی غرفة في الجانب الآخر من البيت الذي کان فارغا من کل اثاث، باستثناء الکراسي والطاولات التي يستخدمها المحققون والمعذبون. وهناك وجدت عددا من الاخوة بينهم محمد عوض وحسين الدجيلي وسعد الدجيلي ومزهر حسن ونوري ابو شوارب. قام محمد واقفا، وقد اخذته الدهشة لمشاهدتي، واخذ حقيبتي وبطانيتي من غازي ثم فرشها الی جانب بطانيته، في حين رفع البعض من الآخرين يده ملوحاً بالتحية. کانت آثار بقايا کدمات بادية علی وجوه کل من مزهر حسن وسعد الدجيلي ونوري ابو شوارب، فيما لاحت بصمات التعب والانکسار والهزيمة بادية علی الوجوه. سألني محمد بجد، "إنت شيوعي، وآنا ما أدلي بيك!" فقد کان يلفظ الراء لاماً. أجبته مازحاً "إي، إبوك حجِّي عوض نظَّمني واعترف عليَّ!" ثمَّ اخبرني بصوت منخفض، وکأنه لم يُرِد ان يجرح مشاعر احدٍ، ان الجميع قد اعترفوا، وانکشفت "شجلة" تنظيم الحزب کاملة. سألته أين نحن فاخبرني اننا في بيت آمر الحامية! سألته ان کان شاهد سليم داود او فؤاد مگطوف، فقال بألم حقيقي "دمِّلوهم"! ثم أضاف انهم في الغرفة المجاورة. سألته عن کاظم جواد العجمي فاخبرني انه معهم كذلك. ولکن لا يُسمح لأحد الاتصال بهم. سألته عن عاجل کريم، فاخبرني انهم نقلوه صباح ذلك اليوم. استمر الألم في اذني اليمنی شديدا طيلة المساء، ولم استطع ان انم اطلاقاً.
کان واضحا مَن اتی بالاخبار للحرس القومي عن الرسالة، فقد صدق ابو الطيب المتنبي حين قال "ومن الصداقة ما يضرُّ ويؤلمُ". ولکنني کنت اود معرفة مَن صفعني. کان لا بُدَّ ان يکون اعسرَ، وهو بالتأکيد ليس غازي سيف، فهو الآخر کان اعسرَ. لم يستمر تساؤلي طويلاً، فقد لاحظت في اليوم التالي ان علي حداد اعسر، وسمعته يتکلم فتعرفت علی صوته، وهو بالتاکيد مَن صفعني مساء امس. (بالمناسبة، عندما وصلت الی الولايات المتحدة الامريکية بعد 15 عاما تقريباً من ذلك المساء العصيب، اجري لاذني فحص، فوُجد ان قدرتها علی السمع هي 40%). البيت واسع وفيه عدد کبير من الغرف، ربما سبع او ثمان. کان التحقيق والتعذيب يجري في القسم القريب من الشارع العام المؤدي الی سوق الشيوخ، حيث الغرفتين المتجاورتين. کما يوجد حمام وغرفة اخری يشغلها بعض المعتقلين. وفي الجانب المعاکس من البيت توجد غرف وحمام، کان المعتقلون يشغلون اثنين منها والثالثة للحرس. کان الصباح هادئا والحرکة قليلة باستثناء ثلاثة واحيانا اربعة افراد بملابس الحرس عند المدخل. يبدو ان النشاط يجري عادة وقت الليل. اما النهار فهو للراحة، باستثناء نقل المعتقلين الذين فُرغ من التحقيق معهم الی اماکن اخری!
صُدمت عند الظهر عندما شاهدت فؤاد مگطوف برفقة احد الحرس يقوده الی الحمام، وهو يتحرك حافي القدمين ببطیء شديد، ولا يلبس نظاراتيه کالعادة. بدا لي انهم قد شوهوا وجهه نتيجة التعذيب. کان قميصه ملطخا ببقع الدم. کان شعر راسه اشعثَ وبان شعر لحيته. کان واضحاً انه لم يحلق ذقنه منذ اخذوه من معتقل الخيالة قبل اکثر من اسبوع. وبعد دقائق اصطحب نفس الحارس الصديق سليم داود، وکان هو الآخر في حال ليست أفضل من حال الصديق فؤاد مگطوف، ويمشي بصعوبة ظاهرة، خافض الرأس، ممزق القميص بحيث ظهر کتفه الايسر الذي لاحظت انه ازرق اللون. وربما کان يرتجف بسبب الألم. بان شعر ذقنه هو ايضاً وکان وجهه متورماً، أو هکذا بدا لي. ثم جاء دور کاظم جواد العجمي، فلاحظت ان فمه متورم، وکذا عينيه. کانت بقع الدم تغطي جزءاً من رقبته، فدارت في ذهني فکرة انهم ربما حاولوا شنقه! مرُّوا امامي کالاشباح، وفاجأني الموقف إذ لم اتوقع ان اشاهدهم في حال کهذه اطلاقاً. وما زالت الصورة عالقة في ذهني بعد کل هذه السنين.
أطرق المعتقلون في غرفتي رؤوسهم حزناً، وکان الألم باديا بشکل واضح علی الجميع، وخاصة وجه حسين الدجيلي اکثر من اي شخص آخر. کان معظم الموجودين قد نقلوا من معتقل الخيالة. ولکن کان يوجد ايضاً اشخاص جاءوا بهم من معتقلات اخری. فمثلا شاهدت في نفس اليوم عزيز السيد جاسم وشخص آخر اسمه کاظم، لا اتذکر بقية اسمه، وهو نقيب سابق لعمال البلدية، وشخصين آخرين لا اعرفهما. وهذا طبعا اضافة الی الذين کانوا في غرفتي، وهم حسين الدجيلي وسعد الدجيلي. کما وجدت في اليوم التالي کلا من دلي مريوس وفائز الزبيدي في الغرفة المجاورة، وکانا في حال لايُحسدان عليها، اضافة الی فؤاد مگطوف وسليم داود وکاظم جواد العجمي.
سمعت صوت غازي قادماً من مدخل البيت عصر ذلك اليوم. توقف عند باب الغرفة واشار الي بالمجيء اليه. نهضت وتقدمت نحو الباب فقال بصوت غير مسموع بانه توقف صباح اليوم عند صيدلية مدحة الهاشمي، ثم عرَّجّ علی عيادة الدکتور اکرم الشبيبي ليُبلغ الوالد الذي يعمل هناك انني بخير! بخير؟ الامور نسبية حقاً! فأنا قطعاً بخير مقارنة بمعظم المعتقلين، وليس کل المعتقلين. لقد اتضح امامي رغم قصر مدة مکوثي في مرکز التحقيق وجود جماعة متعاونة مع الحرس القومي، وانهم قد ادلوا باعترافاتهم طوعاً، فليس عليهم اية آثار للتعذيب، ثم انهم يتحرکون بسهولة داخل البيت ولهم امتيازات اخری اکتشفتها فيما بعد. شکرت غازي علی مبادرته، وبشکل عفوي سألته دون تفکير، إن کان يوجد شيء يمکن ان استعمله للعناية بجروح المعتقلين، أو إن امکن أن ياتي لي به من الوالد. وقبل ان اسمع رده تابعت قائلاً "هذا حرام. ذوله وِلد ولايتك." اجاب بصيغة سؤال وکأنه استخفَّ بطلبي، "تريد تصير مضمد مثل ابوك؟" ثم َّتحرك مبتعداً نحو الجانب الاخر من البيت.
لا ادري کيف وُلدت الفکرة في ذهني وکيف جاءت کلماتي متتابعة، لاطلب من شخص انا علی قناعة تامة انه من الجلادين، ان يأتي لي بدواء لمعالجة ضحايا الجلادين انفسهم! نعم. قلت لنفسي اريد ان اکون ممرضا لهم! هذا شيء اقدر عليه. لن اقدر علی ان اجعلهم يستعيدون کبرياءهم التي مرغها الفاشست بعار الخيانة، ولا ثـقتهم بانفسهم التي ذهبت ادراج الرياح. لن اخفِّف الذنب الرهيب الذي يعذبهم، ولن اعوضهم عن الخسارة الفادحة التي حلت بهم، او سنوات الشرف والنضال التي ضاعت، والعمرالذي افنوه في خدمة قضيتهم. کل هذا تهاوی وسقط خلال اسبوعين وبعض اسبوع. لم يمت احدهم شهيدا، بل قادوهم کما الخراف للمسلخ، فبدأوا تسجيل اعترافاتهم واحدا تلو الآخر. نعم عُذب البعض منهم لأيام ولکنهم ادرکوا في النهاية ان صمودهم لا معنی له لان "الشجرة" قد کُشفت تماما. وهُدد الآخر بالاعتداء علی شرف اخته او زوجته فانهار باکياً يطلب الرحمة، واخذ يدوِّن ما أراد منه الفاشست. وقد لعب المتعاونون دورا فعالا في انهيار الذين يمکن ان يکونوا فکروا في الصمود، بِحثِّ هؤلاء علی الاعتراف وعدم جدوی الصمت والانکار، او بمناقضة اقوالهم احياناً. وکان من الطبيعي ان المحققين يأخذون دائماً بأقوال المتعاونين معهم. فيعاود الجلادون تعذيب الصامدين حتی اعترفوا بکل شيء. لربما استطيع ان اُداوي جروحهم، ولکن ليس جراحهم. فجروح الجسم اهون من جراح الضمير.
بدأ البيت يعج بالحرکة والنشاط عند المساء. کان قسم من المحققين ومنهم نعيم حداد وعلي حداد قد حضرا مبکرا، ثم لحق بهما فهمي روفا وخالد الفضلي والطبيب. استعد فريق التعذيب المکون من خمسة او ستة رجال بملابس الحرس القومي لاداء العمل الموکول اليهم. وهم جميعا عمال في مديرية السکك، وينحدرون، کما سمعت، اصلا من مناطق سوق الشيوخ والگرمة والعکيکة والچبايش. کان يقود الفريق شخص، ربما کان اسمه سيد حمود او رزاق. وهو طويل نحيل بشارب معقوف علی الطريقة العثمانية، وله عينان حادتا النظر. لابد ان مارکس وانجلز ولنن وحتی فهد کانوا سيتقلبون في قبورهم ألماً لو علموا ان اعضاء حزب الشغيلة وقادته وانصاره يُعذبون علی أيدي الشغيلة انفسهم! شيء لا يُصدق! نحن في زمن العُهر المُباح!
احضروا في ذلك المساء المصور غانم خليل وصالح هادي شنان وجميل گنو وحميد عيال، واحداً بعد الآخر. مرُّوا سريعا امام فريق التحقيق واعتقد انهم خضعوا لقدر من التعذيب قبل ان يقتنع المحققون بافاداتهم. امضوا ليلة واحدة فقط، ونُقلوا في الصباح الی معتقل آخر. ونُقل معهم محمد عوض ونوري ابو شوارب ومزهر حسن. عاد غازي سيف عند ظهر اليوم التالي ومعه کيس ناولني اياه وقال "هذا لوِلد الولايه." فتحت الکيس فوجدت فيه مواداً طبيةً وضماداتٍ. شکرته وقلت له انني احتاج الی وعاء لغلي الماء ورخصة للذهاب الی المطبخ والغرفة الاخری، فقال "علی راسي!"