د. محمد الأزرقي
کلية ماونت هوليوک للبنات
mjiyad@hotmail.com
(هذه الصفحات هي مساهمة متواضعة في مشروع طرحه الأستاذ طارق حربي لکتابة تاريخ مدينتنا الحبيبة. وبحسب علمي فإن دعوة مماثلة قد وُجِّهت لعدد من الزميلات والزملاء من بنات وابناء المدينة للمشارکة في المشروع. واملي ان تتکامل الصورة بشکل واضح ونافع حين يروي کلٌّ منا ما منحته لنا هذه المدينة الطيبة التي نشأنا وترعرعنا في احضانها. وبالنسبة لي فان هذه الذکريات او السرد هي قطعا قائمة علی احداث عشتها أو سمعت عنها، واشخاص عاصرتهم، وتربطني بالبعض منهم صداقة، وآخرين أکبر مني سنا سمعت عنهم. وتـُعتبر سنة 1948 هي بداية الوعي السياسي عندي، عندما شهدتُ التظاهرة الأولی وانا طالبا في المدرسة الغربية التي انطلقت منها تلك التظاهرة. کانت المدرسة التي تَسمی احيانا (مدرسة سيد باقر)، کما کان الوالد المرحوم يصّر علی ذلك مثلاً، نسبة لمديرها الاستاذ المرحوم السيد باقرالسيد محمد الظاهر (أبو منذر)، تشغل بيتاً قديماً واسعاً يقع عند تقاطع شارع الجامع الکبير مع (عگد الهوا)، الذي سُميَّ فيما بعد شارع الحبوبي.
وقد ارتأينا، انا والأخ طارق حربي، ان يکون هذا السرد قائماً علی عدد من المواضيع حتی يکون العرض متسلسلا، وليسهل علی القاریء ان يتابع مختلف مساهمات الأخوة والأخوات. )
1. عن الوضع السياسي والتظاهرة الأولی
کان في المدينة شبه وجود علني لحزبين سياسيين وهما حزب الامة وحزب الدستور، حزبي نوري السعيد وصالح جبر. واتذکر وقتها وانا صغيرا اننا کنا نردد اهزوجة تقول "نوري سعيد القندره وصالح جبر قيطانها"، دلالة علی انه ليس هناك فرق اساسي بين الحزبيين او قائديهما. لا اتذکر بالضبط الاشخاص الذين کانوا موالين لاي من الحزبين او ان کان لهما مقرَّين اوحملة انتخابية بالمعنی الحقيقي في عام 1955-1956. ولکن من المعروف انهما کانا يسعيان للحصول علی تأييد عشائر الناصرية. اعرف ان احد اعمامي ( في الحقيقة کان ابن خالة والدي) وهو المرحوم شنته جبر البطي کان من مؤيدي حزب صالح جبر لأنه "ابن الناصرية" کما کان يقول. واتذکر جيدا ان اول ضحية للاغتيال السياسي من ابناء الناصرية قد سقط خلال تلك الحملة الانتخابيه وتنافس الحزبين، حيث قـُتل شاب من افراد عائلة العضاض عندما کان يمارس النشاط الدعائي للحملة في مناطق عشيرة البطي. ربما کان عم جليل هادي العضاض وعبد الأله العضاض (يمکن ان يضيف الاخ جليل شيئا اذا کان لايزال علی قيد الحياة).
وکان معروفا ان الحزب الشيوعي کان الاکثرانتشارا علی الساحة السياسية، حيث کانت بدايته قد انطلقت اصلا من الناصرية في الثلاثينات. في عام 1948 وعندما کنت في الصف الاول الابتدائي شاهدت اول تظاهرة سياسية في حياتي. انطلقت التظاهرة من المدرسة الغربية الواقعة عند تقاطع شارع الهوا وشارع الجامع الکبير واتجهت نحو منطقة السراي والسوق. کان المتظاهرون يحملون لافتات کتبت عليها عبارات لم اکن استطع قراءتها، ولا اتذکر ما کانوا يرددون سوی بعض الکلمات مثل "تسقط المعاهده!" او شيء من هذا القبيل . لم تستمر المظاهرة طويلا حيث هاجمها رجال الشرطة بالعصي والهراوات وتفرق الجمع واختفی اخرون من المشهد. شاهدت بعض الجرحی وقسما آخر تم اعتقاله ولکن لم اسمع اطلاق نار. ما زالت صورة لاعب کرة السلة والطائرة عبد الصاحب کاظم وهو يحمل العلم العراقي في طليعة التظاهرة عالقة في ذهني. کان شابا طويلا وسيما وذو لياقة بدنية عالية. عرفت فيما بعد ان عبد الصاحب کاظم هو شقيق احد قواد الحزب الشيوعي آنذاك (عطشان ضيُّول).
وبعد ثمان سنوات تقريبا وفي عام 1956 شهدت تظاهرة اخری، حيث اطلقت احداث العدوان الثلاثي علی مصر شرارة تحرك طلابي. کان في الحقيقة اعتصاما داخل المدرسة الثانوية في الناصرية. قام الطلاب بحمع مقاعد الدراسة (الرحلات) ووضعوها عند مدخلي المدرسة لاغلاقهما ومنع اي شخص من الدخول اليها. وکان المقصود بذلك رجال الشرطة والامن. وکانت تلك السنة هي بداية تأسيس دار المعلمين الابتدائية في الناصرية التي شغلت بعض صفوف البناية وکانت تحت ادارة مدير المدرسة الثانوية جاسم الجبوري (کان يُقال ان مدير المدرسة جاسم الجبوري المعروف بحزمه وشدته وبذاءة لسانه وافتقاده الی مبدأ ما يمکن ان يسمي "مُربِّي". عرفته في وظيفته لمدة ثلاث سنوات وهي فترة مرحلة الدراسة المتوسطة. قيل انه کان متعاونا مع الامن، وهو اصلا من العمارة ويُقال ان والده کان شرطيا!).
لقد ادت خطوة افتتاح دارالمعلمين الی تزايد اعداد طلاب المدرسة وتنوع خلفياتهم الاجتماعية والسياسية. کانت المدرسة قبلها تقتصر علی ابناء الناصرية. اما الان فقد انضم اليهم طلاب من سوق الشيوخ والشطرة والرفاعي وقلعة سکر). باعتقادي کان اتحاد الطلبة، وهو المنظمة الطلابية التي يوجهها الحزب الشيوعي، هو المسؤول عن تنظيم ذلك الاعتصام حيث کان الشباب الذين يقودون الطلاب ويوجهونهم ويرددون الهتافات والشعارات، هم من کان يُقال انهم شيوعيون. ليست هذه هي المرة الاولی التي شهدت فيها نشاط اولئك الطلاب. شاهدتهم وهم يوزعون النشرات السياسية (کانت تسمی مناشير) بين الطلاب في داخل المدرسة او في (حديقة غازي) المقابلة لها، والتي کانت تعج بالطلاب وهم يطالعون او يستعدون لامتحاناتهم النهائية. في العادة کانت المناشير توزع اثناء الليل حيث توضع في الرحلات وعلی مقاعد الدراسة او الممرات. والغرض من ذلك طبعاً تحاشي رجال الامن.
وعندما انتشر خبر الاعتصام في المدينة، هرع الاباء والامهات الی المدرسة فاحاطوها من کل جانب. احضرت بعض الامهات (السفرطاسات) وفيها الطعام للاولاد المضربين الذين قتلهم الجوع! کما احضرت قناني (السيفون)، و(البلانکيتات والمخاد)، اذ کيف ينام الاولاد (علی الکاشي) بدون فراش! احضر بعض الاخوان الاکبر سنا والاصدقاء (الجگاير) لمن کانوا يدخنون. اطل مدير المدرسة مرة او مرتين للتحدث مع الطلاب الذين فصلتهم عنه صفوف عالية من الرحلات. فنصح وهدد ووعد، لکن الطلاب کانوا يردون عليه بالهتافات التي کانت تندد بالحکومة وعجزها عن تأييد مصر. کانوا يطالبون بالتطوع لقتال الغزاة علی درض مصر، ومحاکمة العملاء والحرية السياسية، ووطن حر وشعب سعيد! کان الاباء يصفقون والامهات يزغردن لشد عزيمة الطلاب وصمودهم!
حضر رجال الامن والشرطة وتجمعوا عند المدخل الرئيسي للمدرسة وسط استياء الاباء، وتوسل الامهات ( عيني علی غيرتکم! ذوله مثل ولدکم! لا تأذوهم!). دخل معاون للشرطة يرافقه عريف وعدد من الافراد بعد ان ازالوا بعض الرحلات من المدخل، واتجهوا صوب اليمين حيث يقع مکتب المدير وغرفة المدرسين. لا أحد يعرف ماذا دار هناك من حديث، ولکن بعد مرور حوالي ساعة تقدم معاون الشرطة وعدد من المدرسين المصريين نحو الطلاب. ومن خلف المانع تحدثوا مع الطلبة. وهم الاستاذ حزقيال نصر اورسانيروس، قبطي مصري يُدرِّس الکيمياء، والاستاذ ابراهيم عبود مدرس التاريخ، وطاهر جلال مدرس اللغة الانگليزية. تحدث الاخير وشکر الطلاب باسم المصريين وسط هتافات التأييد. قال ان مصر بخير وطلب من الطلاب المحافظة علی الهدوء والنظام وعدم الحاق اي ضرر بممتلکات المدرسة، وتفويت الفرصة علی الاعداء ..الخ. ترك معاون الشرطة ومرافقوه المدرسة، ولکن بقي البعض من رجال الامن حولها. کان منهم عفون المطيرچي وسيد بديوي وغيرهم، لا اعرف ولا اتذکر من کانوا. استمر الطلاب في هتافاتهم، کان الجو احتفاليا بطبيعته تخللته بعض الاغاني التي رددها الطلاب. أتذکر منها:
هذا حدنا وياکم يللي بعتوا بلادکم
خاينين الشعب ناشرين الشغب
ما نريد احلافکم هذا حدنا وياکم
من سمع ريس جمال ( إيدن) يريد القنال
شعب جهـَّز للقتال وانتو صنطه بدارکم
هذا حدنا وياکم
(ابو شوارب) من قرا کلها رجعت ليواراه
واليهودي الحشره انخطف لونه وحالکم
هذا حدنا وياکم
وإيدن المقصود هنا هو انطوني إيدن رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الوقت، وابو شوارب هو مندوب الاتحاد السوفياتي في مجلس الامن وقت العدوان الثلاثي.
حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر، جاء الاستاذ عمران الموسوي استاذ اللغة العربية، وهو من ابناء الناصرية، وشقيق الاستاذ السيد نوح والسيد رويح وعم الاستاذ کاظم رويح. قال الاستاذ عمران الموسوي ما معناه ان الاعتصام حقق مطلبه وسمع الجميع الموقف البطولي لشباب الناصرية وانه من المصلحة الانصراف الی البيت بانتظام وتحاشي الاحتکاك برجال الامن خارج المدرسة. وبعد وقت قصير قرأ احد الطلاب الذي لم يکن من ابناء الناصرية ولا اعرف اسمه بيان اتحاد الطلبة الذي اعلن فيه انتهاء الاضراب ووجوب مغادرة مبنی المدرسة من الباب الخلفي. امتثل الجميع وتفرقوا بهدوء.
اُغلقت المدرسة لبضعة ايام. وعندما عدنا الی صفوف الدراسة وجدنا ان عددا من الطلاب قد فـُصلوا. کان منهم من ابناء الناصرية سمير يوسف الصيدلي والمرحوم عاجل کريم والمرحوم کاظم جواد محمد جعفر الملقب (کاظم العجمي. توفي في المنفی في ايطاليا قبل عدة سنوات) وضياء احمد أغا وحامد سمير والمرحوم فؤاد مگطوف. کما کان بينهم علي هداد وسعد الدجيلي (من الشطرة)، واخرون غيرهم، لا اتذکرهم بالضبط. بعد الفصل من الدراسة سيق اولئك الشباب وسُفـِّروا الی معسکر جلولاء لأداء الخدمة العسکرية هناك. وباستثناء ضياء احمد اغا الذي اختار دراسة الصيدلة، اختار الاخرون مهنة التعليم بعد ان عادوا الی مقاعد الدراسة عند اکتمال مدة خدمتهم واصبحوا معلمين في مدارسها الابتدائية.
وبحسب علمي، لم يکن بين الذين نظموا الاعتصام وقادوه وفـُصلوا من الدراسة لاجله ايُّ شخص له انتماء غير يساري او شيوعي. الجميع کانوا إما اعضاء او انصار أو أصدقاءيتعاطفون مع الحزب الشيوعي. في ذلك العام، أي عام 1956 کنت اعرف علی الاقل شخصا کان يتردد علی النادي الرياضي (نادي المنتفگ الرياضي) ويلعب کرة القدم. کان شابا هادئا مهذبا يکبرني ببعض السنوات اسمه عبد الله عبد الجبارالدهله (عُرف فيما بعد بعبد الله بالرکابي) کان يُقال انه بعثي أو قومي. وکان هناك شاب آخر يتردد علی الجامع الکبير اسمه قيس (لا اعرف اسمه الکامل کان يملك کشك لبيع المرطبات والسجائرعند زاوية مبنی السراي، وهو الاخ الاکبر لنعمان، الشاب الذي کان يمتلك محلا لبيع (الکرزات) مقابل سينما الاندلس الشتوية). کان قيس هذا يتردد علی الجامع الکبير وقيل انه من الاخوان المسلمين. کما اتذکر شخصا ثالثا اسمه کامل (لا اتذکر بقية الاسم) کان ابوه يعمل في إسالة الماء وبيته قريب من مستشفی الحميَّات (الذي کان العامة يسمونه مستشفی العزل) وصار مدرسا للرياضة فيما بعد. في عام 1956، کان يُقال ان ذلك الشاب کان من حزب التحرير. وکان للحزب الوطني الديمقراطي، وهو حزب المرحوم کامل الچادرچي، وجود محدود يتمثل بعدد قليل اعرف منهم اثنين فقط وهما المرحوم عبد الحسن الحلاق (ابو سمير) وجبرصاحب مکتبة الاهالي.
لا بد من الاشارة هنا الی ان بعض الشباب الشيوعيين کانوا يستغلون فترة شهرمحرم ليشارکوا بـ (ردَّات) ذات مغزی وطني خلال مجالس التعزية. وکان يُشاع ان السيد فاضل الرادود الذي يأتي عادة من النجف ليقود بعض مجالس التعزية في الناصرية کان يؤلف ويلقي ردَّات يمکن تفسيرها بأنها احتجاج علی الوضع السياسي، وتشعر فيها نَفـَسا للشعارات الوطنية التي ينادي بها الحزب الشيوعي. کان موکب الحمالين لمحطة القطار من ابرز المواکب التي يتردد اليها الشباب. ولا عجب في ذلك لأن:
موکب حماميل المحطة کل سنه وعام
يطلب عدل الاعلام
باسم ابو الزهره مأيِّده وحامي الحميه
بارض الغاضريه
فهم الذين يطالبون بنشر اعلام العدل
في طول البلاد وعرضها، وهم يستمدون العون والتأييد وحتی الشرعيه لمطالبهم هذه
من النبي محمد، ابي الزهراء، وکذاك من حامي الحما القابع في ارض
الغاضريه!
ولن تضيع منهم فرصة اخری في ليالي شهر رمضان، حيث لازلت اتذکر
جوقة من الشباب تصاحب (ابو طبيله) وهو يضرب طبله ليوقض الناس للسحور. کان
منهم علی ما اتذکر صباح الدليمي ودينار کريم وحميد گنـَّو وکامل وحيد الموصلي
وجميل عبد الجبار الحران وصبار الملا عمران وکاظم داخل حسن وبهجة احمد الريس
وغيرهم. وکان اولئك الشباب يرددون اغان يمکن تفسيرها بانها ذات نکهة وطنية
وسياسية. ولعل احد الذين کانوا ضمن تلك المجموعه، يقرأ هذه السطور ليضيف
اليها لانني لا اتذکر الکلمات بالضبط. (عندما هربت من العراق عام 1976 کان
جميل عبد الجبار الحران ودينارکريم وکاظم داخل حسن وبهجة احمد الريس
يعملون موظفين في دائرة کهرباء وبلدية الناصرية، فيما کان حميد گنـَّو وصبار
الملا عمران يعملان في الادارة المحلية. وکان کامل وحيد الموصلي يعمل في
مديرية الطاپو، علی ما اعتقد. اما صباح الدليمي الذي اصبح بعد الثورة قياديا
ناشطا في منظمة الشبيبة الديمقراطية فقد انتقل الی بغداد بعد انقلاب شباط
الاسود عام 1963، فيما بقي اخوه بهجة الدليمي في عمله کمعلم بعد ان اعيد الی
الخدمة بعد الف